الأسرار وراء عودة فيراري المتواصلة إلى الواجهة
كان موسم 2017 متناقضًا بالنسبة لفيراري، لكنّ العلامات التي سهّلت عودتها للحياة مجدّدًا وتقدّمها إلى الواجهة تشير إلى عدم تضييعها لفرصتها للإطاحة بمرسيدس.
من السهل التطرّق إلى الأمور بعد حدوثها وتحديد مكمن الخطأ حينها، إذ لو حافظ سيباستيان فيتيل على برودة أعصابه في أذربيجان وسنغافورة، فضلًا عن استخدام فيراري لشمعة احتراق مختلفة في اليابان لكان بوسعنا الآن الجلوس والحديث عن ظفر فيراري باللقب.
لكنّ رياضة القمّة لا تتمحور حول "ماذا لو"، إلّا أنّ معاناة فيراري في سلسلة السباقات الآسيويّة – حادث فيتيل في سنغافورة، ومشاكل المحرّكات في ماليزيا واليابان – بدّدت ما كانت حتّى ذلك الحين منافسة شرسة في مواجهة مرسيدس.
ومن المنصف القول بأنّ الطريقة الدراماتيكيّة التي سارت وفقها الأمور على نحوٍ خاطئ بالنسبة لفيراري غطّت العديد من الجوانب الإيجابيّة الأخرى في الموسم الذي أعادت فيه الحظيرة الإيطاليّة بناء نفسها تحت قيادة المدير التقني ماتيا بينوتو الذي بدأ بالفعل في تقديم الأداء والنتائج.
قدّمت القلعة الحمراء أسرع وأفضل سياراتها منذ عدّة أعوام، كما ألحقت ذلك ببرنامج تطوير بقي على قدم المساواة مع مرسيدس طوال الموسم. أي أنّ هذا العام مثّل في بعض جوانبه عامًا تفوّقت فيه فيراري على معظم التوقّعات.
وتعود جذور هذا النجاح (والفشل أيضاً) إلى شتاء 2014-2015 عندما وصل ماوريتسيو أريفابيني المدير السابق في شركة مالبورو للتبغ ليستلم دفّة قيادة الفريق مع بداية حقبة جديدة تحت إدارة سيرجيو ماركيوني.
وورثت الإدارة الجديدة فيتيل، ومحرّكًا مُحسّنًا وسيارة أكثر تنافسيّة بعد الحصول على التأثير الكامل للمدير التقني حينها جايمس أليسون إثر نقل تركيزه مبكّرًا إلى سيارة 2015. مثّلت تلك الانتصارات الثلاثة ذلك الموسم منصّة إطلاق لمنافسة على اللقب في 2016. لكنّ المأساة التي أصابت أليسون مباشرة إثر جائزة أستراليا الكبرى الافتتاحيّة عندما توفّيت زوجته أثّرت على الفريق أيضاً.
أدّى غياب أليسون، الذي مثّل دعامة أساسيّة ارتكز عليها الفريق بشكلٍ مكثّف، إلى تأخير فيراري بقرابة أربعة أشهر كونها فشلت في مجاراة وتيرة تطوير مرسيدس السريعة. وفي النهاية أدّى الوضع الشخصي لأليسون إلى جانب اختلاف في وجهات النظر بينه وبين ماركيوني بخصوص الوجهة التقنيّة التي على الفريق سلوكها إلى مغادرته للفريق في يوليو/تموز، الأمر الذي فتح الباب أمام تغييرات كبيرة في الطاقم.
وجاءت الخطوة الأولى في ترقية بينوتو من دوره السابق كرئيسٍ لقسم المحرّكات لجعله المدير التقني للفريق بأكمله. بدت تلك خطوة غريبة من الخارج، إذ بالرغم من الخبرة الواسعة التي تمتّع بها في صفوف الفريق، إلّا أنّه لم يسبق لبينوتو تصميم سيارة سباق.
لكنّ التفكير بتلك الطريقة كان يعني عدم فهم طريقة العمل الجديدة التي تبنّتها الحظيرة الإيطاليّة. لم يكن بينوتو مديرًا تقنيًا بالمفهوم القديم المتمثّل في صانع السيارة. بدلًا من ذلك، كان بينوتو بمثابة مديرٍ خارق. لا يحتاج مديرٌ فنيٌ لفريقٍ بطلٍ في كرة القدم لمعرفة كيفيّة اللعب في حراسة المرمى، أو كيفيّة تمرير الكرة في وسط الملعب أو كيفيّة تسديد ركلة جزاء. لكنّه يحتاج في المقابل لمعرفة أيّ لاعب يقوم بأفضل هذه الأعمال وكيفيّة جعلهم يعملون معًا واستخراج أفضل أدائهم.
وفي النهاية بالنسبة لمهندسٍ موهوب وذكيٍ مثل بينوتو، فإنّ تحديات الإشراف على تصميم أفضل سيارة تتطلّب المهارات والإجراءات ذاتها لتصنيع محرّكٍ عالي المستوى. إذ أنّ القرارات تُتّخذ في نهاية المطاف بناءً على البيانات وردود أفعال المهندسين، وسواءً كانت النماذج تُختبر على جهاز الداينو أو في نفق الهواء، فإنّ الأمر برمّته يتعلّق بالمحاكاة، والتصنيع، والاختبار، والتثبّت والتسابق.
وبعد ترقية بينوتو – وبالنظر إلى التوصيات المباشرة من ماركيوني – تبنّى الفريق مقاربة مختلفة بالكامل لهيكله التقني. إذ بدل الاعتماد على هيكلٍ عمودي يعمل فيه المدير التقني على إدارة رؤساء الأقسام المختلفة، انتقلت فيراري إلى اعتماد هيكلٍ أفقي يملك فيه المهندسون الموهوبون في كلّ جانب رأيًا وتأثيرًا على عمليّات اتّخاذ القرارات.
ساعد ذلك على منح كلّ قسم وحتّى كلّ فرد المزيد من المسؤوليّات بدلًا من الاعتماد على مديرٍ تقنيٍ واحدٍ يتّخذ القرارات النهائيّة. سمحت هذه المقاربة ذاتيّة التحكّم إن صحّ التعبير بتعزيز كلّ قسم ومنحه المزيد من الحريّة للابتكار والحصول على فرصة أفضل لتطوير نفسه عوضًا عن التوقّف في عنق الزجاجة وانتظار الموافقة من رئيس الهيكل بأكمله.
وإلى جانب إصلاح أريفابيني وبينوتو لهذا النظام، تمّ وضع مجموعة من الأهداف الطموحة لسيارة 2017، إذ كان ذلك مختلفًا للغاية عن المقاربة التي تمّ اتّباعها مسبقًا.
إذ في الماضي كان على كلّ قسم التركيز على القيام بأفضل عملٍ ممكنٍ بشكلٍ معزول. يُمكنك تحسين علبة التروس، والهيكل، والجوانب الانسيابيّة وكلّ تلك الأمور، ومن ثمّ تقوم بجمعها في محاولة لإنشاء ما يجب أن تكون سيارة خارقة. إلّا أنّ مقاربة فيراري منذ صيف 2016 – بالرغم من أنّ ذلك كان متأخّرًا قليلًا على صعيد عمليّة تصميم سيارة 2017 بناءً على القوانين الجديدة بالكامل – انتقلت للتفكير بشكلٍ شمولي. كان كلّ قسم يُفكّر في ما يُمكنه القيام به للمساعدة كجزء من الحزمة بأكملها بدلًا من الاقتصار على مكوّنٍ معزول.
وساعد ذلك على خلق مقاربة موحّدة لسيارة "اس.اس70اتش"، حيث فهم كلّ قسم موقعه المناسب في المشروع بأكمله. ولم تقتصر نتائج ذلك على سيارة ذات تأدية عالية فحسب، وإنّما تماشت أيضاً بشكلٍ مثاليٍ مع بيانات أنظمة الموائع الحسابيّة "سي.اف.دي" ونفق الهواء – وهو جانبٌ عانت فيه ريد بُل وفورس إنديا مطلع العام.
مثّل الحصول على قاعدة للانطلاق منها أمرًا أساسيًا بالنسبة لفيراري. بقيت مطابقة البيانات متماشية بين أنظمة المحاكاة وأرض الواقع طوال العام أيضاً، إذ عمل كلّ تحديث جلبته الحظيرة الإيطالية مثلما كان متوقّعًا منه، ما يُثبت بأنّ الهياكل وطرق العمل الجديدة آتت ثمارها بالفعل.
كما أحرزت فيراري تقدّمًا جيّدًا على صعيد المحرّكّ أيضاً. إذ في حين أنّها لم تغلق الفجوة بالكامل بعد مع مرسيدس – خاصة على صعيد الإعدادات "السحريّة" خلال التجارب التأهيليّة – إلّا أنّ الفارق لم يعد كبيرًا بينهما. فضلًا عن ذلك فإنّ الجدل المحيط بمسألة حرق الزيت كوقود والذي تواصل طوال الموسم كان له تأثيرٌ بسيطٌ للغاية، لكن بشكلٍ عام لم يكن له أيّ وقع حدّد نسبة نجاح أو فشل فيراري.
لكنّ ما حدّد معالم البطولة كانا عاملَين مُنفصلين: مشاكل الموثوقيّة في ماليزيا واليابان، وحوادث فيتيل في أذربيجان، وسنغافورة والمكسيك. وفي حين أنّ أنبوب الشاحن التوربيني في ماليزيا وعطل شمعة الاحتراق في اليابان قد تسبّبا في المشاكل، إلّا أنّ وجودهما بالأساس أظهر وجود نقاط ضعفٍ في البنية التحتيّة لفيراري.
وبالرغم من أنّ المكوّنين المُعطّبين كانا من مُزوّدَين خارجيّين، إلّا أنّ الفريق يعلم جيّدًا أنّ من مسؤوليّته التأكّد من أنّ المزوّدين عند قدر المهمّة وأنّ ما يقوم بوضعه على السيارة يكون جيّدًا بما فيه الكفاية.
نعود في نهاية المطاف إلى الحلقة التي يدور فيها كلّ فريق والمتمثّلة في موازنة الأداء في مواجهة الحاجة للموثوقيّة. يتمحور الأمل حول مجابهة الضغط والحفاظ على الصلابة في كلّ جانب. ورُبّما تجاوزت فيراري الحدّ الأقصى من هذه الناحية.
أمّا على صعيد القيادة، فقد كانت العدائيّة المفرطة لفيتيل في أذربيجان وسنغافورة تعني أنّه خسر نظريًا انتصارين من دون داعٍ، وهو ما تبيّن أنّه مُكلفٌ في نهاية المطاف.
لو حقّق فيتيل الفوز في سنغافورة مع اكتفاء هاميلتون بالمركز الرابع لكان ذلك يعني تقلّبًا بفارق 38 نقطة في ترتيب البطولة، ما كان ليُغيّر مجريات العام بأكمله. كما لا يجب نسيان أنّ مشكلة الموثوقيّة في ماليزيا خلال التجارب التأهيليّة كانت تعني خسارة ستّ نقاط فقط لصالح هاميلتون وهو ما لا يُعتبر كارثيًا في حال أخذ ذلك السباق على حدة.
كانت الفوارق متقاربة للغاية بكلّ تأكيد هذا العام. إذ واجه الألماني حظًا عاثرًا نتيجة سيارة الأمان في الصين، كما خسر عند الانطلاقة في سباقَي روسيا والنمسا، إلى جانب استراتيجيّة مرسيدس الذكيّة عبر استخدام فالتيري بوتاس لحجزه في إسبانيا ساعدت كلّها على نقل انتصارات كانت لتكون ربّما من نصيب فيراري لتُقدّم على طبقٍ من ذهب إلى مرسيدس. لكنّ جميع تلك المكوّنات تُعدّ جزءًا من التسابق ولم يكن لفيراري سيطرة مباشرة عليها، أي لا يُمكنها الشعور بالندم حيالها. بل يجب على فيراري التركيز على الجوانب القابعة تحت سيطرتها في حال أرادت إثبات أنّ موسم 2017 لم يكن عابرًا.
عملت فيراري بالفعل على تعزيز إجراءات تفقّد الموثوقيّة. وحتّى قبل مشاكل ماليزيا واليابان، كان الصانع الإيطالي يعي جيّدًا أنّ هذا الجانب يُعدّ أحد نقاط ضعفه، إذ قام بنقل ماريا ميندوزا مهندسة الشركة الأمّ فيات، وهي خبيرة في المعادن والكيماويات، لمساعدة فريق الفورمولا واحد. طفت أخبار تعيينها على السطح بعد مشاكل السباقات الآسيويّة، إلّا أنّ تلك الخطوة كان مخطّطًا لها مسبقًا ولم تكن كردّة فعل.
ومن الواضح أن الألم الذي عانى منه الفريق هذا العام قد ألهمه عزمًا على عدم المرور بتجربة مماثلة في 2018. سيكون طاقم القلعة الحمراء أكثر خبرة بعامٍ إضافي، وتُشير مصادر مطّلعة داخل الفريق إلى أنّه متقدّم بشكلٍ أفضل بكثيرٍ ممّا كان عليه قبل 12 شهرًا. كما يأمل أيضاً أن يكون فيتيل قد تعلّم الدروس من أخطائه.
لكن بالرغم من الإحباط الذي شعر به حيال سباقات أذربيجان، وسنغافورة واليابان، يعي الفريق أنّ بناء سيارة فائزة باللقب ليست عمليّة يُمكن إنجازها بين ليلة وضحاها. إذ حتّى خلال الحقبة الذهبيّة لفيراري مع مايكل شوماخر تحت قيادة جان تود، وروس براون وروري بيرن، فقد عانت تلك التركيبة من بعض الخيبات أيضاً. إذ لا يجب نسيان خسارة اللقب في السباق الأخير في كلٍ من 1997، و1998 و1999.
وبالرغم من التاريخ الزاخر والطويل لفيراري في الفورمولا واحد، إلّا أنّها تتوجّه إلى الفترة الشتويّة بفريق شاب مستخدمة هيكلًا جديدًا. ومقابل جميع المكاسب التي يُوفّرها ذلك الطاقم الشاب في ظلّ ضغطه لتقديم تصميم مبتكرٍ ورائع في 2017، إلّا أنّه كان هناك ثمنٌ تعيّن عليه دفعه نتيجة افتقاره للخبرة.
ما تحتاجه فيراري الآن ببساطة أكثر من أيّ شيء هو الصبر. المزيد من الصبر على الحلبة من قبل السائق الأساسي خلف المقود، والمزيد من الصبر في الإجراءات والهياكل المتواجدة بالفعل، وذلك من أجل جني الثمار وتقديم النتائج التي يقدر الفريق على تقديمها.
قم بالاشتراك والوصول إلى Motorsport.com باستخدام أداة حظر الإعلانات الخاصة بك.
من الفورمولا 1 إلى موتو جي بي، نقدم تقاريرنا مباشرة من حلبة السباق لأننا نحب رياضتنا، مثلك تمامًا. وللاستمرار في تقديم صحافتنا المتخصصة، يستخدم موقعنا الإعلانات. ومع ذلك، نريد أن نمنحك الفرصة للاستمتاع بموقع ويب خالٍ من الإعلانات وخالٍ من أدوات التتبع ومواصلة استخدام أداة حظر الإعلانات.





أبرز التعليقات