تحليل: هل انتهت حقبة مرسيدس حقًا؟
لم تتمكّن مرسيدس للمرّة الأولى خلال خمسة أعوام من الفوز بأيٍ من السباقات الثلاثة الافتتاحيّة من الموسم فهل يعني ذلك بأنّ الفورمولا واحد تشهد أخيرًا نهاية سيطرة الفريق على البطولة؟
موتورسبورت.كوم "برايم"
أفضل المقالات التقنية والتحليلات المميّزة من عالم المحركات على موقع "موتورسبورت.كوم" باللّغة العربية.
من المؤكّد بأنّ الوضع أصبح أكثر احتدامًا داخل أروقة مرسيدس، كما أنّ وجود فريقَين منافسين يضغطان عليه بقوّة ساهم في الكشف عن نقاط ضعف السهام الفضيّة.
إذ خلال سيطرة الفريق على مدار الأعوام الثلاثة الأولى من الحقبة الحاليّة، كان عليه في الحقيقة التأكّد من أنّ لويس هاميلتون ونيكو روزبرغ لا يصدمان ببعضهما البعض بشكلٍ مكثّف. في حال تمكّنت مرسيدس من إدارة تلك المسألة – وهو ما نجحت في القيام به بالفعل معظم الوقت – فإنّ النقاط دائمًا ما كانت تتهافت على خزائن الفريق وكذلك الألقاب.
لكنّ الوضع ازداد صعوبة في 2017. أخذ فالتيري بوتاس مكان روزبرغ بينما أصبحت فيراري تهديدًا كبيرًا على السهام الفضيّة. في حال تعثّرت مرسيدس فإنّ الحصان الجامح كان لها بالمرصاد. أي بدل الاقتصار على التركيز في معركة البيت الداخلي، أصبح هناك منافسٌ خارجيٌ على الماكينات الألمانيّة صدّه.
وبناءً على ما شهدناه حتّى الآن في 2018، فإنّ ذلك التقليد لا يزال متواصلًا، بل إنّ ريد بُل انضمّت إلى فيراري مباشرة خلف السهام الفضيّة والإبقاء عليها في حالة ضغط متواصل بدءًا من التجارب التأهيليّة وحتّى العلم الشطرنجي نهاية السباق.
بدا بأنّ الوضع كالمعتاد خلال بداية السباق، حيث حقّق هاميلتون قطب الانطلاق الأوّل في أستراليا متقدّمًا بفارق 0.664 ثانية. نتحدّث عن أنّ عُشرًا واحدًا من الثانية يساوي سنوات في الفورمولا واحد، وعندما تكون متقدّمًا بأكثر من نصف ثانية عن أقرب ملاحقيك فقد بدا بأنّ الموسم قد انتهى مبكّرًا. لكن لحسن الحظّ لم يحدث ذلك وحصلنا في المقابل على معركة ثلاثيّة بصدد البدء.
أكمل هاميلتون سباق أستراليا ثانيًا خلف سيباستيان فيتيل، لكنّ ذلك لم يكن خطأه كونه تواجد في المكان المناسب من الحلبة عند اعتماد نظام سيارة الأمان الافتراضيّة بناءً على حسابات مرسيدس. لكنّ المشكلة تمثّلت في خطأ تلك الحسابات، وكان فيتيل يمتلك فارقًا كافيًا لإجراء توقّفه والعودة في الأمام. مثّل ذلك الخطأ الاستراتيجيّ الأكبر الأوّل في هذا الموسم.
وبالانتقال إلى البحرين تمكّنت فيراري من حجز صفّ الانطلاق الأوّل بينما كان بوتاس أفضل سائقي مرسيدس على بُعد 0.298 ثانية عن الصدارة. شقّ فيتيل طريقه نحو الفوز أمام بوتاس وهاميلتون، وذلك بعد حصول الأخير على عقوبة التراجع خمسة مراكز على شبكة الانطلاق نتيجة تغييره لعلبة تروس سيارته. في المقابل خسر بوتاس أفضل فرصه لتحقيق الفوز كون مرسيدس أدركت متأخّرة أنّ سائق فيراري سيتوقّف مرّة واحدة. كان ذلك الخطأ الثاني.
كما حصلنا على صورة مماثلة في الصين، لكنّ بوتاس كان ثالثًا بفارق 0.582 ثانية خلال التصفيات بينما كان هاميلتون رابعًا مجدّدًا. وبالنظر إلى الوتيرة النقيّة فإنّ مرسيدس وخاصة هاميلتون بدآ بالتأخّر إلى الخلف بينما بقيت فيراري مستقرّة. إذ أنّ حقيقة تقارب سائقَيها تُظهر بأنّ فيراري تملك الأدوات يوم السبت لاستخراج أقصى قدرات السيارة عندما يتطلّب الأمر ذلك.
كما أنّ تعليق هاميلتون بالقول "لسببٍ ما سيارتهم تعمل في كلّ مكان، ذلك غريبٌ للغاية" بخصوص فيراري كان مفاجئًا وكاشفًا لبعض الحقائق في الوقت ذاته. إذ يجب عليه النظر إلى المسألة بشكلٍ معاكسٍ تمامًا كون أداء مرسيدس هو المتقلّب وذلك ليس بالأمر المريح مطلقًا.
صحيحٌ أنّ وتيرة مرسيدس بالمقارنة مع فيراري خلال السباق أفضل نسبيًا. لكنّ مرسيدس ترتكب المزيد من الأخطاء الاستراتيجيّة في المقابل، لذلك يُمكن القول بأنّه بعد ثلاثة سباقات فإنّ فيراري تتمتّع باليد العليا. لم يتوقّع ذلك أيّ أحدٍ خلال التجارب الشتويّة وما أظهرته مرسيدس حينها.
إذ خلال حصص التجارب في برشلونة، أمضت مرسيدس معظم وقتها على إطارات "ميديوم". كانت تلك التركيبة الأكثر استقرارًا من أجل قطع المسافات عليها واختبار إعدادات السيارة، لكن عندما يتعيّن على الفريق الضغط في فترة ما بعد ظهر السبت خلال التصفيات فسيكون بحاجة لاستخراج أقصى أداءٍ من تركيبة الإطارات الألين المتاحة في تلك الجولة على مدار لفّة واحدة. أي أنّ تحمية الإطارات تُعدّ عمليّة حرجة عانت مرسيدس لإنجازها بنجاح في البحرين والصين.
لا يُعدّ الحصول على لفّة مثاليّة كاملة من الإطارات الألين أمرًا سهلًا. إذ تحتاج للتمتّع بتماسكٍ أمامي جيّد عند بداية اللفّة بالتزامن مع صمود الإطارَين الخلفيّين حتّى النهاية، وهو ما يُعدّ مهمًا على حلبة مثل شنغهاي ومنعطفها الأوّل الطويل المحدود على الإطار الأمامي الأيسر.
إذ يحتاج السائق خلال عدّة مناسبات إلى الإقدام على تنازلات صغيرة من أجل بلوغ ذلك عبر حماية الإطارَين الخلفيّين خلال لفّة الخروج من خطّ الحظائر، وهو ما يعني عدم قدرته في المقابل على تجهيز الإطارَين الأماميّين بالشكل الكافي لبداية اللفّة. ويبدو بأنّ ذلك يضرّ بمرسيدس أكثر من فيراري.
وسبق وأن أشرنا خلال التجارب الشتويّة إلى قدرة مرسيدس – وخاصة هاميلتون – على إدارة السيارة حول مقدّمتها. وفي حين أنّ ذلك يبدو رائعًا، إلّا أنّ أيّ انزلاقٍ للقسم الخلفي عند دخول المنعطف سيضرّ بالقسم الخلفي عند الخروج منه في الوقت الذي يحتاج فيه السائق لأقصى مستويات التماسك. وبناءً على ما اعترف به الفريق بنفسه فإنّ سيارة 2017 كانت صعبة المراس. وبالنظر إلى ما قدّمته السباقات الثلاثة الأولى من الموسم فإنّ سيارة 2018 تبدو كما لو أنّها ورثت ذات الخصائص. لكنّها لا تبدو بذات السرعة بالمقارنة مع منافساتها.
يبدو بأنّ سيارة مرسيدس محدودة بنافذة تشغيلٍ ضيّقة، وهذا دائمًا ما يجعل من الصعب الوصول إلى مجال العمل المثالي، لا سيّما على إطارات جديدة عندما يكون توازن السيارة هو ما يتمحور حوله استخراج أفضل أداءٍ من الإطارات.
إذ أنّه وبعد بضع لفّات، عندما تخسر الإطارات أداءها المبدئي، تتقلّص المشاكل، لكنّها تظلّ متواجدة وستساهم في جعل الإطارات تتآكل أسرع بعض الشيء ممّا لو كان توازن السيارة مثاليًا.
حظيت البطولة بالعديد من السيارات السريعة للغاية في الماضي، لكنّ السائقين لم يشعروا مُطلقًا بالراحة الكاملة على متنها، وكذلك كانت هنالك سيارات أبطأ بعض الشيء، لكنّ السائقين تمتّعوا بالثقة داخلها. النوع الأخير عادة ما يفتقر إلى التماسك ببساطة، بيد أنّ الأوّل يُمثّل مشكلة أكبر بعض الشيء والتي عادة ما تعود إلى مشكلة متأصّلة في انفصال تدفق الهواء.
من المستحيل أن يكون بمقدورك اختبار جميع مكوّنات الانسيابيّة التي تدخل في تصميم سيارة فورمولا واحد حالية في نفق الهواء أو على صعيد ديناميكا الموائع الحسابية، ومن ثمّ تأمُل في أنّ يكون هنالك توافقٌ كاملٌ 100 بالمئة مع ما يحدث بالفعل على الحلبة. سيكون هنالك دائمًا أمرٌ ما ينتظرك ليتسبّب لك في مشكلة، إذ يُمكن القول بأنّ مرسيدس تعاني من تلك المشكلة الآن.
وبينما من الممكن عادة أنّ تقوم بتبديل الإعدادات من أجل التحايل على المشاكل الصغيرة، إلّا أنّها تظلّ متأصّلة وستظهر لك من حيث لا تتوقّع.
لكنّ تلك كلّها أمور هندسية، ومرسيدس تملك فريقًا قويًا للغاية في هذا الجانب، والذي سيتعمّق في كمّيات كبيرة من البيانات من أجل تحديد أسباب تلك المشاكل والعثرات. إذ أنّك لن تجد الحلول إلّا بعد أنّ تحدّد المشكلة، وإذا لم تتمكّن من تحديد أسباب معاناتك وظللت تبحث بتهور عن مزيد من الارتكازيّة، فسيكون من السهل للغاية أن تزيد من سوء الوضع لتتفاقم مشاكلك ويظلّ الإحباط ملازمًا لك.
بشكلٍ أكثر دقّة، تواجه مرسيدس مشكلتَين هما الأكبر على الأرجح. الأولى هي ردود الفعل الاستراتيجيّة تجاه المواقف المختلفة. فالفريق لا يملك حاليًا تلك الأفضلية الكبيرة في الأداء التي حظي بها في المواسم السابقة.
لذا فعوضًا عن الثواني التي تصنع الفارق، فنحن نتحدّث عن أعشارٍ من الثانية الآن. وكما يردّد توتو وولف دائمًا، فإنّ الأمور تكون أسهل مع الإدراك المتأخّر للوضع، لكنّ السبب الوحيد لطرح تلك الأسئلة كثيرًا هو أنّ الأمور تسير في الاتّجاه الخاطئ على نحوٍ متكرّر.
في ملبورن، اعتقدت مرسيدس بأنّ لديها أفضليّة كافية عندما تمّ تطبيق فترة سيارة الأمان الافتراضيّة كي تستعيد الصدارة من فيتيل عندما يتوقّف، لكنّها أساءت تقدير ذلك. حيث تمثّل الوضع في أنّ برنامجًا للحاسوب قال "حسنًا، تلك هي الاستراتيجيّة الصحيحة"، في حين أنّ الواقع قال بأنّ هنالك "سائقًا غاضبًا" عندما رأى فيتيل يخرج من خطّ الحظائر أمامه عند المنعطف الأوّل.
وفي البحرين، ظلّ سائقا العلامة الألمانية في المركزين الثاني والثالث محاولَين حماية الإطارات، كونهما اعتقدا بأنّ فيتيل سيتوقّف مُجددًا. ولم يُقدم الألماني على ذلك وواصل سباقه ليُحرز الفوز على إطارات تجاوزت عمرها الافتراضي.
فلماذا إذًا لم تدفع مرسيدس ببوتاس كي يقترب أكثر من فيتيل في وقتٍ أبكر وتسلّط بعض الضغط عليه كي يستهلك الإطارات على نحوٍ أكبر؟ إذ أنّه وفي حال أجرى فيتيل توقفًا ثانيًا، كان بوتاس ليقوم بذات الأمر، تاركًا هاميلتون في الصدارة في محاولة لإنجاح استراتيجيّة التوقّف الواحد.
وفي حال فشلت تلك الخطّة، كانت مرسيدس لتنهي بذات النتيجة التي أحرزتها في نهاية المطاف، لكنّها ستكون قد فتحت الباب لمنحها فرصة أخرى لتحقيق الفوز.
وأخيرًا في الصين، لا يبدو بأنّ مرسيدس قامت بأمورها على نحوٍ خاطئ بشكلٍ كبير، لا سيّما مع بوتاس. فسائقا ريد بُل كانا في المكان المناسب عندما دخلت سيارة الأمان، وراهنا على التوقّف ووضعا إطارات "سوفت" جديدة. وآتت تلك المغامرة أكلها، إذ أنّ مرسيدس كانت قادرة على الأرجح على اتّباع ذات المقاربة مع هاميلتون، لكنّها آثرت إبقاءه على الحلبة.
إذ أنّ الفريق ينفّذ على الفور ما يخبره به برنامج الحاسوب الذي يحلّل السباق.
في بعض الأحيان تحتاج كذلك إلى شخص في خطّ الحظائر يتفاعل مع ما يجري، يرفع إصبعه في الهواء ليرى اتّجاه الرياح. هذا ما قامت به ريد بُل عندما أجرت توقّفها المزدوج. إذ أنّك من وقتٍ لآخر تكون بحاجة إلي الشجاعة لخلق فرصتك.
وعلى صعيد التجاوزات، فدانيال ريكاردو وماكس فيرشتابن لم يتوانيا في ذلك الجانب. حيث أنّ الأوّل يملك مهارات استثنائية تحت الكبح، إذ لا يبدو بأنّه ولو انقلبت الأمور، كان بوتاس أو هاميلتون ليكون قادرًا على القيام بما فعله ريكاردو وما حاول فيرشتاين تحقيقه.
تكمن المشكلة الكبرى داخل رأس هاميلتون. فقد رأينا ذلك في مناسبات مختلفة طوال مسيرته، حيث يذهب تركيزه إلى مكان آخر ويستغرق بعض الوقت كي يستعيد أداءه.
وكما هو الحال مع أيّ سائق، فدائمًا ما ستتمّ مقارنة البريطاني مع زميله، إذ أنّ بوتاس يتفوّق حاليًا على هاميلتون في التجارب التأهيلية، كما حصد مركز الوصافة في مناسبتين هذا الموسم. حيث أنّ هاميلتون لم يواجه مثل تلك المنافسة من جاره في المرآب منذ وقتٍ طويل. لذا فإنّه بحاجة إلى التغلّب على مشاكله الخاصة سريعًا وإلّا سيتمكّن الفنلندي من بناء الزخم الكافي للتفوّق عليه.
لطالما أراد هاميلتون بعض المنافسة داخل الفريق، بيد أنّه على الأرجح لم يرغب بذلك القدر.
قم بالاشتراك والوصول إلى Motorsport.com باستخدام أداة حظر الإعلانات الخاصة بك.
من الفورمولا 1 إلى موتو جي بي، نقدم تقاريرنا مباشرة من حلبة السباق لأننا نحب رياضتنا، مثلك تمامًا. وللاستمرار في تقديم صحافتنا المتخصصة، يستخدم موقعنا الإعلانات. ومع ذلك، نريد أن نمنحك الفرصة للاستمتاع بموقع ويب خالٍ من الإعلانات وخالٍ من أدوات التتبع ومواصلة استخدام أداة حظر الإعلانات.




أبرز التعليقات