تحليل: كيف بلغ ألونسو مستوىً جديدًا من "العظمة" في مسيرته

لقبا فورمولا واحد يعنيان أنّ فرناندو ألونسو سيبقى على الدوام أحد أعظم السائقين الذين مرّوا بتاريخ هذه الرياضة. إذ مثّلت مشاركته في سباق إندى 500 العريق فرصة لتعزيز سمعةٍ وتراثٍ مُذهلَين بالفعل للإسبانيّ.

برهن ألونسو على العديد من الأمور من خلال مشاركته في سباق إنديانابوليس، فقد أكّد على عظمته، إرادته في السعي وراء تحقيق مجدٍ له في عالم السباقات، قدرته على تكريس نفسه كليًا من أجل التعلّم وإتقان نوعٍ جديد من الالتزام والقدرة على المنافسة للفوز في أعظم السباقات.

بالرُغم من أنّه لم يكُن بوسعنا التأكّد من أنّه كان ليفوز بسباق إندي 500، وهو أمرٌ سنتطرّق إليه لاحقًا، لكن كانت هنالك ثقة بأنّه سيكون ضمن دائرة المنافسة على الفوز.

عالم سائقي السباقات، وأولئك أيضاً الذي يتسابقون على الدرّاجات الناريّة، صغيرٌ بالفعل. إذ أنّه وخلال شهر مايو/أيار كان جميع السائقين – العظماء، الجيّدين وحتّى متوسّطي المستوى منهم - متحمّسين ويُشيدون بجهود الإسبانيّ.

فقد حظيت مشاركته باهتمام سائقين أمثال دايمون هيل، دايل إيرنهارد الإبن وريك ميرز، إذ اتّخذ بعضهم من منصّة تويتر مكانًا للتعبير عن أنفسهم. وعندما تمّ تقديم ألونسو في الاجتماع العام للسائقين في إنديانابوليس خلال اليوم السابق للسباق، حظي الإسبانيّ بترحيب وتصفيقٍ حار ليس فقط من قِبَل الجمهور ولكن من قِبَل زملائه السائقين كذلك.

وهذا يُعدّ برهانًا على أمرٍ وحيد، وهو أنّ ألونسو يحظى باحترام أقرانه، إذ عادة ما يُمثّل ذلك المقياس المُطلق لقدرتك.

ألونسو هو أستاذٌ في الحرفيّة. إذ أنّ طريقة استيعابه لكلّ المعلومات المتاحة له خلال رحلته لسباق إندي 500 تُعدّ برهانًا على ذلك.

ثلاث ساعاتٍ من التدريب على جهاز مُحاكاة تطوير أداء هوندا قبل بداية التجارب في منتصف اليوم؟ لا مشكلة. مشاهدة عددٍ لا يُحصى من مقاطع الفيديو الخاصة بالسباقات الماضية لتعويض افتقاره للخبرة؟ لا مشكلة. دراسة بيانات زملائه في الفريق من هذا العام والعام الماضي؟ لا مشكلة.

لقد كرّس ألونسو نفسه بشكلٍ كامل من أجل هذا الحدث. فتأديته الرائعة في السباق لا تعود بشكلٍ كبيرٍ إلى إمكانياته فحسب، بل إنّ تفانيه في عمله هو ما يجعله سائقًا رائعًا.

"إنّه تفانٍ على مدار الـ24 ساعة خلال الـ45 يومًا الماضية" قال ألونسو عن مقاربته. وهو لا يُبالغ في الأمر. فالجميع، حرفيًا، كانوا مذهولين بمقاربته تلك.

فقد شعر هؤلاء - الذين كان يتوقّعون قدوم نجمٍ كبير إلى ما يراه العديد عالمًا أسهل وأصغر ويعتقدون أن بوسعه إحراز الفوز من دون محاولة – بخيبة أملٍ كبيرة.

حيث أنّ أحد الأمور الشائعة التي يتذمّر حيالها مدراء الفرق في رياضة السيارات تتمثّل في أنّ السائقين ربما يمتلكون قدرة فريدة، لكنّهم لا يقومون بصقلها. فهم يتعلمون ويصلون بأنفسهم إلى مستوى معين، لكن بعد ذلك، وعوضًا عن مواصلة التعلّم والتحسّن، يقفون عند ذاك الحدّ مُقرّرين أنّهم باتوا يعلمون كلّ شيء. وهذا ما يجعل عملية تطوير أنفسهم بطيئة أو قد لا يرتقون إلى القدرات التي يمتلكونها.

تغيير في الاتجاه

فرناندو ألونسو الذي شاهدناه في الإندي كار كان شخصًا لم نره كثيرًا في الفورمولا واحد خلال الأعوام الأخيرة. فقد كانت لديه سيارة تنافسة وكان مُصممًا على الاستفادة من كلّ ما يملك، حيث أنّ السائقين الآخرين، حتّى الذين يفتقرون لتلك الصفات، يحترمون ذلك أكثر من أيّ أمرٍ آخر. ولهذا فإنّ مغامرته في الإندي كار أدهشت حتّى هؤلاء.

وقد سمحت تلك الاستعدادات لألونسو باتّخاذ مقاربة محكمة تمامًا للسباق ما جعله مذهلًا للغاية في أدائه وضمن دائرة المنافسة على الفوز.

عندما تراجع ألونسو من المركز الخامس على شبكة الانطلاق بعد أن تمّ تجاوزه من قِبَل الصفّ الذي كان خلفه على المقطع المستقيم الرئيسيّ وخلال المنعطف الأوّل، تقبّل الإسباني الأمر بشكلٍ طبيعي وحافظ على مركزه لبعض الوقت، حيث حصل على شعورٍ بحالة المسار وتمكّن من التقدّم إلى الأمام.

في اللفّة الـ37، اقتنص ألونسو الصدارة من زميله أليكسندر روسي ضمن صفوف أندريتي. ومنذ ذلك الوقت، بات فرناندو منافسًا على الفوز. بيد أنّ ما لم يعلمه هو أنّه كان يخوض سباقًا على مسافة 447.5 ميلٍ فقط، بالنسبة له على الأقل. لكنّه ربما رأى لمحة لما هو قادم، بالنظر إلى المشاكل المعهودة مع محرّك هوندا، إذ أنّ الأمر ما كان ليُمثّل مفاجأة كبيرة له عندما فقد طاقة المحرّك.

كان الوضع كالآتي، ألونسو احتلّ المركز السابع في ذلك الوقت، بفارقٍ أقلّ من ثانيتين خلف صاحب المركز الثاني حينها وزميله في صفوف أندريتي، والفائز في نهاية المطاف، تاكوما ساتو. لذا فإنّ السؤال المحوريّ هو: هل كان بوسعه تحقيق الإنجاز وإحراز الفوز بنسخة 2017 من سباق إندي 500؟

هناك طريقتان للإجابة على هذا السؤال: من خلال السباق الفعلي الذي كان يواجهه، ومن وجهة نظر السباق الذي كان ليحظى به.

دعونا نتّبع الطريقة الأخيرة أوّلًا، على صعيد وتيرة السباق، كان فريق أندريتي مهيمنًا، إذ انضمّ ألونسو إلى ثلاثة من السائقين الأساسيين – ساتو، رايان هانتر-ري وروسي في إحكام القبضة على السباق في نصفه الأوّل. قبل أن تدخل الأمور مرحلة التعقيد.

لو سار السباق من دون توقّف، ما كان أحد آخر ليحظى بفرصة إحراز الفوز. لا سيّما في ظلّ تراجع روسي وخروجه من دائرة المنافسة على الفوز بعد توقّفه البطيء إثر مشكلة في خرطوم تزويد الوقود. إلى جانب مشكلةٍ على محرّك هانتر-ري والتي كان لها تأثير على ألونسو.

"هيليو وبعض السائقين الآخرين كانوا محظوظين مع رفع الأعلام الصفراء" قال ألونسو بعد السباق، وأضاف: "في حال حظيت أنا ورايان وروسي بسباقٍ خالٍ من المشاكل، كنّا لنكون متقدّمين بنصف لفّة على الجميع. تلك طبيعة هذا السباق، فأنت بحاجةٍ إلى الحظ في بعض اللحظات".

لكن، وبينما ظلّ الجميع يُدلون بتعليقاتهم حول ما يحدث خلال رحلة ألونسو في السباق العريق، كان الإسبانيّ ليكون محظوظًا لو لم تتسبّب مثل هذه الأمور في إزعاجه. لكنّه حافظ على تركيزه بالرُغم من ذلك.

وبالعودة إلى مجريات السباق، فقد كان ألونسو بارعًا في تحقيق العديد من الأمور، لكن كانت هناك لحظة فاصلة عندما تمّ استئناف السباق في اللفّة 148، وكان الإسبانيّ في المركز الـ12، أقلّ مراكزه في السباق بأكمله، في الوقت الذي كانت فيه المراكز الثمانية الأولى بعيدة المنال من الناحية الاستراتيجيّة.

إذ كانت تلك الفترة الوحيدة التي يُمكنك القول بأنّه أظهر فيها افتقارًا للخبرة على الحلبة البيضاوية. لكن حتّى ما حدث حينها كان سيئًا بشكل كبير. فقد كان غير مريحٍ بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى.

في اللفّة 148، وبينما تقدّم كاسترونيفيس من المركز التاسع إلى الخامس عقب استئناف السباق في طريقه لاحتلال مركز الوصافة في نهاية المطاف، عانى ألونسو من وقتٍ أكثر صعوبة بكثير.

في البداية، كان أوريول سيرفيا بطيئًا بعض الشيء عند استئناف السباق، إذ وبينما أقدم كاسترونيفيس على حركته، عانى ألونسو من لفّة صعبة، حيث واجه في إحدى فتراتها جدارًا من خمس سيارات في المقطع المستقيم الخلفي.

تقدّم الإسبانيّ إلى المركز التاسع إذ كان ما يزال متقدّمًا على ساتو، لكنّه لم يُحرز تقدّمًا بالسرعة التي كان ليرغب بها. في حين تمكّن ساتو – الذي يخوض موسمه الثامن في الإندي كار – من تجاوز كلٍّ من ألونسو وطوني كنعان في لفّة واحدة خلال تلك المرحلة من السباق.

عندما أجرى ألونسو توقّفه، لم يتغيّر مركزه بشكلٍ كبير، لكنّه كان في مرحلة الملاحقة. حيث تجاوز كنعان ليحتلّ المركز السابع قبل ذلك ببضع لفّات وكان يعمل على إيجاد سبيلٍ لتجاوز جي آر هايلدبراند.

ولو سار السباق بشكلٍ طبيعيّ، لكان من المنطقيّ أن نفترض تواجد الإسبانيّ في دائرة المنافسة على الفوز مع ساتو.

أهمية الخبرة

لكن هل كانت تلك المرحلة المبكرة من السباق إشارة على أنّه كان يفتقر إلى أمرٍ ما لجانب الخبرة؟

"بالطّبع كانت هناك لحظات أفضل من الأخرى، لكنّي كنت تنافسيًا طيلة السباق" قال ألونسو عند سؤاله عن تلك المرحلة من السباق.

وتابع: "عندما تكون في المركز الثامن، السابع، تكون اللفّات الـ20 الأخيرة محتدمة. لكنّني كنت مهتمًا أكثر بالإطارات الأماميّة خلال اللفّات القليلة الأولى من تلك المرحلة إذ كنت أعلم أنّ السباق سيُحسم في اللفّات الستّ أو السبع الأخيرة. أعتقد بأنّني كنت ما أزال أملك بعض الأمور في جعبتي قبل توقّف المحرّك".

وعليه يبدو بأنّ كلّ الأمور كانت جيّدة وتستحق الإشادة، وأنّه لا شكّ في أنّ ألونسو كان ليُكمل سباقًا جيّدًا بالفعل.

من جهته قال ماريو أندريتي قبل السباق أنّ ألونسو كان "مرشّحًا" لإنهائه ضمن الخمسة الأوائل، وبكلّ تأكيد كان ليكون ضمن الثلاثة الأوائل من ذلك الموقع. وفي حال كنت من بين الثلاثة الأوائل، فستملك فرصةً للفوز. سيكون الأمر، وللأبد، مسألة افتراضيّة. فحقيقة أنّ ألونسو دائمًا ما يجد نفسه في وسط معضلة "ماذا لو" تبدو مذهلة.

لكنّ السؤال لا يتمحور حول ما إذا كان ليفوز أم لا. الأمر الأبرز هو أنّه قام بعملٍ مذهل. لدرجة أنّه، وبشكلٍ من الأشكال، كان أكثر إبهارًا من التأثير الذي تركه غزو الفورمولا واحد لهذا السباق العريق في ستينيّات القرن الماضي مع سائقين أمثال جاك برابهام، غراهام هيل، جاكي ستيوارت وجيم كلارك.

فبعض هؤلاء السائقين تركوا بصمتهم في هذا السباق من خلال أفضليّة تقنية أوروبيّة متطورة، أو من خلال سيارات قوية في وقتٍ كان فيه تنوّع السيارات كبيرًا. نعم، كان ألونسو بين صفوف أقوى فريق، لكنّ السيارات الـ33 جميعها لم تكُن مختلفة في جوهرها إذ أنّه ومع اختيارٍ وحيد بين مزوّدين اثنين للمحرّكات والهياكل الانسيابيّة، هوندا وشيفروليه، فإنّ ذلك يزيد من ضرورة التعويل أكثر على مهاراتك في سباقات الحلبات البيضاويّة.

قبل السباق ببضعة أيام، هيأ ألونسو لنفسه وضعًا ذهنيًا جعله الأفضل. فلم يبالغ في ثقته بنفسه، فقد ذكر على الأرجح كلمة "تعلّم" بمشتقاتها ما يقرب من ألفي مرّة خلال أسبوعي التحضير للسباق. كما أنّه أظهر احترامًا للأسماء الكبيرة ونجوم سلسلة الإندي كار.

كما أبدى احترامًا للحلبة، حيث كان عدائيًا من دون أن يرتكب أخطاءً أو يصطدم بالحائط خلال فترة تدريباته.

"كنتُ أكتشف سلسلة جديدة، كنت أتعلّم من الصفر مجددًا" قال ألونسو، مُضيفًا: "أشعر أنني مثل الناشئ، مبتدئٌ في كلّ ما فعلته وهذا يُوقظ جميع حواسك كسائق سباقات. فأنت تأتي إلى هنا، تبدأ من الصفر، تتعلم، تتأقلم بأسرع وقتٍ ممكن، كونك لا تملك الوقت الكافي. فأنا لم أستهلّ مشاركتي على الحلبات البيضاويّة بسباق الـ20 ميلًا في سينسيناتي، فقد بدأت بسباق الـ500 ميل في إنديانابوليس، أكبر سباقٍ بالعالم".

وواصل بالقول: "ليس هنالك وقت للتعلّم، فأنت بحاجةٍ إلى الشروع في التأدية على الفور. إنّه أمرٌ صعب للغاية، لكنّه مُجزٍ للغاية كذلك".

وذلك كان، أكثر من أي أمرٍ آخر، ما يحترمه سائقو السباقات الحقيقيون: خوض التحدّي.

جائزة أفضل ناشئ

ودّ ألونسو لو حقّق الفوز، وربما كان ليُحققه فعلًا، لكن وبينما تضعه النتائج في المركز الـ24، فقد خاض الإسباني هذا التحدّي بكلّ شجاعة. لذلك تمّ تتويجه بلقب أفضل ناشئ في نسخة هذا العام من السباق العريق، على الرُغم من إخفاقه في إكماله.

وبينما قام إيد جونز بعملٍ رائع طوال الشهر وأحرز مركزًا ثالثًا مستحقًا، إلّا أنّ المركز يُعد جزءًا فقط من معادلة جائزة أفضل ناشئ – 25 بالمئة في الحقيقة – فهناك معايير أخرى للاختيار والتي تتمثّل في مهارة السائق، الروح الرياضيّة وإمكانية الوصول والأداء على مدار الشهر.

وبالنظر إلى تلك العوامل، سيكون من الصعب إنكار أنّ ألونسو كان الفائز المستحق بهذه الجائزة. فقد لعب دوره إلى حدّ الإتقان، وكان محرّكه هوندا هو ما خذله.

ليس هناك شكٌّ بأنّ ألونسو كان سائقًا عظيمًا قبل اختباراته الأولى لسباق إندي 500 في الثالث من مايو/أيار الماضي. لكنّه برهن على عظمة تاريخه من خلال ما قام به في مغامرته الجديدة، ولذك فإنّ جميع أقرانه حول العالم، أو معظمهم على الأقلّ، أرادوا متابعته في تلك المغامرة. وذلك هو الاحترام الذي تحصل عليه.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة إندي كار
قائمة السائقين فرناندو ألونسو
نوع المقالة تحليل