تحليل: هل يُمكن لبوتاس إقناع مرسيدس بالإبقاء عليه؟
يتوجّه فالتيري بوتاس نحو عامه الثاني مع مرسيدس، لكنّ أمثال إستيبان أوكون ودانيال ريكاردو يضعون أعينهم على مقعده لموسم 2019، فهل سيكون بوتاس قادرًا على الاستجابة لتلك المخاطر عبر قيادة بطوليّة مماثلة لما أظهره خلال شهوره الأولى مع الصانع الألماني؟
من الممكن أن يتسبّب خطأ ضمن سلسلة من النتائج الباهرة في الإضرار بمسيرة أيّ سائق. في المقابل فإنّ لحظة إبداع وسط سلسلة من خيبات الأمل قد تمثّل بريق أمل، إذ أنّ التفاصيل الدقيقة هي التي تُحدّد المسيرة الرياضيّة. لهذا السبب يسعى رياضيو النخبة إلى الكمال على الدوام. وذلك هو سبب شعور بوتاس بخيبة الأمل بعد موسمه الأوّل في صفوف مرسيدس.
إذ أنّ النصف الأوّل من موسمه لم يشهد تقديمه لأيّ أداء مخجلٍ على الإطلاق، حيث حلّ محلّ بطل الموسم الأسبق في اللحظات الأخيرة على إثر اعتزال نيكو روزبرغ المفاجئ، وسرعان ما تمكّن من تحقيق قطب الانطلاق الأوّل للمرّة الأولى في مسيرته في الفورمولا واحد خلال الجولة الثالثة في البحرين، قبل أن يُتبع ذلك بفوزه الأوّل في السباق التالي في روسيا متفوّقًا على زميله لويس هاميلتون بطل العالم ثلاث مرّات.
وعاد الفنلندي لتكرار ذلك الإنجاز عبر فوزه بسباق النمسا متوجّهًا إلى العطلة الصيفيّة بفارق 19 نقطة فقط عن زميله هاميلتون و33 نقطة عن المتصدّر سيباستيان فيتيل. لو قُدّم ذلك الوضع إلى بوتاس ومرسيدس قبل بداية الموسم لقبلا به بكلّ تأكيد.
لكنّ الأمور انقلبت رأسًا على عقب في النصف الثاني من الموسم، إذ رفع هاميلتون من سقف أدائه بينما كان بوتاس عاجزًا عن مجاراته. إذ خلال السباقات السبعة التي تلت والتي شهدت ضمان هاميلتون للقب البطولة، سجّل بوتاس 93 نقطة فقط مقابل 145 للبريطاني.
وخلال تلك الفترة تمكّن هاميلتون من تحقيق خمسة انتصارات وحلّ ثانيًا في مناسبتَين. في المقابل اكتفى بوتاس بثلاث منصّات تتويج ولم يتمكّن من التغلّب على زميله سوى في مناسبة وحيدة في المكسيك عندما كان هاميلتون طرفًا في حادثة الاحتكاك مع فيتيل عند الانطلاقة.
استعاد بوتاس عافيته في آخر سباقَين من الموسم محقًقًا قطب الانطلاق الأوّل في كليهما إلى جانب فوزه في أبوظبي ليضمن انتصاره الثالث في الموسم، لكنّ تحسّنه يجب أن يتمّ تقييمه بناءً على حقيقة حسم لقب البطولة حينها ما وضع أولويّات أخرى أمام بعض المتنافسين الآخرين.
بالرغم من ذلك فإنّ بوتاس حصل بالفعل على عامٍ آخر ليُثبت فيه امتلاكه لما يلزم من أجل الإبقاء على مقعده في صفوف مرسيدس لعام 2019 وما بعده. إذ أنّ السهام الفضيّة بطلة العالم للعام الرابع على التوالي تجد أمامها عدّة خيارات بارزة أخرى حيث يتواجد ناشئها أوكون وريكاردو سائق ريد بُل على أعلى لائحتها. لكنّ بوتاس في المقابل يمتلك المهارات اللازمة لإثبات أحقيّته بالبقاء.
بمقارنة "أفضل الأزمنة" – عن طريق أخذ أسرع لفة ضمن أي سباق جائزة كبرى وتمثيله كنسبة – فإنّ بوتاس يحتلّ المركز الثالث مع 100.387 بالمئة. خلف هاميلتون بنسبة 0.104 بالمئة. بينما نجد أنّ ثنائي ساوبر فقط – باسكال فيرلاين وماركوس إريكسون – هما متقاربان بمثل تلك الطريقة.
كما أنّ بوتاس يتأخر عن فيتيل بنسبة 0.038 بالمئة فقط. وأمام كيمي رايكونن – الذي يليه مباشرة – بنسبة 0.238 بالمئة. لذا نجد مما تقدم أنّ السرعة على مدار اللفة الواحدة بالتأكيد ليست مشكلة بوتاس.
لكن، يبدو أن الاستفادة منها في الوقت المناسب هي مشكلة بالنسبة إلى بوتاس، إذ تفوّق عليه هاميلتون خلال التصفيات بنسبة 13 إلى 7 وأحرز قطب الانطلاق الأول 11 مرة مقابل أربع فقط للفنلندي على مدار الموسم الماضي.
وخلال القسم الثالث للتجارب التأهيلية – حيث يمثّل ذلك الجانب عاملًا في غاية الأهمية – كان النجاح في أغلب الأحيان من نصيب هاميلتون. الفارق الوسطيّ ما بين البريطانيّ وبوتاس خلال القسم الثالث للتصفيات يبلغ 0.401 ثانية. ويحتاج الفنلنديّ إلى الاستفادة بشكل أمثل من سرعته.
من ناحية السباق يبدو بوتاس أكثر قوة؛ إذ تأخر خلف هاميلتون بنسبة 8 إلى 11 عندما أكملا السباقات معًا. وعندما كانت سيارة مرسيدس "تعاند" سائقيها، كان هاميلتون يعاني بينما ينجح بوتاس. بالمقابل، وعندما كانت السيارة تعمل كما يجب، كان هاميلتون يتقدم بشكل ملحوظ.
من جهته، لا يرى جايمس أليسون المدير التقني لدى مرسيدس أنه من العدل القول أنّ بوتاس عانى من ركود في أدائه منتصف الموسم، لكنه بالمقابل يشعر أنّ هاميلتون هو الذي حسّن من وتيرته ما زاد صعوبة لحاق الفنلندي به.
فقال: "من السهل للغاية أن ننظر إلى الروزنامة ونقول ’منذ هذه المرحلة لم يكن أداؤه جيدًا’، إذ رفع لويس من وتيرته أو أنّ بوتاس عانى من ركود في أدائه".
وأكمل: "تلك مقاربة سطحية بعض الشيء وليست صحيحة، لأنّ الجميع يشعر أنّ فالتيري عانى من وقت صعب منذ العطلة الصيفية. لكنّ المقاربة الواقعية تشير إلى أنّ أداء لويس كان جيدًا جدًا، وتمتع بوتيرة ممتازة للغاية منذ العطلة الصيفية".
وتابع: "لو نظرنا إلى التفاصيل، لوجدنا أنّ فالتيري كان قويًا للغاية مباشرة خلف لويس في سوزوكا – في منتصف تلك المرحلة التي تمّ وصفها بالركود. وكان بوسعه إحراز المركز الثاني لولا مشكلة علبة التروس، ليعبر خطّ النهاية بفارق عشر ثوانٍ فقط خلف لويس في سباقٍ شهد سيطرة وهجومًا كبيرين من قبل البريطاني".
أحد المجالات التي من المحتمل أن يعاني فيها بوتاس تتمحور حول ثبات الأداء على مختلف أنواع الحلبات. ويرى أليسون أنّ المسارات ذات الأسفلت الناعم مثل باكو وريد بُل رينغ شهدت أداءً "قويًا جدًا" من قبل الفنلنديّ، لكنه عانى من "أوقات أصعب" على المسارات ذات الأسفلت الخشن.
"لكنني أعتقد أنّ المسألة لها علاقة بتعلم كيفية إدارة السيارة في مثل تلك الظروف، إذ يمتلك لويس خبرة عدد أكبر من السنوات في ذلك" قال أليسون.
خاض هاميلتون أربعة مواسم مع مرسيدس قبل 2017، بينما انضمّ بوتاس إلى صفوف الفريق متأخرًا مع وقت ضيّق للتحضير من دون أية خبرة مع العلامة الألمانية.
حيث قال بوتاس معترفًا: "ما يقوم به بطريقة أفضل مني، أعتقد أنه يعود بشكل أساسيّ إلى الخبرة".
وأكمل: "أعتقد أنّ السيارة لم تتغير من الناحية الميكانيكية بشكل كبير مقارنة بالمواسم الماضية. كما أنها مختلفة بشكل كبير عن سيارة ويليامز. لذا، كان أمامي الكثير من الأمور لأتعلمها وكنتُ أحاول اللحاق به على صعيد عدة أمور طوال الوقت".
ويرى بوتاس أنه سيكون "سائقًا أفضل بكثير وأسرع بكثير" في 2018 مقارنة بالموسم الماضي، بعد أن أصبح يمتلك خبرة أكبر مع مرسيدس. إذ عليه أن يكون كذلك بالفعل إذ لم يعد يمتلك الأعذار وعليه تقديم الأداء المنشود.
ربما كان بوتاس غير راضٍ عن موسمه في 2017، لكنّ مرسيدس كانت مسرورة للغاية؛ إذ أنها تمتلك سائقًا يقدّم أفضل أداء له على الإطلاق ويسير على طريقه لنيل اللقب.
بينما تمتلك سائقًا آخر يتأقلم بسرعة كبيرة مع بيئة عمله الجديدة، محرزًا الفوز بالسباقات وخاطفًا النقاط من أمام أقرب منافسي العلامة الألمانية: فيراري، ما ساعد السهام الفضية على حسم لقب الصانعين.
تلك التركيبة تمثّل "فريق الأحلام" لأغلب المشاركين.
يُشار إلى أنّه وخلال السباقات الـ17 التي أكملها بوتاس وفيتيل، تقدّم الفنلندي على سائق فيراري في ثماني مناسبات. إذ أنّه في حال تمّ شطب نتيجة بوتاس من التصنيف النهائي، لكان بحوزة فيتيل 34 نقطة إضافية، ما كان ليكون كافيًا بالنسبة للألماني من أجل التغلّب على هاميلتون، بيد أنّ تقليل الفارق إلى 12 نقطة كان ليمنحه بكلّ تأكيد فرصة أكبر حينها.
وبالمقارنة مع سائق فيراري الآخر رايكونن، فإنّ نتائج بوتاس كانت مهيمنة أكثر. حيث تقدّم سائق مرسيدس على مواطنه 12 مرّة خلال السباقات الـ17 التي أكملاها في مقابل خمسٍ لسائق القلعة الحمراء. إذ وفي حال لم نضع في الاعتبار جميع النتائج الأخرى، فإنّ بوتاس كان ليُسجّل 99 نقطة إضافية أكثر من غريمه رايكونن وما كانت مرسيدس لتحلم بأكثر من ذلك.
فقد واجهت العلامة الألمانية أوقاتًا عصيبة في محاولة إدارة العلاقة بين هاميلتون وروزبرغ، لا سيمّا مع تزايد احتدام معاركهما على لقب البطولة، لكن وبالرُغم من الأحداث المثيرة للجدل التي جمعت بين الثنائي – بما فيها استخدام أوضاع المحرّك، استراتيجيّة التوقّفات، حوادث التصادم على الحلبة، مبادلات العاملين بين المرآبَين وطريقة إدارة الفريق للمنافسة بينهما – كان مدير مرسيدس توتو وولف ما يزال يشعر بأنّ دفع الثنائي لبعضهما البعض سيكون له فائدة إيجابية بالنهاية.
لكن ومع قدوم بوتاس لمزاملة هاميلتون، أشار البريطاني إلى التناغم الأفضل الذي بات يحظى به الفريق كعاملٍ رئيسي في النجاح الذي حققه هو والعلامة الألمانية في تحقيق لقبَي 2017.
كما اعترف وولف بأنّ الطريقة التي يتفاعل بها هاميلتون وبوتاس مع بعضهما البعض قد غيّرت من طريقة تفكير الفريق حيال المنافسة الداخلية بين سائقي البيت الواحد. حيث يرى بأنّ العلاقة الصحيّة التي جمعت بين الثنائي – في ظلّ معركة على اللقب باحتدام التي شهدها موسم 2017 – كانت مهمة للغاية.
فقال: "آمنت في الماضي بأنّ المنافسة الحامية بين الزميلين تكون جيّدة للفريق لأنّهما سيدفعان بعضهما البعض".
وأردف: "أعتقد أنّ الدرس الذي تعلّمته ممّا حدث أنّ تلك الفكرة لم تكن صائبة على الأرجح – أعتقد أنّك تحتاج لزميلَين يقدّمان أداءً عند أعلى مستوى ويواصلان دفع بعضهما البعض داخل السيارتَين، لكنّ المنافسة لا يجب أن تتسبّب في أحداث مثيرة للجدل خارج السيارة".
ثمّ تابع: "ساهمت العقليّة والعلاقة بينهما في جعلنا أكثر قوّة، ومنحنا ذلك بيئة منفتحة وأكثر صدقًا وفي النهاية تمكّنا من وضع سيارتنا السريعة والصعبة في مكانها المناسب، كما أنّهما عملا بشكلٍ جيّد معًا".
واستدرك: "جعلتنا الديناميكيّة بين بوتاس وهاميلتون نطوّر السيارة بطريقة فعّالة للغاية، وذلك ساهم في فوزنا بالبطولتَين، لذلك لست نادمًا على الإطلاق على وضعنا الحالي".
وفي ظلّ بروز كلٍّ من ريكاردو وأوكون كتهديد واضح لمستقبل بوتاس ضمن صفوف مرسيدس، يتعيّن على الفنلندي تعزيز وتيرته على مدار اللفّة الواحدة وتقديم ذلك بشكلٍ ثابت، والبناء على خبرته التي اكتسبها مع الفريق العام الماضي من أجل المنافسة في مواجهة هاميلتون بشكلٍ منتظم والحفاظ على البيئة المتناغمة داخل الفريق.
إذ أنّه وفي حال تمكّن بوتاس من تحقيق ذلك – وبالتالي لعبِ دورٍ رئيسي في فوز مرسيدس بلقبها الثنائي الخامس – فسيُساهم ذلك في تفكير السهام الفضية بجدية أكبر حيال تجديد عقده والحفاظ على خدماته داخل الفريق.
قم بالاشتراك والوصول إلى Motorsport.com باستخدام أداة حظر الإعلانات الخاصة بك.
من الفورمولا 1 إلى موتو جي بي، نقدم تقاريرنا مباشرة من حلبة السباق لأننا نحب رياضتنا، مثلك تمامًا. وللاستمرار في تقديم صحافتنا المتخصصة، يستخدم موقعنا الإعلانات. ومع ذلك، نريد أن نمنحك الفرصة للاستمتاع بموقع ويب خالٍ من الإعلانات وخالٍ من أدوات التتبع ومواصلة استخدام أداة حظر الإعلانات.




أبرز التعليقات