موتورسبورت.كوم
مقالات

موتورسبورت.كوم "برايم"

بطولتنا العربية تلفظ أنفاسها الأخيرة... فمن يعلّق الجرس؟

بطولة الشرق الأوسط للراليات تنازع وتلفظ أنفاسها الأخيرة، في انتظار حل يعيد لها ألقها. هذه هي الحلول المطلوبة، بلسان أهل الاختصاص ومن عايش البطولة على مر السنوات، لإعادة الحياة إليها.

بطولتنا العربية تلفظ أنفاسها الأخيرة... فمن يعلّق الجرس؟

سبعة وثلاثون عاماً مرت على إطلاق بطولة الشرق الأوسط للراليات رسمياً. خلال هذه السنوات الطويلة، شهدت البطولة بضع سنوات من التألق والمنافسة، والعديد من سنوات المصاعب، والأوقات الحرجة. ولكن ربما لم تكن البطولة يوماً في وضع أسوأ مما هي عليه الآن. وضع زاده صعوبة انشغال العالم بجائحة كورونا، والأزمات الاقتصادية، دون أن نتطرق إلى الوضع السياسي الكئيب في عالمنا العربي.

لكن هذا لا يعني أن نترك البطولة تندثر وتموت. لا، بل علينا جميعاً، منظمين واتحادات، سائقين ومتطوعين وإعلاميين، أن نتكاتف لإنعاش هذه البطولة، والتي على مدى أعوام مضت، كانت الأرض الخصبة لمواهب قيادية عربية تألقت على الصعيد العالمي. لهذا قرر موقع "موتورسبورت.كوم" استطلاع رأي أهل الاختصاص، وتصورهم حول السبيل الصحيح لإنعاش البطولة.

الآراء تنوعت، وتناولت شتى نواحي تنظيم الراليات والبطولة، بدءاً من السيارات المشاركة وصولاً إلى التعاون بين منظمي الراليات في المنطقة. ولكنها اتفقت على عدة نقاط نلخصها هنا، علَّ هذه الآراء تجد آذاناً صاغية في مكان ما.

التنظيم الموحد 

 

بطولة الشرق الأوسط للراليات تعاني بشكل رئيسي من غياب تنظيم واضح لها. فلا أحد يعلم تماماً كيف تتم جدولة البطولة، أو مواعيد تنظيم الراليات، أو حتى طريقة واضحة للاشتراك في البطولة. فليس هناك "جهة منظمة" ما، يمكن مخاطبتها حول البطولة مثلاً ورعايتها، سوى الاتحاد الدولي للسيارات

فالحقيقة هي أننا بحاجة إلى "اتحاد عربي لرياضة السيارات". طبعاً هذا حلم بعيد المنال ومشروع بحاجة إلى إرادة سياسية أكبر حتى من الإرادة "الرياضية" إن صح التعبير. والأمر فعلياً معقد جداً، ولكن يمكن البدء به عن طريق مكتب "سكرتاريا" موحد، يسهل على المشاركين التسجيل في الراليات، وفي البطولة نفسها، ويتكفل بتنظيم بعض الأمور اللوجستية التي قد تسهل الأمور على المشاركين.

فمسائل بسيطة مثل حجز تذاكر الطيران والإقامة في الفنادق وسيارات التدريب وشحن السيارات المشاركة، أمور تتطلب وقتاً وجهداً ومالاً، ويقوم بها كل سائق على حدة. ووجود مكتب كهذا، يتولى التنسيق المسبق بين الأندية، وحتى السلطات الرسمية في البلدان المختلفة التي تستضيف البطولة، قد يساعد على خفض التكاليف بشكل كبير

صحيح أنّ الأمر، كما يشير السوري عمار معروف أحد منظمي راليات البطولة، قد يواجه بعض المشاكل البيروقراطية، ولكن التطورات التكنولوجية الحديثة التي تسارعت خلال العامين الماضيين وازداد انتشارها، تشير إلى إمكانية التغلب على مثل هذه الأمور، أو على الأقل، تسهيل الأمر وترتيبه ليتمكن المنظمون من متابعة الأمر، كلٌ في بلده.

هذا الأمر من شأنه أيضاً وضع "روزنامة" منطقية للبطولة. هل يعقل أن تستمر بطولة، قد تضم أربعة جولات فقط في موسم واحد، على مدى عشرة أشهر؟ لكن ربما الأهم هو أن يقتنع جميع الأطراف بضرورة العمل المؤسسي الموحد، والابتعاد عن الخلافات الضيقة. أمر شدد عليه علي ميرزا، الذي قال: "صفوا القلوب بين الاتحادات وابتعدوا عن المصالح الشخصية"، وهو الأمر الذي أكد عليه الملاح القطري ناصر سعدون الكواري بدعوته لأن يكون هناك اجتماع في كل رالي بين المتسابقين ومسؤول المنطقة التابع للاتحاد الدولي للسيارات، كاجتماع إلزامي تطرح فيه النقاط للتطوير.

مروج البطولة

 

الأمر الأهم ربما هو افتقار البطولة "لمروج لها". قد لا يعرف الكثيرون ذلك، لكن بطولات العالم المختلفة، يضع قوانينها الاتحاد الدولي لرياضة السيارات. ولكن الترويج الإعلامي والتنظيمي لها، يتم عن طريق شركات خاصة، تتولى تسويق البطولة عالمياً. أبرز مثال طبعاً هو ليبرتي ميديا، والتي قامت بشراء حقوق بطولة العالم للفورمولا واحد.

ما تحتاج إليه بطولة الشرق الأوسط، هو وجود شركة تروج للبطولة. هذه الشركة ستكون مهمتها الإشراف على جدول البطولة، الراليات المشاركة، تسجيل السائقين في جولات البطولة، والأهم من ذلك، الإشراف على الحقوق التسويقية للبطولة. فنحن نبحث هنا عن شركة أو جهة، قادرة على الجمع بين الشركات الداعمة، الجهات المعلنة، الجهات الإعلامية المختلفة، بالإضافة إلى السائقين والفرق المشاركة،  لتتشابك أطراف المعادلة معاً.

الشريك الإعلامي

 

زميلنا الإعلامي فراس النمري، يتحدث عن أهمية وجود "ناقل" للبطولة، كشبكة تلفزيون إقليمية، تواكب البطولة وتغطي أحداثها، وبالتالي يستفيد الممولون من التغطية الإعلامية التي توفرها هذه الشبكة، وفي نفس الوقت، يفتح هذا الأمر أمام هذه الشبكة مجالاً جديداً ومحتوىً مختلفاً، يشد المشاهدين إليها.

لكن ربما الأهم من ذلك، هو أن تكون هذه الشركة أو الجهة المروجة للبطولة، قادرة على توفير المحتوى الإعلامي الرقمي المطلوب، لنشر أحداث الراليات على أكبر نطاق، وضمان الوصول إلى أكبر شريحة من الجمهور. محتوى يتناسب مع التغيير العالمي في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. ما رأيكم أن تتولى شبكة موتورسبورت ذلك؟!

نظرة شمولية أكبر

إحدى أكبر المشاكل التي عرفتها بطولة الشرق الأوسط على مدى السنوات، والتي تعود بشكل أساسي إلى طريقة تنظيمها، حرمت البطولة من أن تحصل على "بوصلة" واضحة تقود باتجاه تطويرها. فليس هناك مثلاً مانع من إلغاء رالي ما لأي سبب، أو إضافة رالي لسبب آخر. البطولة تحمل اسم الشرق الأوسط، ولكنها تارة تزور قبرص، ليختفي رالي الكويت. رالي لبنان يقام في ظل الحرب الأهلية، ولكن ليس هناك من رالي في السعودية.

هل يعقل هذا؟ هل من المقبول، في ظل "الثورة الرياضية" التي تعرفها المملكة العربية السعودية، والتي تستضيف اليوم بطولات العالم للفورمولا واحد ورالي داكار والفورمولا إي، أن لا يكون فيها رالي "حقيقي"، ينضوي تحت لواء بطولة الشرق الأوسط، بل ويكون درة تاج البطولة؟ ألا يستحق موطن ممدوح خياط وعبد الله باخشب وغيرهم من السائقين المتألقين رالياً يليق بمكانة المملكة، ويعطي الجيل الجديد من أبنائه فرصة التألق على ساحة الراليات الإقليمية؟

وماذا عن الإمارات؟ كيف يمكن لبلد، أحد أبنائه يترشح لرئاسة الاتحاد الدولي للسيارات، وحمل لقب بطولة الشرق الأوسط لمرات ومرات، ونعني هنا أسطورة الراليات العربية محمد بن سُليّم طبعاً، أن لا يكون لديهم رالي في البطولة اليوم؟

ثم لماذا النظرة الكلاسيكية المحدودة؟ ماذا عن مصر وسوقها الهائل؟ ألم يحن الوقت ليتصدى أحد ما للتحدي ويقوم بتنظيم رالي على مستوى عالمي في مصر؟ بلد يتجاوز عدد سكانه مئة مليون نسمة، يشكل سوقاً يُسيل لعاب أيّ مموّل، فما بال عالم رياضة السيارات يتجاهله؟ ألسنا أولى برالي "عربي"، قبل أن يأتي أجنبي ذو رؤية أوسع، ليحيي رالي الفراعنة على أكتاف تاريخ مصر، ونحن نتفرج؟ ماذا عن إضافة راليات مختلفة؟ رالي معبد آخر مثلاً، أو تنظيم رالي في شمال إفريقيا؟

السيارات المشاركة

 

أول تحد سيواجه أي شخص يتصدى لمحاولة تنظيم وترويج البطولة، ووضع إطار واضح لها، هو تقرير من سيسمح له بالمشاركة في البطولة، وعلى متن أية سيارة. قد يبدو الأمر بديهياً؛ السيارات مصنفة من قبل الاتحاد الدولي، وكل من أراد المشاركة بإمكانه ذلك، فرياضة السيارات ديمقراطية حقاً.

ولكن الأمر في الحقيقة يتعدى ذلك. فاليوم لم تعد لدينا سيارات تجارية مصنفة في المجموعتين A وN كما كان الأمر في السابق. بل باتت سيارات الرالي اليوم متخصصة بشكل أكبر، مجهزة بصورة مختلفة، ولا يمكن تجهيزها محلياً بتلك السهولة كما كان الأمر سابقاً. وطبعاً، سعرها تضاعف أضعافاً مضاعفة.

الزميل فراس النمري مرة أخرى يشدد على هذه النقطة، ويطالب بمنع سيارة الفئة R5 من المشاركة في البطولة، والتركيز أكثر على فئة المركبات خفيفة الوزن. نحن نعتقد أن الأمر يتطلب أكثر من ذلك، كالتحول مثلاً بشكل كامل إلى فئة سيارات الرالي المندفعة بعجلاتها الأمامية، الأمر الذي سيخفف. بشكل كبير من تكاليف المنافسة

هذا التوجه أيضا يؤيده الملاح موسى جوهريان، والذي يرى أن الخطوة الجديدة بإعادة تصنيف السيارات من قبل الاتحادات  المنتهي تصنيفها من الاتحاد الدولي خطوة ممتازة، ويجب التفكير بها كحل مرحلي، ما دامت اعتبارات عوامل السلامة لا تزال أهم نقطة.

مثل هذا التوجه ثبت نجاحه في لبنان مثلاً، ولكن طبيعة تضاريس الخليج العربي تجعل من التحول إلى الدفع الأمامي أمرً أكثر صعوبة. لهذا لا بد من نقاش حقيقي - وواقعي - بين المنظمين، للوصول إلى حل فعلي، يخفف من تكاليف المشاركة في عالم الراليات.

مطلوب وجوه جديدة

 

طبعا أحد أهم عوامل عزوف الجمهور عن متابعة الراليات في منطقتنا، هو غياب التنافس. فمن محمد بن سُليّم إلى ناصر العطية، عقود طويلة، وأجيال كاملة، لم تعرف اسماً غير اسميهما على الساحة. من نافس وحقق بعض الإنجازات، لم يستمر، وفي النهاية، هذا الاكتساح المذهل لسائق واحد، يبعث على الملل.

لن ندخل في حيثيات سبب سيطرة بن سُليّم والعطية. فهذا حديث آخر. ولكن السؤال الحقيقي هو، أين الخطط، على المستويات الوطنية، لتجهيز من ينافسهما، أو يخلفهما، على الساحة؟ أين هم السائقون الإماراتيون بعد بن سُليّم؟ من هو البطل القطري القادم حين يبتعد العطية؟ لماذا لم يظهر سوى يزيد الراجحي، وبعض المشاركين الآخرين بشكل متقطع من السعودية، منذ أن اعتزل باخشب؟

فراس النمري يطرح رأياً فريداً في هذا الصدد، ألا وهو: "عدم السماح لأي سائق فاز في البطولة أكثر من 3 مرات من المشاركة في منافساتها مستقبلاً، كما هو الحال في بطولة الفورمولا 2 وغيرها من البطولات. نريد مع احترامنا للجميع، تنوعاً في الابطال والوجوه لا احتكاراً متواصلاً أغرق البطولة في رتابة وروتين قاتلين. وفي سياق موازٍ، نريد إعطاء بارقة أمل لمن يريد المشاركة في البطولة أنه ليس مجرد رقم، أو تكملة عدد، وأن بإمكانه أن يصبح بطلاً."

البطولات المحلية مصنع الأبطال

حتى نطلق وجوهاً جديدة، لا بد من مكان تتألق فيه، وليس أفضل من البطولات الوطنية لذلك. كيف يمكن أن نصنع بطلاً قادراً على المنافسة على المستوى الإقليمي، إن كانت بطولاتنا أصلاً ضعيفة المستوى؟ في البدء، على جميع الاتحادات المحلية ترتيب أمورها الداخلية، وتقوية بطولاتها المحلية، حتى نصل إلى المستوى المطلوب، ومن ثم يتخرج هؤلاء الأبطال إلى البطولة الإقليمية، جاهزين للمنافسة. وضعنا حالياً كلاعب كرة قدم في بطولة الدرجة الثالثة للهواة، يتحدث عن كيفية تنظيم بطولة كأس العالم، والمنافسة فيها!

تخفيض النفقات، وضع سقف للميزانيات

 

طبعا أهم معيقات تطور بطولة الشرق الأوسط هو بلا شك الكلفة العالية للمشاركة في الراليات أصلاً، فما بالك ببطولة إقليمية. لهذا السبب، لا بد من وضع خطة واضحة، متفق عليها بين مختلف الاتحادات والأندية، لتخفيض نفقات المشاركة في الراليات والبطولة. هذا الأمر يتطلب تنسيقاً واتفاقاً بين الجهات المعنية، والتي عليها أن تضع نصب أعينها مصلحة الرياضة، والترفع عن المصالح الشخصية والتجاذبات السياسية.

فلم لا يتم إحياء فكرة الفئة الموحدة، كسيارات من صانع واحد، بذات المواصفات، يشارك على متنها السائقون الناشئون؟ هذه الفكرة تم تنفيذها سابقاً مع سيارات تويوتا RAV-4، وعرفت نجاحاً لا بأس به، فلم لا تتم مخاطبة الشركات على مستوى إقليمي، بحيث يمكن لكل دولة أن تتمثل "بفريق وطني" مثلاً. هذه الفكرة يدعمها السائق السعودي ماجد الغامدي الذي يرغب بأن تأخذ الحكومات دوراً فاعلاً، إذ بوسع كل اتحاد الاستثمار ضمن فريقه المنتَخب، بجلب الرعايات تحت مظلة وتمثيل الحكومة، ليكون لهذه المنتخبات أثر كبير في إحياء وإثراء البطولة بشكل عام.

هذا الدعم الحكومي مطلوب، ويعتبر السّائق البحريني حسن الصددي أن الدور الحكومي هذا يجب أن يتجاوز مجرد تقديم هذا الدعم إلى حث جميع الاتحادات والأندية على التنسيق الرسمي والتعاون والتطوير، ورصد جوائز للمتسابقين لتحفيز الاخرين أسوة بباقي الرياضاتوالأهم من ذلك، ضمان وجود الأشخاص ذوي الخبرة في المكان المناسب، عبر الاستعانة بالسائقين المحليين وخصوصاً ذوي الخبرة للوصول إلى الأهداف التي يطمح لها الجميع

هذه آراء وأفكار مجموعةٍ من الأفراد، ممن عايشوا بطولة الشرق الأوسط على مدى عدة أعوام، واختبروا طعم المشاركة فيها، وشاهدوا بأم أعينهم سنوات تألقها الذهبية، ومن ثم اضمحلالها وتدهورها حتى وصلت إلى ما هي عليه. هم، وجميع عشاق رياضة السيارات في عالمنا العربي، يرغبون في أن يروا البطولة وقد عادت إلى مجدها. ولكن هذا لن يحصل، إن لم يفكر أحد ما بأخذ زمام المبادرة، والتصدي لهذه النقاط التي ذكرناها، وغيرها الكثير.

منطقتنا لا تشكو من قلة الاهتمام الشعبي، ولا من نقص الدعم المادي. فوجود ثلاث حلبات للفورمولا واحد، وسباق داكار وغيره، بالإضافة إلى شركات راعية لسباقات وحلبات وبطولات دولية، أكبر دليل على أهمية رياضة السيارات تسويقياً.

ما تبقى الآن إيجاد شخص أو جهة ما، قادر على أخذ زمام المبادرة لبدء التغيير.

ولكن السؤال يبقى: من يعلّق الجرس؟

المشاركات
التعليقات
فوزٌ تاريخي: العطية يفوز برالي الأردن الدولي للمرة الـ 14 في مسيرته

المقال السابق

فوزٌ تاريخي: العطية يفوز برالي الأردن الدولي للمرة الـ 14 في مسيرته

تحميل التعليقات