تحليل: هل يتناسب أداء فريق مكلارين في أستراليا مع صورته الحقيقيّة
احتفلت الحظيرة البريطانية مكلارين بأفضل نتيجة لها منذ موسم 2016 عندما أكمل فرناندو ألونسو سباق ملبورن، الجولة الافتتاحية لموسم 2018 من بطولة العالم للفورمولا واحد، في المركز الخامس. لكن ما يزال أمامها طريق طويل للحاق بفرق الصدارة الثلاثة.
موتورسبورت.كوم "برايم"
أفضل المقالات التقنية والتحليلات المميّزة من عالم المحركات على موقع "موتورسبورت.كوم" باللّغة العربية.
قد يُمثّل التّشفّي أمرًا ممتعًا إذا لم تكن أنت مركزه. فبعد ثلاثة أعوامٍ كارثية ألقت مكلارين خلالها اللوم على هوندا في جميع المصائب التي عصفت بفريقٍ كان ذات يومٍ يتربّع على قمّة الفئة الملكة، يبدو بأنّ مكلارين قد عادت إلى الوجهة الصحيحة.
لكن، منذ أن وطأت سيارة الفريق أرض الحلبة خلال التجارب الشتوية لهذا الموسم، وتحديدًا عندما توقّفت سيارة ألونسو خلال اليوم الأوّل، انقلب الحديث. وفجأة أصبحت مكلارين هي سبب كلّ المشاكل خلال حقبة شراكتها مع هوندا، لا سيّما في ظلّ الموثوقيّة التي ظهر بها محرّك الصانع الياباني القديم على سيارة تورو روسو التي خاضت تجارب جيّدة للغاية.
بيد أنّ ذلك لم يكن منطقيًا، فقد كان من الواضح أنّ سيارة مكلارين قوية بالشكل الكافي للتواجد ضمن أو بالقرب من معركة صدارة فرق خط الوسط، حتّى في ظلّ الأميال التي قطعتها تورو روسو خلال التجارب والتي مثّلت معجزة وأشارت إلى أنّ مكلارين قد لعبت دورًا كبيرًا في مشاكل الموثوقيّة التي عانى منها محرّك هوندا خلال السنوات الماضية.
لكنّ جائزة أستراليا الكبرى أخمدت تلك الأفكار، حيث ظهرت مكلارين على حقيقتها وتمّ اكتشافها بشكلٍ مغاير تمامًا.
يُشار إلى أنّه وخلال فترة شراكتها مع هوندا، كان السائد هو أنّ مكلارين تملك هيكلًا جيّدًا للغاية، أو رائعًا في بعض الأحيان. إذ تحوّل ذلك في بعض الأوقات إلى إشارات بأنّ الفريق سيكون بنفس قوّة ريد بُل إذا ما تسلّح بمحركات رينو.
وعندما تمّ الإعلان عن صفقة تزوّدها بمحرّكات الصانع الفرنسي، أشار المدير التنفيذي لمكلارين زاك براون بأنّ ريد بُل ستكون هي المقياس، إذ لم يظهر ذلك بشكلٍ جليّ في أستراليا.
لكنّ الوضع سيكون هكذا دائمًا، فبغضّ النظر عمّا تمّ تداوله بشكلٍ علني خلال فترة فضّ مكلارين لشراكتها مع هوندا، فإنّ التوقّعات الداخلية لهذا الموسم لطالما كانت تواجد الحظيرة البريطانية في المركز الرابع ضمن بطولة المصنّعين.
وقد يبدو ذلك هدفًا قريب المنال، لكن وعلى الرُغم من أنّ مكلارين تحتلّ ذلك الموقع الآن بفضل المركزين الخامس والتاسع لألونسو وستوفيل فاندورن في أستراليا، لكنّ الحظّ كان حليف الإسباني تحديدًا في النتيجة التي أحرزها.
ويتمثّل هدف مكلارين العلني الآن في الوصول إلى مستوى ريد بُل بحلول نهاية هذا الموسم، بيد أنّ أوّل مرحلة في تحقيق ذلك تتمحور حول تقدّم الفريق بشكلٍ حاسم إلى صدارة خطّ الوسط. ما يعني التفوّق على رينو وهاس، اللتين كانتا أمام مكلارين على شبكة انطلاق سباق ملبورن.
وقد يبدو ذلك هدفًا واقعيًا يُمكن بلوغه، لا سيّما بالنظر إلى أنّ مكلارين قد أجّلت جلبها لتحديثات في جائزة أستراليا الكبرى إلى السباق الثاني في البحرين بسبب المتاعب التي واجهتها في التجارب الشتوية.
ويُمكن القول بأنّ الفريق سينتظر على الأرجح حتى جائزة إسبانيا الكبرى في مايو/أيار المُقبل قبل أن يلحق بخطّته التطويرية لهذا الموسم.
أمّا فيما يتعلّق بهدف اللحاق بريد بُل مع نهاية العام الجاري، فتلك تُعدّ مهمّة ضخمة. حيث كانت مكلارين أبطأ من أسرع لفّات ريد بُل في التصفيات بفارق 1.8 ثانية، إذ وبينما يُمكن للبعض الجدال بأنّ بضعة أعشار من الثانية في هذا الفارق تعود إلى عدم قدرة ألونسو على استخلاص الأداء الأقصى من السيارة بسبب خطأ ما، لكنّ خطأ ماكس فيرشتابن الشخصي خلال القسم الثالث من التصفيات يعيد التوازن إلى تلك المعادلة.
وبالطّبع ليس من المستحيل تعويض ذلك الفارق الضخم، إذ بوسع مكلارين تخطّي تحدّي التأقلم مع وحدة طاقة مختلفة الذي يعني أنّها دائمًا ما ستكون ضمن لعبة القط والفأر، لكن ومن خلال وضعها لذلك الهدف نُصب عينيها، فإنّ مكلارين تُبدي ثقة كبيرة للغاية في فريقها التقني، حيث يُمكن لتلك الثقة أن تكون في محلّها بناءً على العمل الذي يتمّ بالداخل. بيد أنّ هنالك علامة استفهام كبيرة تحوم حول ما يحدث في الخارج.
في نهاية المطاف، وبينما تبدو مكلارين فريقًا قويًا قد يكون الحصان الأسود هذا العام بفضل تاريخها المجيد في الرياضة، إلّا أنّ ذلك لم يظهر جليًا في أستراليا. فالفريق لا يعمل على نفس المستوى الذي تتواجد فيه مرسيدس، فيراري أو ريد بُل. كما أنّه كان يعاني وينهار حتّى قبل شراكته المنحوسة مع هوندا والتي بدت فكرة رائعة في حينها.
جديرٌ بالذكر أنّ مكلارين حققت الفوز ببطولة العالم في الفورمولا واحد مرّة واحدة فقط خلال القرن الـ21 – عندما اقتنص لويس هاميلتون لقب السائقين في المراحل الأخيرة لموسم 2008. قبل ذلك، يتعيّن عليك العودة إلى العام 1999 حيث كان لقب السائقين الأخير للفريق في القرن الماضي، وقبل ذلك بموسمٍ عندما حققت بطولة الصانعين بعد عامٍ من آخر ألقاب ويليامز.
وقد اتّخذت مكلارين خطوات خاطئة في تاريخها الحديث. فبعد فوز هاميلتون باللقب لصالحها، تعثّر الفريق في موسم 2009. إذ وبينما كان ذلك جزئيًا جرّاء دخولها في حرب تطويرٍ عدائية مع فيراري خلال وحتّى نهاية 2008، لكنّ أحد أسباب ذلك يعود كذلك إلى استهانة مكلارين بمكاسب الارتكازية الناجمة عن قوانين الانسيابية الجديدة التي تمّ تقديمها حينها وعدم التفاتها لبعض الخدع مثل الناشر المزدوج.
لكنّ مكلارين نجحت في التعافي والعودة خلال ذلك الموسم لتكون قوة ضاربة من جديد، بيد أنّ الأعوام التي تلت ذلك لم تكن مُطلقًا في نفس المستوى الذي كانت عليه ريد بُل. صحيحٌ أنّ الحظيرة البريطانية حققت بعض الانتصارات والابتكارات مثل ابتكارها لقناة "اف" الذي سمح للسائق بالتخفيف من الجرّ على الجناح الخلفي في المقاطع المستقيمة عبر تغطية فتحة في قمرة القيادة، لكنّ الفريق دخل كذلك إلى أزقّة مظلمة عبر ابتكارات مفرطة في تفاصيلها مثل عادم "مزمار القربة".
وحتى عندما سارت الأمور لصالحها على صعيد الأداء، مثلما حدث في موسم 2012، فإنّ العديد من مشاكل الموثوقيّة وأخطاء خطّ الحظائر كلّفت مكلارين البطولة.
وفي الحقيقة كانت مشكلة علبة التروس التي واجهها هاميلتون وهو في صدارة سباق سنغافورة ذاك العام هي التي منحته الدفعة الأخيرة التي كان بحاجة لها كي يتّخذ قرار انتقاله إلى مرسيدس.
ما تلا ذلك كان خطأً فادحًا في مسيرة مكلارين، حيث قررت تغيير تصميم السيارة لموسم 2013 - قبل عامٍ من أحد أكبر التغييرات على القوانين في تاريخ الفورمولا واحد – ما ساهم في تحويل مكلارين إلى فريقٍ خاسر، على الرُغم من اعتمادها لمحرّكات مرسيدس لموسمين من دون أيّ فوز قبل أن تتوجّه إلى شراكتها الكارثية مع هوندا.
لذا لا يجب أن نخدع أنفسنا بالاعتقاد أنّ مكلارين تملك سيارة مثالية. فآخر سيارة تنافسيّة في المقدّمة لمكلارين كانت على الحلبة منذ ستّة أعوام، وعليه فإنّ أمام الفريق التقني في ووكينغ الكثير من العمل.
وهنا تصبح الأمور أصعب، كونك كلّما اقتربت أكثر من المقدّمة في الفورمولا واحد، يصبح قانون تناقص العائد أكثر قوة. إذ وبينما قد يكون فارق التأخّر الحالي كافيًا لتكون هنالك مكاسب قريبة، فإنّك كلما تقترب من ريد بُل، كلّما أصبح تحقيق المكاسب أمرًا أكثر صعوبة.
وفوق كلّ ذلك، يجب ألّا ننسى المشهد الاقتصادي للفريق. إذ أنّ فضّ الشراكة مع هوندا والانتقال للتزوّد بمحركات رينو تطلّب مزيدًا من الاستثمارات وضخّ الأموال من قِبَل حاملي الأسهم في مكلارين، حيث تتوقّع اللجنة التنفيذية في الكيان البريطاني أن ترى نتائج على خلفية ذلك.
وبينما قد تكون الأهداف الموضوعة واقعية، سيبدأ الضغط بالتزايد على زاك براون وإريك بولييه في حال لم يشهد الفريق تقدّمًا في وقتٍ سريع. فالجانب المالي محدود، والفريق يحاول بلوغ أهدافه ومكاسبه لناحية الأداء ضمن ميزانية أصغر من فرق الصدارة في البطولة.
ولذلك تسبّبت نتيجة جائزة أستراليا الكبرى في ارتياحٍ كبير لجميع العاملين داخل مكلارين.
وفي حين كانت هنالك دائمًا ثقة في أنّ سيارة الفريق لموسم 2018 "ام سي ال33" تملك حزمة قوية بالقدر الكافي، كان هنالك ما يُثير القلق في وتيرة ألونسو خلال الدقائق الأخيرة من التجارب الشتوية، إذ لم يكن بوسعك لوم إدارة الفريق على مرورها بلحظات صعبة مليئة بالقلق.
"كان الوضع مُحبطًا كوننا علمنا بأنّه لم يكن هنالك أيّ أمرٍ خاطئ في جوهر تصميم السيارة، لكنّ الحظّ العاثر حالفنا أكثر من الجميع" قال براون.
وأضاف: "في مرحلة ما تقول في نفسك «لماذا نواجه هذا الكمّ من الحظ العاثر؟»، لكنّنا حافظنا على رباطة جأشنا وحاولنا تخطّي تلك المرحلة، إذ أنّ تلك النتيجة ستكون خطوة أولى في طريق طويل لإعادة بناء تلك الثقة من جديد".
وأكمل: "كان الوضع صعبًا كون أعين الجميع كانت تراقبنا عن كثب ولم يمنحنا أحد فرصة للراحة".
ولماذا يمنح أيّ أحد فرصة لمكلارين كي ترتاح أو تفسّر أوضاعها؟ فأحد الأمور التي عمل براون جاهدًا على صقلها هي صورة الفريق التاريخية العظيمة، لذا كان على التوقّعات أن تكون مرتفعة للغاية. إذ أنّ ما نراه هو إشارة على مدى التراجع الذي شهده الفريق ليكون المركز الخامس - النتيجة التي كانت لتكون مثيرة للشفقة خلال سنوات المجد – نتيجة تعني الكثير.
وبراون يتحدث حول ذلك الأمر كبداية للرحلة القادمة لمكلارين. بيد أنّ التحدّي الحقيقي يبدأ الآن، من نقطة الصفر التي تتمثّل في كون مكلارين فريق بوسعه المنافسة في مقدّمة خط الوسط. فما سيحدث خلال الأشهر الثمانية المقبلة سيخبرنا الكثير عمّا إذا كان هدف الفريق باستعادة أمجاده واقعيًا أم مجرّد غطرسة كاذبة.
في المقابل، لم تعد هنالك رصاصات تقنية سحرية في الفورمولا واحد، إذ يتعيّن على مكلارين إظهار مدى قوّة قسمها التقني، نقده الذاتي وتركيزه على تقديم الأداء المطلوب. كما لا يجب أن ننسى بأنّه فيما يتعلّق بريد بُل، فسيتعيّن على مكلارين مُضاهاة معدّل تطويرٍ لفريق يُمكن القول بأنّه الأفضل في الفورمولا واحد على صعيد الانسيابية.
وعلى الرُغم من أنّ حزمة التحديثات في أستراليا عملت بشكلٍ جيّد، لكنّ السيارة على المسار بدت مخادعة بعض الشيء، إذ يحتاج الفريق لتحقيق مزيد من التوازن والاستقرار.
ومن المقرّر أن تجلب مكلارين تحديثات هامة للألواح الجانبية، ما ينبغي أن يقدّم تحسنًا ملحوظًا في الأداء. والتي كان من المخطط تقديمها نهاية الأسبوع الماضي في ملبورن، ولكن تمّ تأجيلها على إثر المشاكل التي واجهت الفريق خلال التجارب الشتوية.
لكن وعلى الجانب الإيجابي، يبدو الفريق واثقًا بوجود توافق قوي بين النتائج في المصنع وتلك التي تتجلّى على الحلبة، وأنّ ذلك بالإضافة إلى المكاسب الأخيرة والتحديثات التي تأتي على السيارة من شأنه تسريع معدّل التطوير بالشكل الكافي.
وعليه فإنّنا سنعرف الكثير عن مكلارين خلال موسم 2018. وبينما كانت هوندا هي العامل الرئيسي في مشاكلها الأخيرة، فما يزال أمام الحظيرة البريطانية الكثير من العمل للوصول إلى مستوى فرق الصدارة الثلاثة.
في النهاية، لا أحد يشكّك في الطموح، لكنّنا بتنا نعلم الآن بكلّ تأكيد الموقع الذي تتواجد فيه مكلارين بالفعل، حيث ثبّتت أقدامها كأحد فرق خطّ الوسط، وهي بداية قوية، بيد أنّ الوقت قد حان كي تقدّم مزيدًا من الأداء – من دون أيّة أعذار.
قم بالاشتراك والوصول إلى Motorsport.com باستخدام أداة حظر الإعلانات الخاصة بك.
من الفورمولا 1 إلى موتو جي بي، نقدم تقاريرنا مباشرة من حلبة السباق لأننا نحب رياضتنا، مثلك تمامًا. وللاستمرار في تقديم صحافتنا المتخصصة، يستخدم موقعنا الإعلانات. ومع ذلك، نريد أن نمنحك الفرصة للاستمتاع بموقع ويب خالٍ من الإعلانات وخالٍ من أدوات التتبع ومواصلة استخدام أداة حظر الإعلانات.




أبرز التعليقات