تحليلات جورجيو بيولا التقنيّة

تحليل تقني: أفضل خمسة حلول تصميميّة في موسم 2017

خلطت بطولة العالم للفورمولا واحد الأوراق مجدّدًا تمهيدًا لموسم 2017 عبر اعتماد مجموعة قوانين تقنيّة جديدة وعدت بتوفير سيارات أعرض وأسرع وذات مظهر جذّاب تسمح للسائقين بالضغط حتّى الحدود القصوى.

وبالنظر إلى ازدياد مستويات الارتكازيّة بشكلٍ كبير وتوفير بيريللي لإطارات أعرض، لم تبدُ السيارات الجديدة أكثر جاذبيّة فقط بل قدّمت أزمنة أسرع أيضاً.

كما جابه السائقون أحمالًا جانبيّة تجاوزت 5 أضعاف الجاذبيّة، بينما ارتفعت السرعات عند رأس المنعطف بأكثر من 30 كلم/س، ما ترك المسؤوليّة على عاتق السائقين لمجاراة متطلّبات قيادة المقاتلات الجديدة.

وبالنظر إلى أنّ القوانين التقنيّة الجديدة وضعت معظم التركيز على توفير المزيد من الارتكازيّة فإنّ التوقّعات رجّحت كفّة ريد بُل لمقارعة بطلة العالم مرسيدس.

وفي حين أنّها فشلت في تحقيق ذلك في البداية، إلّا أنّها رفعت من حجم زخمها مع تقدّم الموسم متبنية أفضل الحلول التي قدّمتها الفرق الأخرى عبر ملاءمتها مع ما تتطلّبه سيارتها.

وفي الوقت الذي تعثّرت فيه ريد بُل، كانت فيراري على قدر التحدّي وبدت ندًا لندّ في مواجهة مرسيدس عبر تصميم أنيق وقويّ تضمّن عدّة حلول مبتكرة ساهمت في إعادتها إلى معركة مقدّمة الترتيب.

أمّا مرسيدس فقد أقدمت على اعتماد لمستها الخاصة.

وسنتطرّق هنا إلى المعركة التقنيّة المحتدمة التي جمعت الفرق الثلاثة عبر تقديم أفضل خمسة حلول مبتكرة لموسم 2017.

1 – تقديم جذري

إحدى أبرز اللحظات إثارة في العام الماضي كانت عند كشف فيراري النقاب عن مقاتلتها "اس.اف70اتش"، حيث بدا من الواضح حينها أنّ فيراري فكّرت مليًا في التحدّيات التي تفرضها القوانين الجديدة متبنية حلًا معقّدًا متعدّد الأوجه والأسطح عند جانبَي السيارة ما سمح بالإبقاء على قاعدة العجلات قصيرة نسبيًا. 

مقارنة بين سيارة فيراري "اس.اف16-اتش" وقوانين 2017
مقارنة بين سيارة فيراري "اس.اف16-اتش" وقوانين 2017

تصوير: جورجيو بيولا

إذ لم تهدف القوانين الجديدة إلى منح الفرق المزيد من الارتكازيّة فقط، بل إلى تحسين المظهر الجمالي للسيارات عبر وضع قيود على أبعاد الجناح الأمامي ما أجبر المصمّمين على اعتماد شكل مثلّث، وكذلك الحال بالنسبة لجانب السيارة والحافة الأماميّة للأرضيّة، إلى جانب مراجعة شكل الجناح الأمامي وارتفاعه. 

مقارنة من الأعلى بين سيارة فيراري "اس.اف70اتش" و"اس.اف16-اتش"
مقارنة من الأعلى بين سيارة فيراري "اس.اف70اتش" و"اس.اف16-اتش"

تصوير: جورجيو بيولا

نتيجة لذلك تُصبح الاضطرابات الهوائيّة الناتجة عن الإطار الأمامي الأعرض مؤثّرة على التصميم المثلّث الجديد، لكنّ فيراري أوفت بتلك الشروط التصميميّة بطريقة فريدة من نوعها عبر تأخير موقع فتحة التبريد الجانبيّة وتقديم معدّات توجيه هواء أمامها.

وسمح هذا الحلّ المبتكر بتحقيق أهداف التبريد من جهة والأهداف الانسيابيّة من جهة أخرى، لكنّه فسح المجال أيضاً أمام اعتماد قاعدة عجلات أقصر. في المقابل أُجبرت مرسيدس على إطالة سيارتها من أجل تخفيف تأثير الاضطرابات الهوائيّة الناجمة عن الإطار الأمامي على هذا الموقع الحيوي من السيارة. 

جانب سيارة فيراري "اس.اف70اتش" وتغيّر القوانين منذ 2011
جانب سيارة فيراري "اس.اف70اتش" وتغيّر القوانين منذ 2011

تصوير: جورجيو بيولا

وتعود أسس هذا الابتكار إلى التفكير الجانبي اللازم لبلوغ حلٍ مماثل. إذ أنّ فريق التصميم لم يأخذ نتائج التبريد والانسيابيّة بعين الاعتبار فقط، بل بنيته أيضاً، إذ أنّ دعامة التصادم الجانبيّة تحتاج للتواجد في موقعٍ معيّن من أجل ضمان عمل الفكرة برمّتها.

وسبق للفرق إضاعة الكثير من الموارد في تصميم دعائم التصادم الخاصة بها ما أدّى إلى اعتمادها لتصاميم معقّدة للغاية مثل مكلارين في 2011 (الصورة اليسرى المصغّرة).

لكن المصمّمين وجدوا أنفسهم منذ موسم 2014 مقيّدين ببنية أحاديّة الأبعاد، إذ قامت "فيا" بجعل الهياكل قياسيّة (الصورة المصغّرة الوسطى)، حيث يُستخدم عمودان عند الواجهة الأماميّة لجانب السيارة (سيارة دبليو05 في الصورة المصغّرة اليمنى).

ومن أجل ضمان امتثال هذه الخطّة الرائعة مع القوانين، توجّب على فيراري إيجاد مكانٍ جديد لدعائم التصادم أمام جانب السيارة، حيث قامت بتثبيتهم بشكلٍ ذكي في الهيكل الخارجي أمام الفتحة (الدعامة العلويّة، السهم الأزرق في الصورة الرئيسيّة).

2 – جراحة كبيرة

تُعدّ جائزة إسبانيا الكبرى محطّة مهمّة للغاية في مرحلة تطوير السيارات، إذ أنّها السباق الأوروبيّ الأوّل من الموسم، وهي تسمح للفرق بجلب حزم تحديثات أكبر من دون تكاليف نقلها حول العالم بأكمله.

ويمنح ذلك المصمّمين الوقت لتجهيز واختبار وتصنيع القطع التي يكون لها تأثيرٌ بارزٌ على الأزمنة، إلى جانب إمكانيّة تصحيح بعض الأخطاء الأوليّة أو استخراج أداءٍ لم يكن متاحًا في السابق.

وكانت هذه مرحلة حاسمة للغاية بالنسبة لمرسيدس، إذ أنّ معركتها مع فيراري احتدمت أكثر حينها بينما بدأ تهديد ريد بُل يزداد مع مرور الوقت.

وفي حال لم تعمل التحديثات بالشكل الذي ظهرت عليه في أنظمة الموائع الحسابيّة "سي اف دي" ونفق الهواء فذلك يعني أنّ الفريق لم يعد إلى الخلف فقط، بل أنّ عمل الأسابيع الستّة أو الثمانية السابقة لم يكن ذا فائدة. 

تطوّر أنف سيارة مرسيدس "دبليو08" في 2017
تطوّر أنف سيارة مرسيدس "دبليو08" في 2017

تصوير: جورجيو بيولا

وتمثّل أحد أكثر الأجزاء إثارة ضمن حزمة تحديثات الفريق في الأنف الجديد، إذ تضمّن حلًا مبتكرًا لم يسبق لنا رؤيته ووصفه بـ "الستار" الذي ينثني أسفل الأنف.

ويمتدّ هذا الجزء المقوّس الذي يبدأ عند مستوى متقدّمٍ للغاية حتّى نقطة تسمح له بتعويض شفرات التوجيه الاعتياديّة المتواجدة أسفل الأنف وبداية الهيكل (الصورة المصغّرة اليسرى).

ولا يجب التقليل من شأن هذا التحديث أيضاً كونه ليس فقط تصميمًا مختلفًا بالكامل عمّا سبق لنا رؤيته، بل أنّه كشف حجم الطموح الانسيابيّ للفريق بالنظر إلى مدى نحافة هيكل الأنف الجديد اللازم لتضمين هذا التصميم وضرورة اجتيازه لاختبار تصادم جديد.

وتطلّب ذلك قرارًا جريئًا في وقتٍ مبكّر من مرحلة التطوير وذلك بالنظر إلى الوقت اللازم مسبقًا لاعتماد هكذا أجزاء، ما يعني أنّ الفريق شرع على الأرجح في العمل عليه قبل الوصول إلى ملبورن.

وكان الطاقم التقني الذي يديره جايمس أليسون مهندس فيراري السابق قادرًا على توفير بعض الوزن عبر التحديثات على مدار العام.

ومثّل ذلك أحد المزايا البارزة التي سمحت لمرسيدس باستخدام أجنحة ذات زوايا هجوم أقلّ حدّة من فيراري مستخدمة في الوقت ذاته إعدادات محرّك أكثر قوّة من أجل بلوغ سرعات قصوى أعلى من ريد بُل الي استخدمت زوايا هجوم أقلّ منهما.

وواصل الفريق جلب تحديثات أصغر حجمًا في مقدّمة السيارة في النمسا (الصورة المصغّرة اليسرى السفليّة) وماليزيا (الصورة المصغّرة اليمنى العلويّة) في ظلّ سعيه لتحسين تصميمه الأساسي من أجل استخراج المزيد من الأداء منه.

3 – تشابه من قبيل الصدفة

تصميمَي نظام التعليق الأمامي لسيارتَي مرسيدس "دبليو08" وتورو روسو "اس.تي.آر12"
تصميمَي نظام التعليق الأمامي لسيارتَي مرسيدس "دبليو08" وتورو روسو "اس.تي.آر12"

تصوير: جورجيو بيولا

من النادر للغاية أن يُقدّم فريقٌ حلولًا فريدة مثيرة للاهتمام أثناء إحداث تغييرات على القوانين، لكنّ ذلك ما حدث بالضبط في 2017 عندما صمّمت مرسيدس وتورو روسو نظامَي تعليق أماميّين شبه متطابقين.

بل كان جايمس كي المدير التقني لفريق تورو روسو مصدومًا حيال ما حدث، حيث قال: "نظرت إلى سيارة مرسيدس وقلت «آه، حسنًا. لقد أخذوا نظام تعليقنا الأمامي»".

وأضاف: "أي من جهة كنّا سعداء برؤية فريقٍ آخر يقوم بأمرٍ مماثل، لكن على الجانب الآخر تكون محبطًا لأنّك لم تكن الفريق الوحيد الذي فكّر في ذلك الحلّ".

وارتآى الفريقان استخدام تمديد للعمود العلويّ نتيجة الحاجة لمرونة ميكانيكيّة من أجل السماح بملاءمة السيارة لاحقًا في حال تفاعلت بشكلٍ ضعيف مع الجيل الجديد من إطارات بيريللي، بينما يُوفّر ذلك التصميم في الوقت ذاته مكاسب انسيابيّة نتيجة تغيير حركة التيارات الهوائيّة عند تلك المنطقة نتيجة الإطارات الأعرض والحريّة الإضافيّة المتاحة للمصمّمين عند جانبَي السيارة.

4 – تبنّي الأفكار

تفاصيل أرضية سيارة فيراري "اس.اف70اتش"
تفاصيل أرضية سيارة فيراري "اس.اف70اتش"

تصوير: جورجيو بيولا

شاهدنا بالفعل حجم ابتكارات فيراري عند القسم الأوسط من سيارتها، لكنّ حلًا آخر مترابطًا جذب انتباه منافساتها خلال المراحل الأولى من موسم 2017، إذ شُوهد القسم الخارجي من الأرضيّة يتحرّك بشكلٍ عنيف عند تواجد السيارة على المسار.

واشتبهت الفرق الأخرى في أنّ فيراري كانت تستخدم ذلك التأثير من أجل تحسين غلق حافة الأرضيّة أمام التيارات الخارجيّة ودفع الاضطرابات الهوائيّة الناجمة عن الإطار الأمامي خارجًا، لتسارع نتيجة لذلك إلى التواصل مع "فيا" وحثّها على حظر ذلك التصميم. 

أرضية سيارة فيراري "اس.اف70اتش"
أرضية سيارة فيراري "اس.اف70اتش"

تصوير: جورجيو بيولا

وعلى إثر عدّة محاولات لتدعيم القسم الأمامي من الفتحة (الدائرة البيضاء في الصورة المصغّرة)، رضخ الفريق في نهاية المطاف وقام بغلق الفتحة عبر إضافة جزء معدني في النمسا.

صاحب مركز الإنطلاق الأول سيباستيان فيتيل، فيراري
صاحب مركز الإنطلاق الأول سيباستيان فيتيل، فيراري

تصوير: ستيفن تي / صور لات

وعادة ما تجذب الحلول المبكترة اهتمام الآخرين، حيث نُسخ حلٌ آخر من حلول فيراري تمثّل في موجّه الهواء الجانبي وفتحاته، إذ جلبت ريد بُل نسخة مشابهة للغاية منه في سنغافورة. 

مقارنة بين الزعانف الجانبية لسيارة ريد بُل "آر.بي13" وفيراري "اس.اف70اتش"
مقارنة بين الزعانف الجانبية لسيارة ريد بُل "آر.بي13" وفيراري "اس.اف70اتش"

تصوير: جورجيو بيولا

وفي حين أنّ تصميمَي فيراري وريد بُل يبدوان شبه متطابقَين للوهلة الأولى – حتّى على صعيد استخدام فتحات أفقيّة – فإنّ هناك فارقًا أساسيًا بينهما حيث قرّرت ريد بُل عدم اعتماد حافة أماميّة أكثر حدّة مثل فيراري مُستخدمة عوضًا عن ذلك شريطًا أماميًا (السهم الأحمر) وذلك يعود على الأرجح إلى الخصائص المختلفة للتيارات الهوائيّة القادمة من مقدّمة السيارة.

5 – تقليد طبيعي

استغلّت الفرق خطأ القوانين الذي فتحت الباب أمام اعتماد أجنحة "تي" التي تبنّتها كلّ فرق البطولة خلال موسم 2017.

وباتت هذه الجنيّحات التي يبلغ عرضها 50 ملم أكثر تعقيدًا مع تقدّم الموسم لتصل بعض الفرق إلى استخدام ثلاثة أسطح وفتحات عليها، فضلًا عن اعتماد جنيّحٍ آخر في الأسفل أيضاً. 

جناح "تي" على سيارة مرسيدس دبليو08
جناح "تي" على سيارة مرسيدس دبليو08

تصوير: جورجيو بيولا

وكانت مرسيدس أوّل من قدّم التصميم عندما أجرت الاختبار الأوّلي لسيارتها في سيلفرستون جامعة بين جناح "تي" ودعامته التي قطعت العادم لتُثبّت على هيكل التصادم الخلفي.

وعاد الفريق لزيادة تعقيد تصميمه لاحقًا لينتقل من مكوّن واحد إلى نسخة ثلاثيّة الأسطح (الصورة أعلاه)، وذلك بالتزامن مع حلٍ آخر مبتكر متمثّل في زعنفة القرش التي تضمّنت فتحة علويّة (بمثابة مدخنة) تسمح بتصريف الحرارة من وحدة الطاقة بشكلٍ أسرع. 

غطاء محرّك سيارة فورس إنديا "في.جاي.ام10" في سنغافورة
غطاء محرّك سيارة فورس إنديا "في.جاي.ام10" في سنغافورة

تصوير: جورجيو بيولا

وفي حين أنّ أيّ فريقٍ آخر لم يُقدم على نسخ ذلك التصميم، إلّا أن ّفورس إنديا قدّمت تصميم غطاء محرّك جديد في سنغافورة استغلّ تلك المنطقة أيضاً. إذ أنّ فكرة الحظيرة الهنديّة تمثّلت في اعتماد أكثر من 30 جنيّحًا مزدوجًا على كامل طول غطاء المحرّك ليتمّ تشبيهه سريعًا بـ "ستيغوسوريس".

ويُعتقد بأنّ مجموعة الجنيّحات تلك تعمل مع الجنيّح الآخر الأكبر (السهم الأزرق) من أجل تشكيل دوّامة متدرّجة تعمل على تحسين توازن السيارة أثناء الانعطاف وتحسين التيارات الهوائيّة المتوجّهة إلى الجناح الخلفي.

لكنّ قوانين موسم 2018 حظرت تصميمَي زعنفة القرش وجناح "تي"، وفي حين أنّ بعض حلول العام الماضي قدّمت دفعات إضافيّة على صعيد الأداء، إلّا أنّها باتت جزءًا من التاريخ الآن.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
نوع المقالة تحليل
Topic تحليلات جورجيو بيولا التقنيّة