تحليل: علامات الاستفهام الكبيرة حول مستقبل لوكلير مع فيراري
إن كانت المقارنات قد بدأت بالفعل بين شارل لوكلير والأسطورة جيل فيلنوف، فإن هناك مقارنات أكثر إثارة للقلق تلوح في الأفق: غياب أي لقب عالمي باسمه تحت لواء فيراري..
تزامناً مع العطلة الصيفية لموسم 2023 الجاري في الفورمولا واحد، هدأت المنافسات التي شهدت هيمنة ريد بُل المطلقة مع نجمها ماكس فيرستابن الذي سحق الجميع حتى الآن وبفارق شاسع.
من بينهم، شارل لوكلير، أصيل موناكو وسائق فيراري الذي لطالما تنبأ له الجميع بلقب عالمي قريب، لكن هذا الحلم يبدو أبعد وأبعد عن الواقع موسماً تلو الآخر، خاصة مع تصاعد علامات استفهام حيال مستقبله خلف مقود السيارة الحمراء.
وبينما ظهرت بعض التصدعات في العلاقة التي تجمع لوكلير بفريقه، لكن لا شكّ في قوّة الارتباط الذي يشدّه إلى فيراري.
بالعودة إلى سنغافورة العام الماضي، حين تسبب خطأ نادر لـ ريد بُل بحرمان ماكس فيرستابن من التأهل في صف الانطلاق الأول، وبينما منح زميله سيرجيو بيريز الفوز للعلامة النمساوية، لكن لوكلير سرق الأضواء.
بعد أن أطاح بأفضلية قطب الانطلاق الأول الذي حققه للمر التاسعة له (والأخيرة حتى الآن) في 2022، عبر انطلاقة متواضعة في السباق الذي تأخر بسبب الأمطار، أمضى لوكلير ساعتين وهو يحاول التعويض رامياً سيارته فيراري هنا وهناك على المسار الصعب بإحباط واضح بعد أن أهدى بيريز الصدارة.
ورغم كل جهوده لكنه خسر السباق لصالح المكسيكي.
وليس من الصعب أن نرى تلك المقارنة على متن فيراري بين لوكلير وجيل فيلنوف. بالتأكيد، سيارات الفورمولا واحد الحالية لا تنزلق كما كان عليه الحال سابقاً أيام الكندي، لكن لوكلير يمتلك بالتأكيد ذهنية "المجازفة حتى الفوز".
"كونك جزءاً من فيراري هو بشكل ما إحياء لأسطورة الحصان الجامح" هذا ما قاله ماتيا بينوتو مدير فريق فيراري السابق حول لوكلير بعد أن قاد سيارة فيلنوف من موسم 1979 كجزء من مراسم تكريم الكندي في ذكرى وفاته الأربعين.
وأكمل: "هناك سائقون قلائل قادرون على ذلك. أعتقد أن شارل أحدهم، جيل كان من بينهم كذلك".
وما حصل في سنغافورة يقدم صورة عن وضع لوكلير الحالي. أداؤه الممتاز على الأمطار بعد انطلاقته المتواضعة يمثل فرصة ضائعة نظراً لهيمنة ريد بُل المذهلة.
وفي 2023، وبعد خروج بينوتو وانضمام فريدريك فاسور بديلاً عنه، تواصل الحال نفسه مع أداء فيراري من جهة، وتأدية لوكلير الجامحة داخل وخارج الحلبات، من جهة أخرى.
شارل لوكلير، فيراري
تصوير: صور موتورسبورت
هل تنبع مشاكل لوكلير منه شخصياً؟
لقد كان موسماً مؤلماً منذ البداية. رغم اللمحات الجيدة من لوكلير في البحرين، لكن مشاكل المحرك تسببت بعقوبة التراجع على شبكة انطلاق السعودية. من ثم في أستراليا، أخطأ في موقع سيارته خلال اللفة الافتتاحية ليخرج إلى الحصى بعد احتكاك مع لانس سترول سائق أستون مارتن.
قطب الانطلاق الأول لأولى سباقات الموسم القصيرة في باكو تضمن بالفعل حادثاً آخر مع هزيمتين ثقيلتين من قبل ريد بُل.
حادثته في القسم الثالث لتصفيات ميامي قضت على زخمه، حيث كانت محاولاته للتعويض في السباق متواضعة. وفي موناكو، قدم لوكلير استعراضاً جديداً لسرعته ليتأهل بفارق 0.1 ثانية خلف فيرستابن وفرناندو ألونسو، لكنه انطلق سادساً لإعاقة لاندو نوريس سائق مكلارين في التصفيات، حيث فشلت فيراري مجدداً في تحذيره مسبقاً. وبعدها، واجه مشاكل متتالية منعته من التأهل للقسم الثالث من تصفيات إسبانيا وكندا، لكن في كندا نجح بتقديم عودة قوية ليتقدم على زميله كارلوس ساينز بالمركز الرابع.
وحاولت فيراري استعادة بعض من الأداء عبر تبني تصميم لجانب سيارتها مماثل لما تتبعه ريد بُل، رغم ذلك ما زال لوكلير وساينز يعانيان من تآكل مفرط للإطارات.
وتعتبر كندا نقطة تحول في الموسم بالنسبة للفريق. حيث كشف لوكلير بأن تحقيقات الفريق في سبب عدم تأهله من القسم الأول لتصفيات إسبانيا لا علاقة لها بالسيارة. ما يعني بأن مسؤولية ما حصل تقع على عاتقه وهي ضربة قوية لثقته كسائق معروف بسرعته على مدار اللفة الواحدة.
لكن في مونتريـال كذلك تكلم لوكلير بإحباط عن استراتيجية فيراري في القسم الثاني للتصفيات حين طلب منه الفريق إكمال لفة سريعة على إطارات انترميديت قبل الانتقال إلى الملساء. وهذا ما لم يكن ممكناً بالسرعة الكافية لأن الأمطار عادت حين انتقل للإطارات الملساء.
لكن فاسور عاد وصرّح مؤكداً أن لوكلير فهم خطأ تصريحاته وتفهم وجهة نظر الفريق بعد أن هدأ ونظر للبيانات مجدداً مع الفريق.
فريدريك فاسور مدير فريق فيراري
تصوير: صور موتورسبورت
في 2022، خسر لوكلير اللقب بسبب فشل فيراري في مجاراة وتيرة تطوير ريد بُل بالرغم من أن المبدأ التصميمي للسيارة كان يحمل الكثير من الإمكانيات.
ورغم أن حادثتيه خلال سباقين أثرتا على نقاطه، لكن دراما الفريق التي لم تكن تنتهي، أهدرت فرصاً في ستّ مناسبات كانت لتضيف المزيد من الانتصارات إلى جعبته التي لم تحمل سوى انتصارَين اثنين فقط في أول ثلاثة سباقات. حيث لم تمنحه الاستراتيجيات الضعيفة ومشاكل السيارة إلا فوزاً واحداً فقط لاحقاً في النمسا.
أما الآن في 2023، فإن سيارة فيراري ليست قريبة على الإطلاق من ريد بُل كما كان عليه الحال مع سيارة الموسم الماضي، حيث تبدو سيارة العلامة النمساوية في عالم آخر لوحدها أمام الجميع.
كما أن تقدم أستون مارتن حرم فيراري من النقاط، وكذلك الحال مع مرسيدس ومكلارين مؤخراً، بينما تواصلت مشاكل الحصان الجامح مع تآكل الإطارات والاستراتيجيات المحبطة.
هل يجب على لوكلير ترك فيراري؟
نعود إلى المقارنة مع فيلنوف مجدداً. حيث حاول الكندي بالفعل الهروب مبكراً من إحباطه مع فيراري في 1981.
حيث تصاعد انزعاجه من الموثوقية الضعيفة للسيارة التي كان يرى أنها أقل أداء من منافسيها، وبالتالي بدأ يفكر بفك عقده مع فيراري. بل حتى أنه اتفق مع مكلارين على الانضمام إليهم بدءاً من 1982، لكنه تراجع لاحقاً.
حيث كان يخشى من إخبار إنزو فيراري بذلك، ولم يكن يشعر بأن ترك الفريق مبكراً هو خيار مناسب أخلاقياً.
لكن السؤال الذي يدور في أذهان الجميع حالياً: هل يجب على لوكلير اتباع نفس الخطوات وترك المكان الذي يحاول توفير بيئة سعيدة له؟ خاصة وأن لوكلير أبدى بوضوح وعدة مرات خلال الموسم الماضي والمنصرم، إحباطه الواضح، وبالتالي من المنصف القول بأنه ليس مسروراً.
لكن الحجة المقابلة لذلك تنطلق من أن لوكلير يدرك تماماً مدى اهتمام فيراري به وتقديرها له كسائق، خاصة بالنظر إلى علاقته الوثيقة مع جون إيلكان رئيس الشركة، وهي العلاقة التي يُشاع بأنها كانت سبب التخلص من بينوتو واستبداله بـ فاسور.
كما أن سكوديريا فيراري صرحت سابقاً بوضوح أن لوكلير هو نجمها الواعد، ولهذا وقعت معه عقداً لخمس سنوات في 2019.
جيل فيلنوف، فيراري 126سي.كيه
تصوير: إيركول كولومبو
لكن ومع اقتراب عقد لوكلير على الانتهاء، وحتى يتم الإعلان رسمياً عن مستقبله، فإن التكهنات لن تزداد إلا حدة وسط هيمنة فيرستابن الساحقة على مجريات الموسم. وفي رياضة قاسية مثل الفورمولا واحد، من الطبيعي لأي سائق أن يفكر في خيارات أفضل، تماماً كما فعل فيلنوف.
بالمقابل، لم يتكلم أي من لوكلير أو فيراري علناً عن المسألة، ما عدا فاسور الذي صرح بعد جولة أستراليا أنه "ما زال هناك وقت للنقاش" وأنه "ليس قلقاً على الإطلاق" حيال إمكانية خسارة سائقه. وسرعان ما انتشرت شائعات ربطت لوكلير بفريق مرسيدس قبل أن يُخمدها توتو وولف مدير الفريق، الذي صرّح لاحقاً أن لوكلير "شخص رائع وأنه سائق موجود ضمن رادار الفريق على المدى البعيد". لكن وولف أكد أن ذلك "ليس على المدى القصير أو المتوسط"، بينما كشف لوكلير على هامش جولة النمسا أنه مع فيراري "يتكلمان ببطء" حول عقد جديد.
ونظراً للوضع الراهن بوجود فيرستابن وهاميلتون، فإنه لا يبدو أن لوكلير يمتلك خيار الانضمام إلى مرسيدس أو ريد بُل.
وهناك جانب آخر يتعلق بوضع لوكلير بين الفرق، حيث كان يعتبر فيلنوف سابقاً بين أفضل السائقين - إذ لمع نجمه في الفترات بين حقب نيكي لاودا، آلان بروست وإيرتون سينا، علاوة على النهاية المأساوية لمسيرته - بينما ينافس لوكلير حالياً في ظلّ فيرستابن، وتواجد هاميلتون الذي لم تنتهِ مسيرته المهنية بعد.
وهذا ما لا يتشابه به مع مسيرة فيلنوف. حيث تركز ريد بُل حالياً على فيرستابن، بينما تمتلك مرسيدس، هاميلتون إلى جانب زميله الشاب اللامع جورج راسل. كما أن أستون مارتن مكتفية بخدمات ألونسو وليست هناك نية واضحة لإخراج لانس سترول ابن مالك الفريق لورانس، من التشكيلة.
علامات الاستفهام حول هاميلتون
كان هاميلتون مركزاً للعديد من التساؤلات والإشاعات حول إمكانية انتقاله إلى فيراري. وهذا ما قد يُعتبر أحد أهم التغييرات في عالم الفورمولا واحد. ولو كان بيرني إكليستون موجوداً لكان بالتأكيد ليسعى إلى مثل هذا الانتقال، خاصة وأن هاميلتون كان يُثني مؤخراً وبشكل علنيّ على الفريق الإيطالي وتاريخه العريق.
شارل لوكلير، فيراري ولويس هاميلتون، مرسيدس
تصوير: صور موتورسبورت
وفي الحقيقة، سرعان ما نفى كلا الطرفان تلك الإشاعات، حيث شدد فاسور على أنه لم يخض أية مفاوضات مع هاميلتون الذي تكلم بدوره حول عقده الجديد مع مرسيدس وأنه جاهز تقريباً ولا يحتاج إلا لتوقيع.
لكن هذا لا يمنع أية تغييرات سريعة ومفاجئة. أما ضمن التوقعات المنطقية، فإن لوكلير أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما، الأول يتمحور حول الانتقال إلى مرسيدس ليجاور صديقه راسل في حال قررت فيراري الاستعانة بخدمات هاميلتون لموسم 2024.
وهذا السيناريو يتطلب عدة تغييرات لكنه ليس مستحيلاً. هاميلتون لا يرغب بالاعتزال المفاجئ كما فعل زميله السابق نيكو روزبرغ نظراً لرغبته الكبيرة بالعودة القوية والانتصار على فيرستابن. أضف إلى ذلك أن إحدى نقاط ضعف لوكلير تتمثل في انصياعه لقرارات فيراري الاستراتيجية خلال السباقات والتي كلفته عدة نقاط ثمينة.
لذا، ورغم أن لوكلير مقرب من إيلكان، فإن الإقدام على مثل هذه الخطوة المحورية في مسيرته قد يتعارض مع طبيعته كشخص. مع الأخذ بعين الاعتبار أن إعادة بناء فيراري تتضمن الانتظار لوصول شخصيات وموظفين جدد بدلاء عن دايفيد سانشيز رئيس قسم تصميم المركبة ولورون ميكيز المدير الرياضي، اللذين سينتقلان إلى مكلارين وألفا تاوري على التوالي.
لذا، يقف لوكلير أمام خيارٍ ثانٍ أكثر وضوحاً، خاصة إن جددت مرسيدس عقدها مع هاميلتون لعدة سنوات. يتمحور حول البقاء مع فيراري على المدى المتوسط، ليعزز من موقعه بين جمهور التيفوزي سعياً للوصول إلى المكانة التي كان يمتلكها فيلنوف في قلوب عشاق السيارة الحمراء.
رغم ذلك، قد تظهر فرصة أخرى أمام لوكلير مع آودي التي استحوذت على ساوبر وستبدأ مشروعها في الفئة الملكة مع بداية حقبة المحركات الجديدة.
شارل لوكلير، فيراري
تصوير: إريك جونيوس
وفي حال كان البقاء مع فيراري هو خيار لوكلير الوحيد حالياً، فمن المهم له دراسة ما جرى معه حتى الآن في موسم 2023. حيث أثارت أخطاؤه في بداية الموسم ذكريات أسوأ أخطائه في 2020، حين تعرض لعدة حوادث من بينها تلك التي جمعته مع سيباستيان فيتيل التي أخرجته من سباق النمسا الثاني، وكذلك تلك التي أضرّت بعدة سيارات في الصخير.
لكن فاسور أكد أن فيراري ستتخذ خيارات "جريئة" لتغيير أداء فيراري ستؤدي إلى رفع معدل تطوير السيارة.
لماذا تسعى فيراري لنسخ تصاميم ريد بُل
سرعان ما أدت هيمنة ريد بُل الساحقة إلى القضاء على التنوّع في تصاميم هياكل السيارات ضمن هذه الحقبة الجديد.
فقد بدأت أستون مارتن ذلك عبر تقليد تصميم جانب سيارة ريد بُل بعد ستة سباقات في موسم 2022. وسرعان ما تلتها فرق أخرى بدرجات متفاوتة، من بينها مرسيدس التي تخلت عن تصميم "الجانب 0" الذي اشتهرت به.
وهذا ما يترك فريقي فيراري وهاس، اللذين وحتى كتابة هذا المقال، لم ينتقلا إلى تصميم جانب سيارة مماثل لما تعتمده ريد بُل، حيث استعملت فيراري في إسبانيا تصميمها الخاص مع تعديلات على الأرضية ومساند المرايا وغطاء المحرك.
ماكس فيرستابن، ريد بُل وشارل لوكلير، فيراري
تصوير: صور موتورسبورت
وهذا لم يكن متوقعاً في أبريل، حيث كان من الواضح أن فيراري تعمل على نسخ تصاميم ريد بُل وأنها لن تتجه نحو تصميم سيارة ثانية مختلفٍ عن الحاليّ. وهنا يكمن الفارق بين التوقعات العامة وبين ما يعمل عليه المهندسون.
إذ لا تعتبر تصاميم جانب السيارة محورية بحدّ ذاتها، لكن أهميتها تكمن في توجيه التيارات الهوائية لتعزيز عمل الأرضية التي توجهها نحو الناشر.
وتلك عوامل هامة في السيارات الحالية. حيث اعترف فاسور أن الفريق يعمل على اتخاذ قرارات جريئة في كيفية تطوير السيارة.
وجاءت النتائج لتلك التغييرات عبر وتيرة سريعة، إذ نجح ساينز بالتأهل ثانياً في إسبانيا رغم ظروف التصفيات المتقلبة، ما ساعد فيراري على البقاء كأقرب ملاحقي ريد بُل لناحية السرعة على مدار اللفة الواحدة. لكن ساينز عانى بشكل كبير في السباق لناحية الإطارات ليتراجع حتى المركز الخامس.
في جولة كندا التالية، سمحت الحرارة المنخفضة لسائقي فيراري بتحقيق المركزين الرابع والخامس.
وتبقى مشكلة فيراري المحورية في عدم قدرتها على نسخ سيارة ريد بُل ثابتة الأداء. حيث تعاني من انزلاق مفرط في المنعطفات وزيادة في معدلات تآكل الإطارات. كما أن الحزمة الانسيابية للسيارة لا تساعد السائقين اللذين يتعرضان لمزيد من الانزلاقات ما يؤثر بدوره على تآكل الإطارات.
شارل لوكلير، فيراري
تصوير: صور موتورسبورت
شارك أو احفظ هذه القصّة
قم بالاشتراك والوصول إلى Motorsport.com باستخدام أداة حظر الإعلانات الخاصة بك.
من الفورمولا 1 إلى موتو جي بي، نقدم تقاريرنا مباشرة من حلبة السباق لأننا نحب رياضتنا، مثلك تمامًا. وللاستمرار في تقديم صحافتنا المتخصصة، يستخدم موقعنا الإعلانات. ومع ذلك، نريد أن نمنحك الفرصة للاستمتاع بموقع ويب خالٍ من الإعلانات وخالٍ من أدوات التتبع ومواصلة استخدام أداة حظر الإعلانات.
أبرز التعليقات