موتورسبورت.كوم
مقالات

موتورسبورت.كوم "برايم"

تحليل السباق: كيف تعلّم فيرشتابن مجابهة تكتيكات لوكلير في سباق السعوديّة المثير

تنافس شارل لوكلير وماكس فيرشتابن على الفوز للسباق الثاني على التوالي، وذلك ضمن معركة عرفت عدّة تجاوزات. لكن على عكس البحرين فإنّ فيرشتابن كان من خرج منتصرًا في جدّة ليُعيد منافسة ريد بُل على اللقب إلى السكّة الصحيحة.

تحليل السباق: كيف تعلّم فيرشتابن مجابهة تكتيكات لوكلير في سباق السعوديّة المثير

كانت ثلاث انزلاقات للقسم الخلفي عاملًا رئيسيًا في تحديد معالم المعركة الساحرة على الفوز بسباق جائزة السعوديّة الكبرى.

كانت تلك علامة على أنّ الإطارات الخلفيّة على سيارة فيراري الخاصة بشارل لوكلير قد بدأت تطلب الرحمة، حيث انزلق القسم الخلفي لسيارة "اف1-75" عندما انعطف في المنعطف الأخير مع بقاء خمس لفّات على النهاية. ومن ثمّ فقدت الإطارات التماسك مجدّدًا، لكن هذه المرّة عند ضغطه على دوّاسة الوقود بالخروج من المنعطف. وجاء الانزلاق الأخير في اللفّة التالية أثناء دخوله المنعطف الـ 27.

تركت تلك اللحظات الثلاث الفارقة لوكلير فريسة لفيرشتابن الذي أمضى أغلب أوّل سباقَين في مشاهدة ودراسة ما يجب عليه فعله للتغلّب على غريمه الجديد على المسار. وشقّ الهولندي طريقه إثر ذلك نحو ما أصبح فوزه الأوّل هذا الموسم وبداية حملة دفاعه عن لقبه.

كانت تلك ذروة عرضٍ رائعٍ للفورمولا واحد على حلبة شوارع كورنيش جدّة، حيث قدّمت إطارات الـ 18 إنشًا الجديدة ونظام "دي آر اس" سباقًا ملحميًا مليئًا بالتجاوزات والأحداث. جاء ذلك بعد أن أحرز سيرجيو بيريز قطب الانطلاق الأوّل للمرّة الأولى في مسيرته.

سيرجيو بيريز، ريد بُل ريسينغ

سيرجيو بيريز، ريد بُل ريسينغ

تصوير: صور موتورسبورت

قدّم سائق ريد بُل لفّة العمر ليتغلّب على ثنائيّ فيراري في الوقت الذي عانى فيه زميله فيرشتابن في القسم الثالث من التصفيات ليكتفي بالمركز الرابع.

وبالانتقال إلى السباق، فقد تمتّع بيريز وزميله بالانطلاقة الأفضل. تشبّث المكسيكي بالخطّ الأوسط بالتوجّه إلى المنعطف الأوّل لضمان بقاء لوكلير صاحب المركز الثاني في مكانه. وأجبر ذلك كارلوس ساينز الإبن المنطلق من المركز الثالث على خفض سرعته عند المنعطف الأيسر الأوّل كي لا يحتكّ بزميله. وترك ذلك الباب مفتوحًا أمام فيرشتابن ليتواجد بجواره في المنعطف الثاني ودفع سيارته نحو المركز الثالث.

وفي الوقت الذي ابتعد فيه بيريز للتحكّم في السباق في الأمام بأفضليّة ثانيتين خلال اللفّات الخمس الأولى، كان فيرشتابن يُعاني لإدخال إطارات "ميديوم" إلى مجال عملها المثالي.

"لم أكن سعيدًا على إطارات ميديوم" قال بطل العالم، وأضاف: "تبدأ الإطارات بفقدان أدائها في كلّ مرّة تقترب فيها من السيارة التي أمامك. لذا لم يكن هناك الكثير من التسابق. كان ذلك محبطًا بعض الشيء، كون عليك الجلوس هناك والانتظار حتّى تنتقل إلى الإطارات الأخرى، لأنّه حالما انتقلنا إلى إطارات هارد، فقد حظيت بشعورٍ أفضل بكثير".

في المقابل كان بيريز الفائز بسباقَين سعيدًا على الإطارات الصفراء التي بقي عليها لـ 15 لفّة في الوقت الذي بدأ فيه لوكلير برفع وتيرته مقلّصًا الفارق معه إلى 1.6 ثانية. استدعت فيراري سائقها برسالة "توقّف للتجاوز" قبل أن تعكس قرارها. لكنّ استراتيجيي ريد بُل استجابوا عبر استدعاء سائقهم المكسيكي. انتقل حينها إلى إطارات "هارد" ضمن خطّة التوقّف الوحيد، وهي ذات الاستراتيجيّة التي اتّبعها الثمانية الأوائل في النهاية.

لكنّ تلك الخطّة فشلت نتيجة مجموعة من العوامل. خسر المكسيكي أوّلًا بضعة أعشارٍ في توقّفه الذي كان بطيئًا نسبيًا. ومن ثمّ عاد إلى الحلبة خامسًا خلف جورج راسل سائق مرسيدس. لكن ما كان حاسمًا أكثر في خسارته للفوز هي الأعلام الصفراء التي تمّ التلويح بها. جاءت تلك الأعلام نتيجة اصطدام نيكولاس لاتيفي بالجدار لينسحب من السباق. أنهى الكندي عطلة نهاية أسبوع للنسيان بعد حادثه الآخر في القسم الأوّل من التصفيات.

سيارة نيكولاس لاتيفي، ويليامز

سيارة نيكولاس لاتيفي، ويليامز

تصوير: صور موتورسبورت

تحوّلت الأعلام الصفراء سريعًا إلى نظام سيارة أمان افتراضيّة ومن ثمّ سيارة أمان فعليّة، لذا توجّه تسعة سائقين إلى خطّ الحظائر. استغل لوكلير، وفيرشتابن وساينز ذلك للتقدّم على بيريز. عاد لوكلير في الصدارة.

في الأثناء كان ساينز بصدد العودة إلى الحلبة وكان بيريز قادمًا، لكنّه تجاوزه بعد خطّ سيارة الأمان في المنعطف الثاني. وبالرغم من الاشتباه في تلك الخطوة فلم تكن هناك دعوة لبريز للعودة خلف الإسباني إلّا عند استئناف السباق بعد خمس لفّات.

اعتبر ساينز القرار "غريبًا للغاية"، حيث قال: "نحتاج لمواصلة تحليل هذه الأشياء في الرياضة، لأنّه بوسعنا تبسيط الأمور كثيرًا لو أعاد لي بيريز المركز خلال فترة سيارة الأمان، وهو ما كان ليمنحني فرصة لمهاجمة ماكس عند إعادة الانطلاقة ولمنح ذلك الفرصة لتشيكو لمهاجمتي كذلك".

وأكمل: "خلقنا فوضى غير ضروريّة... كانت هناك ملايين الفرص لتشيكو ليسمح لي بتجاوزه ومن ثمّ خوض معركة جيّدة عند إعادة الانطلاقة. لو تجاوزني راسل على سبيل المثال فما الذي كان يجب فعله حينها، هل على تشيكو السماح لراسل ولي بتجاوزه؟ لن يكون ذلك عادلًا على الإطلاق".

ولدى خروج سيارة الأمان في نهاية اللفّة الـ 20، حاول فيرشتابن تخويف غريمه مثلما فعل في البحرين نهاية الأسبوع الماضي عبر وضع سيارته بجواره، لكنّه أضرّ بخطّ التسابق الخاص به في المنعطف الأخير. حشره سائق فيراري على نحوٍ ضيّق وتسارع بعيدًا ليكسب أفضليّة مبكّرة.

تمتّع سائق فيراري بأفضليّة 1.6 ثانية في اللفّة الـ 37 قبل اعتماد نظام سيارة الأمان الافتراضيّة للمرّة الثانية. جاء ذلك هذه المرّة نتيجة الانسحاب المتزامن لفرناندو ألونسو (فقدان مفاجئ للطاقة أثناء معركته مع كيفن ماغنوسن على المركز السابع)، ودانيال ريكاردو (الذي كان يتواجد في المركز الـ 11 وتوقّف سيارته بعد لحظات من طلب فريقه منه السماح للاندو نوريس بتجاوزه) وفالتيري بوتاس (المركز الـ 15 بسبب ارتفاعٍ مفرط لحرارة وحدة الطاقة).

استؤنف السباق في اللفّة الـ 41، أي مع بقاء 10 لفّات على النهاية، للمرّة الأخيرة وقدّم لنا حينها أفضل علامات على مدى اختلاف سيارتَي "آر.بي18" و"اف1-75" وكيفيّة كسبهما للزمن. كان فيرشتابن يخسر بضعة أعشارٍ لصالح لوكلير في القسم الأوّل المتعرّج في ظلّ تمتّع فيراري بالأفضليّة في المنعطفات متوسّطة السرعة. وتماشى ذلك مع ما أكّده ماتيا بينوتو لاحقًا بأنّ الفريق اختار إعدادات ذات ارتكازيّة أعلى على أمل التقليل من تآكل الإطارات، لكنّ ذلك التآكل كان أقلّ من المستوى الذي توقّعه الفريق في النهاية.

شارل لوكلير، فيراري وماكس فيرشتابن، ريد بُل

شارل لوكلير، فيراري وماكس فيرشتابن، ريد بُل

تصوير: صور موتورسبورت

في المقابل اختارت ريد بُل تشغيل سيارتها في حالة انزلاق أكثر بقليل، واستغلّ فيرشتابن وحدة الطاقة ليكون أسرع في الخطوط المستقيمة. ومثلما استعاد بيريز الـ 0.3 ثانية التي خسرها في المقطع الأوّل في التصفيات في طريقه لتحقيق قطب الانطلاق الأوّل، استغلّ فيرشتابن طاقته الإضافيّة ليُقلّص أفضليّة لوكلير على الخطوط المستقيمة في السباق.

تقلّص الفارق من 1.6 ثانية إلى أربعة أعشارٍ من الثانية، لكن حتّى حينها لم يكن فيرشتابن متأكّدًا من التغلّب على لوكلير. كان ذلك نتيجة ما حدث في البحرين قبيل انسحاب سيارتَي ريد بُل بسبب مشكلة فراغ نظام الوقود. إذ بالعودة إلى سباق الصخير فقد درس لوكلير بعناية أين يُمكنه إفساح المجال لفيرشتابن لتجاوزه. اختار التراجع إلى المركز الثاني مباشرة قبل خطّ تدقيق نظام "دي آر اس" على مدار ثلاث لفّات متتالية كي يكسب هو أفضليّة النظام في الخطّ المستقيم التالي ويستعيد صدارته.

نجح ذلك ببراعة قبل سبعة أيّام، ولم يبدُ فيرشتابن ذكيًا في البداية ليتفطّن إلى تكرار لوكلير لذات الخطّة. كسب سائق ريد بُل عامل السحب مع نظام "دي آر اس" في الخطّ المستقيم الخلفي وتقدّم على الصدارة في المنعطف الـ 27 من اللفّة الـ 42. لكنّ سائق فيراري كان سعيدًا بفسح الخطّ الداخلي له وخسارة المركز كونه عبر خطّ تدقيق نظام "دي آر اس" خلفه ما منحه النظام على الخطّ المستقيم الرئيسي ليستعيد الصدارة.

وعاد إثر ذلك لرفع أفضليّته إلى ثانية في المقطع الأوّل. لكنّ الأفضليّة عادت إلى سيارة "آر.بي18" في النصف الثاني من اللفّة.

بحلول تلك المرحلة فقد أدرك فيرشتابن استراتيجيّة لوكلير. وبالرغم من سرعته العالية على الخطّ الداخلي، حاول الهولندي البقاء خلف غريمه في المنعطف الأخير في ظلّ إغلاقه لمكابحه بقوّة. نجحت محاولته وتمتّع بنظام "دي آر اس" على الخطّ المستقيم هذه المرّة.

لكنّ ذلك لم يُجدِ نفعًا، إذ أنّ إغلاقه لمكابحه بتلك القوّة كان يعني تواجده بعيدًا عن لوكلير بالتوجّه إلى المنعطف الأوّل، لذا بقي خلف سيارة فيراري للفّة أخرى. وواصل في الأثناء التذمّر من لمس لوكلير خطّ مدخل خطّ الحظائر، ليُجيبه مهندسه: "اهدأ. دعنا نقوم بعملنا. حافظ على تركيزك".

كانت اللفّة الـ 45 مرآة مثاليّة للمعركة: سجّل لوكلير أسرع مقطعٍ أوّلٍ في السباق، وردّ فيرشتابن بالزمن الأسرع في المقطع الثاني. ومع إكمالهما للفّة، جاء انزلاق لوكلير في المنعطف الـ 27 ليُكلّفه الفوز. كانت إطاراته الخلفيّة ساخنة جدًا بسبب الانزلاق، وهو ما حرمه بناء الفارق في المقطع الأوّل.

ماكس فيرشتابن، ريد بُل ريسينغ وشارل لوكلير، فيراري

ماكس فيرشتابن، ريد بُل ريسينغ وشارل لوكلير، فيراري

تصوير: صور موتورسبورت

ولدى دخوله المنعطف الأخير مجدّدًا فقد أضرّ ذلك بخروجه من المنعطف، ولم يكن نتيجة لذلك قادرًا على صدّ فيرشتابن المستفيد من نظام "دي آر اس" على الخطّ المستقيم الرئيسي بالتوجّه إلى المنعطف الأوّل.

انتزع الهولندي الصدارة في بداية اللفّة الـ 47. لكنّ سائق فيراري كان قادرًا على البقاء على مقربة منه وتمكّن من انتزاع نقطة أسرع لفّة في اللفّة الـ 48.

كان ذلك يعني بقاء فرصة لسائق فيراري مع اقترابه من نهاية اللفّة على بُعد نصف ثانية فقط، لكنّ الأعلام الصفراء خرجت في تلك اللحظة وتواصلت في المنعطف الأوّل نتيجة حادث أليكسندر ألبون ولانس سترول. تبخّرت فرصة استعادته الصدارة وتمكّن فيرشتابن من ضمان الفوز بفارق 0.549 ثانية.

"لم يكن ذلك سهلًا، أعني لعب بعض الخدع في المنعطف الأخير، لكنّني تمكّنت من التجاوز" قال فيرشتابن، وأضاف: "كانت لديّ بعض الفرص الجيّدة، لكنّ شارل كان ذكيًا. لم يكن من السهل عليّ التجاوز. وكان عليّ تحضير نفسي للإقدام على محاولة أخرى".

وأكمل: "حصلت عليها في النهاية وتمكّنت من تجاوزه، لكن حالما أصبحت في الصدارة فقد كانت أمامي أربع لفّات من الضغط بأقصى سرعة للبقاء أمامه لأنّه كان ضمن مجال دي آر اس على الدوام".

في الأثناء كان ساينز قاسيًا على نفسه مجدّدًا في المركز الثالث، قائلًا أنّه شعر بارتياحٍ أكثل على هذه الحلبة بالمقارنة مع العام الماضي. لكنّ وجهة إعدادات اختباريّة يوم الجمعة قرّبته من غريميه الأساسيين.

أمّا بيريز "المتألّم" فقد حلّ رابعًا أمام راسل صاحب السباق "الوحيد".

الفائز ماكس فيرشتابن، ريد بُل

الفائز ماكس فيرشتابن، ريد بُل

تصوير: صور موتورسبورت

لكن بالعودة إلى الصدارة فقد كانت معركة حامية وديّة. تواجد لوكلير بجانب فيرشتابن في لفّة العودة وأشار إليه بيده لتهئته، قبل أن يُهنئه عبر اللاسلكي.

وقال أصيل موناكو: "لقد استمتعت بالسباق. كان تسابقًا محتدمًا مجدّدًا، لكنّه عادل. يجب أن يكون كلّ سباقٍ هكذا".

كانت معركة حماسيّة من دون شكّ، لكنّ شعور لوكلير قد يأتي مع بعض الحذر حيال مناطق نظام "دي آر اس" المتتالية وجعلها التجاوز مسألة شكليّة في العديد من الحالات وليس ذروة معركة حامية. كان عامل المساعد على التجاوز – وليس القوانين التقنيّة لموسم 2022 – هو ما قدّم ذلك العرض الرائع في جدّة.

الفائز ماكس فيرشتابن، ريد بُل وشارل لوكلير، فيراري

الفائز ماكس فيرشتابن، ريد بُل وشارل لوكلير، فيراري

تصوير: صور موتورسبورت

المشاركات
التعليقات
وولف: وتيرة مرسيدس "المؤلمة" عبارة عن درسٍ في التواضع
المقال السابق

وولف: وتيرة مرسيدس "المؤلمة" عبارة عن درسٍ في التواضع

المقال التالي

غاسلي كان "يصرخ من الألم" في اللفات الأخيرة من سباق جدّة

غاسلي كان "يصرخ من الألم" في اللفات الأخيرة من سباق جدّة