مدوّنة جايمس ألين: استراتيجيّة السباق في مونزا

لا يُعدّ سباق جائزة إيطاليا الكبرى الأكثر إثارة مُطلقًا في موسم الفورمولا واحد من ناحية الاستراتيجيات، وذلك لكونه سباق التوقّف الواحد. لكن على صعيد المعركة بين مرسيدس وفيراري، فقد كان سباقًا رائعًا.

كان واضحًا منذ تجارب الجمعة أنّ مرسيدس حظيت بأسرع حزمة في مونزا، الأمر الذي كان متوقّعًا. بيد أنّ فيراري لم تتمكّن من الحصول على الإعدادات المثالية للسيارة خلال التجارب الحرّة ولم يكن بمقدورها تخطّي ذلك يوم السبت بسبب الأمطار الغزيرة.

وبعد أدائها الضعيف خلال التجارب  التأهيليّة الماطرة، وجدت فيراري نفسها ليس فقط خلف مرسيدس على شبكة الانطلاق، لكن خلف سيارتين من فريقي ويليامز وفورس إنديا اللذين يتزوّدان بمحرّكات الصانع الألمانيّ.

إذ سنقوم هنا بتحليل ما حدث بعد ذلك، الأداء غير المستقر لفيراري وكيف قد تكون الاستراتيجيّة وراء ذلك في مونزا متعلّقة بنفس القدر بالسباق التالي في سنغافورة.

كما سنلقي نظرة كذلك على كيفية اعتماد دانيال ريكاردو وفريقه ريد بُل لاستراتيجيّة معاكسة من خلال العودة إلى ما قام سيرجيو بيريز بفعله على الحلبة الإيطاليّة سابقًا، ليُحرز في نهاية المطاف نتيجة رائعة بحلول الأسترالي رابعًا، متفوّقًا على سائق فيراري كيمي رايكونن.

لكنّ المُثير للفضول أنّ بيريز لم يقُم بما اعتدناه منه في هذه المناسبة. 

فالتيري بوتاس، مرسيدس وكيمي رايكونن، فيراري
فالتيري بوتاس، مرسيدس وكيمي رايكونن، فيراري

تصوير: ستيفن تي / صور لات

توقّعات ما قبل السباق

عادة ما كانت مونزا تُمثّل سباق التوقّف الواحد، حيث أنّ السرعة النسبيّة للسيارات على الحلبة والتي تصل إلى 360 كلم/س مقارنة بأولئك الذي يتحرّكون في خطّ الحظائر بسرعة 80 كلم/س، تجعل من غير المُحبّذ إجراء مزيدٍ من التوقّفات.

هذا وقد جلبت بيريللي مُجددًا هذا العام الإطارات بالغة اللّيونة "سوبر سوفت" بالإضافة إلى الإطارات اللّينة "سوفت" والإطارات المتوسطة "ميديوم". إذ أنّه وفي كثيرٍ من الأحيان هذا الموسم مع تلك التركيبات الأقسى، استعانت الفرق فقط بالتركيبتين الألين خلال السباق.

إذ أنّ كلتيهما كانتا جيّدتين لـ30 لفّة في السباق، حيث لم يكن هنالك فارق كبير في السرعة بين الـ"سوبر سوفت" والـ"سوفت". كما كانت لفّات التوقّف واضحة بشكل كبير بالرُغم من أنّ معدّل تآكل الإطارات كان أقلّ في يوم السباق من تجارب الجمعة، كما هو متوقّع، لذا كان هنالك مجالٌ لاستغلاله.

فيما كان السباق نفسه غير اعتياديّ على العديد من الأصعدة؛ فالأمطار الغزيرة في التجارب التأهيليّة منحت الفرق فرصة الاختيار الحرّ للإطارات التي ستبدأ عليها السباق، عوضًا عن القيود المعتادة على أصحاب المراكز العشرة الأولى باستخدام مجموعة إطاراتهم من التجارب التأهيليّة. وقد آثرت معظم الفرق اعتماد إطارات الـ"سوبر سوفت"، من أجل الحصول على تماسكٍ أفضل. فيما لم يشهد السباق رفع أيّ علمٍ أصفر، الأمر الذي نادرًا للغاية ما يحدث.

تواجد سائقا مرسيدس ضمن الأربعة الأوائل على شبكة انطلاق سباق مونزا يفصلهما كلٌّ من سائق ويليامز لانس سترول وسائق فورس إنديا إستيبان أوكون. في حين اصطفّ ثنائي فيراري في المركزين الخامس (رايكونن) والسادس (فيتيل).

أمّا ثنائي ريد بُل فقد تواجدا في مؤخّرة شبكة الانطلاق، بعد عقوبات المحرّك التي حصلا عليها، حيث آثرا الانطلاق على إطارات الـ"سوفت"، إذ كانت المراحل المبكرة من السباق – عندما كانا محجوزَين من قِبَل السيارات الأبطأ – هي أفضل وقتٍ للاستعانة بالإطارات الأبطأ، ثمّ الاستفادة من التركيبات الأسرع لاحقًا.

في حال قمت بذلك، فإنّ القاعدة الأهم هي ألّا تتعرّض للاصطدام، الأمر الذي يتطلّب توقّفًا مبكرًا كون إطارات الـ"سوبر سوفت" لن تصمد حتّى خطّ النهاية وسيتعيّن عليك التوقّف مُجددًا (فكما تقول القاعدة: خلال سباقٍ جاف يتعيّن استخدام تركيبتين من الإطارات).

وهذا ما حدث لفيرشتابن بعد احتكاكه مع ماسا، الأمر الذي أفسد سباقه.

فيما اعتمد كلٌّ من فرناندو ألونسو ورومان غروجان – واللذَين انطلقا من مؤخّرة الترتيب كذلك – ذات الاستراتيجيّة المضادة كما فعلت ريد بُل. بيد أنّ ذلك كان غير اعتياديٍ بالنسبة للإسبانيّ الذي يُحبّذ بدء السباق على ذات تركيبة الإطارات التي يعتمدها سائقو الصدارة، على الرُغم من مركزه المتأخّر على شبكة الانطلاق.

دانيال ريكاردو، ريد بُل ريسينغ
دانيال ريكاردو، ريد بُل ريسينغ

تصوير: تشارلز كواتس / صور لات

ريكاردو – من المركز الـ 16 إلى الرابع وأمام رايكونن

أحد أبرز السائقين خلال السباق كان دانيال ريكاردو الذي أكمل السباق على بُعد أربع ثوانٍ من منصّة التتويج بعد انطلاقه من الخانة الـ 16 نتيجة عقوبة تغيير محرّكه. استخدم الأسترالي الاستراتيجيّة المعاكسة التي اتّبعها في 2015 عندما انطلق من المركز الـ 15 وعبر خطّ النهاية ثامنًا والتي اعتمدها سيرجيو بيريز بدوره مع فريق ساوبر في 2012 عندما تقدّم من المركز الـ 12 إلى الثاني.

وتتمحور تلك الفكرة حول بدء السباق على الإطار الأكثر قساوة والبقاء على الحلبة لفترة أولى طويلة قبل الهجوم على متن الإطار الألين في النهاية. تعمل هذه الاستراتيجيّة بشكلٍ جيّد في مونزا بالنظر إلى إمكانيّة التجاوز عليها.

وكان هدف ريكاردو متمثّلًا في سائقَي فيراري. بدت ريد بُل مُتمتّعة بوتيرة مماثلة لفيراري أثناء محاكاة السباق في تجارب الجمعة. لكن كانت أمامه العديد من السيارات لتجاوزها إلى جانب خسارته للكثير من الوقت بالمقارنة مع فيراري، ما لم يتمّ تعطيل السيارتَين الحمروَين من قبل أوكون وسترول.

وفي حين أنّ فيتيل تمكّن من ذلك، إلّا أنّ رايكونن عانى لإتمام تلك المهمّة.

ويخوض فريقا فورس إنديا وويليامز معركة في ما بينهما على المركز الرابع في ترتيب بطولة الصانعين، ما يعني أنّ كلًا منهما كان يركّز على الخيارات الاستراتيجيّة للآخر خلال السباق. عندما تجاوز أوكون منافسه سترول عند الانطلاقة، بقي الكندي مباشرة خلفه بينما كان رايكونن يُلاحقهما.

لكن ما يجب القيام به في حالة فيراري كان السماح لكلٍ من السائقَين أمامه بإجراء توقّفيهما، لتستخدم بذلك وتيرتها الأقوى لبناء الفارق والتوقّف بعد ذلك.

لكنّ ذلك لم يحدث كون رايكونن توجّه إلى خطّ الحظائر في اللفّة الـ 15 للحصول على إطارات جديدة. لكنّ المشكلة في تلك الخطوة تمثّلت في عمل استراتيجيّة التوقّف أبكر إلّا في حال كانت الإطارات الجديدة التي ستحصل عليها ستكون أسرع بكثير من إطارات السيارة التي لا تزال على المسار. لكن بالنظر إلى ضعف تآكل الإطارات وبالنظر إلى أنّ السباق كان لا يزال في لفّته الـ 14 فإنّ تلك الشروط لم تكن متوافرة.

تمكّن رايكونن من تجاوز سترول كون توقّف الأخير كان بطيئًا، لكنّ أوكون لم يواجه أيّ صعوبة في البقاء أمام رايكونن بعد توقّفه.

ولعبت كلّ هذه الأحداث في صالح ريكاردو، إذ أكمل فترة أولى طويلة وتمكّن بعد ذلك من تجاوز رايكونن عندما كان أداء إطارات "سوبر سوفت" الجديدة أسرع بكثيرٍ من أداء إطارات "سوفت" المستهلكة على سيارة رايكونن.

كما كان الأسترالي يتّجه للحاق بفيتيل لمنافسته على آخر مراكز منصّة التتويج، لكنّ سائق فيراري حافظ على مركزه الثالث.

 

إستيبان أوكون، فورس إنديا ولانس سترول، ويليامز
إستيبان أوكون، فورس إنديا ولانس سترول، ويليامز

تصوير: تشارلز كواتس / صور لات

فورس إنديا وويليامز متقدّمتان أكثر من المعتاد عن بقيّة خطّ الوسط

بالانتقال إلى منافسات خطّ الوسط فإنّ الرسم البياني لتفاصيل السباق (في الأسفل) يكشف العديد من الأمور: تمتّعت سيارات فورس إنديا وويليامز بأفضليّة أداء كبيرة بالمقارنة مع بقيّة فرق الوسط أكثر من حلبة كندا المنخفضة الارتكازيّة أيضاً، فما هو سبب ذلك؟

إحدى النظريات تتمثّل في طريقة تشغيل مرسيدس لمحرّكاتها على سيارتَي أوكون وسترول يوم السبت (إلى جانب سيارتَي الفريق الأساسي).

إذ بعد أن وجدت أنّ سترول وأوكون سيُشكّلان حاجزًا بينها وبين فيراري، لم تكن هناك مجرّد فرصة للحصول على أقصى قدر نقاطٍ بالمقارنة مع فيراري فحسب، بل مثّلت تلك فرصة لإحراج العلامة الإيطاليّة على أرضها وهو ما ستكون له عواقب بشكلٍ حتمي.

وتملك هذه المحرّكات الهجينة في الفورمولا واحد العديد من أوضاع الطاقة التي يُمكن تشغيلها وفقًا لها وهي متعلّقة بالـ "ضرر" الذي سيسمح به المزوّد للسائقين بإلحاقه بالمحرّك عبر استخدامه عند مستوى طاقة أعلى. عادة ما تستخدم أقصى طاقة للمحرّك عند انطلاقة السباق أو بعد فترة سيارة الأمان لكنّك تقوم بعد ذلك بتخفيض طاقته من أجل تقليل الضرر الذي سيلحق به أي زيادة موثوقيّته وعمره.

وعادة ما تكون سيارتا فورس إنديا وويليامز قويّتين على صعيد السرعة القصوى على الخطوط المستقيمة. لكنّ تحليل البيانات عند نهاية الخطّ المستقيم لحلبة مونزا يوم الأحد أشار إلى أنّ مرسيدس سمحت لهاميلتون وبوتاس، إلى جانب أوكون وسترول بإلحاق ضررٍ أكثر من المعتاد على المحرّكات في هذا السباق على وجه الخصوص.

 

لويس هاميلتون، مرسيدس
لويس هاميلتون، مرسيدس

تصوير: صور سام بلوكسهام / لات

على سبيل المثال أظهر مؤشّر السرعة عند المنعطف الأوّل أنّ السيارات المزوّدة بمحرّكات مرسيدس كانت تسجّل سرعات بين 328 و330 كلم/س من دون عامل السحب (إذ بالاستفادة من ذلك بلغت السرعات 350 كلم/س). وبشكلٍ مثيرٍ للاهتمام لم تكن هناك فوارق بين سيارتَي مرسيدس المستخدمتان للمحرّك الرابع والفرق الزبونة المستخدمة للمحرّك الثالث. وتواصل ذلك لمعظم فترات السباق.

في المقابل كانت سيارتا فيراري تُسجّلان سرعات بين 316 و318 كلم/س بشكل ثابت، أي أنّ هناك فارق 10 كلم/س في كلّ لفّة على الخطّ المستقيم.

وأكمل فيتيل السباق بفارق 36 ثانية عن هاميلتون بعد 53 لفّة، بينما أفسد زبائن مرسيدس يوم رايكونن. بل إن هاميلتون قال على منصّة التتويج: "طاقة مرسيدس أفضل من طاقة فيراري".

بعد ذلك وصف سيرجيو ماركيوني رئيس فيراري النتيجة بـ "المخجلة".

تسهل قراءة السباق بطريقة علمت فيها مرسيدس بأنّها ستفوز في مونزا في جميع الأحوال، لكنّ السباق قدّم فرصة لإيلام فيراري على أرضها في وقتٍ كانت فيه الحظيرة الإيطاليّة على الحافة دائمًا. ومن خلال استغلال كامل مكتسباتها لمحاولة التأثير على فيراري، رُبّما سينتج عن ذلك تأثيرٌ على تحضيراتها للسباق المقبل في سنغافورة وهو الذي من المتوقّع أن تفوز به فيراري..

بالعودة إلى مارانيللو، يجب أن تتحلّى فيراري بالقوّة من أجل نسيان هزيمة مونزا والعودة بقوّة في سنغافورة. كان فيتيل محقًا بعد السباق بالتركيز على الجوانب الإيجابيّة عوضًا عن الشعور بالحزن حيال السلبيّات مثلما فعل رئيس العلامة الإيطاليّة.

علِم فيتيل أنّ مونزا لم تكن لتكون عطلة نهاية أسبوع فيراري حتّى قبل وصوله إلى البادوك يوم الخميس، لكنّه لم يرد أن يفقد الفريق تركيزه قبل سباقٍ يعلم أنّ عليه الفوز به، وهو سباق سنغافورة.

 

الفائز بالسباق لويس هاميلتون، مرسيدس، المركز الثاني فالتيري بوتاس، مرسيدس
الفائز بالسباق لويس هاميلتون، مرسيدس، المركز الثاني فالتيري بوتاس، مرسيدس

تصوير: تشارلز كواتس / صور لات

قام جايمس ألين بكتابة تقرير استراتيجيّة السباق برعاية "يو بي اس" وذلك بالاعتماد على البيانات من العديد من مهندسي الاستراتيجيّة في كبار فرق الفورمولا واحد وبيريللي.

الرسم البياني للسباق مزوّد قبل فريق ويليامز.

يُظهر الرسم الفوارق بالثواني بين السيارات ما يعني فوارق الأداء. يُشير المنحى المرتفع إلى وتيرة جيّدة نسبيًا، لكنّ المنحى المنخفض يُشير إلى العكس. أمّا الانخفاض الحاد فيشير إلى إجراء توقّف صيانة.

بإمكانكم ملاحظة أداء أوكون وسترول في الفترة الأولى بالمقارنة مع بقيّة فرق الوسط (مثل تورو روسو ورينو) التي عادة ما يكونون متعادلين مها. الفارق أكبر بكثير من المعتاد. يعود ذلك جزئيًا إلى الوضع غير الاعتيادي باستخدام محرّكات مرسيدس عند مستوى طاقة مرتفع.

وبوسعكم أيضاً ملاحظة الفارق بين لفّة توقّف رايكونن (15) ولفّة توقّف فيتيل (31)، إذ كان بوسع رايكونن الانتظار حتّى محاولة سترول التوقّف قبل أوكون من أجل تجاوز الأخير ليبقى الفنلندي على الحلبة حتّى يبتعد عنهما بالقدر الكافي ويجري توقّفه بعد ذلك.

كما أنّ الرسم يُظهر أيضاً تقدّم ريكاردو حالما حصل على مساحة خالية أمامه. لم يشعر الأسترالي بالذعر عندما ارتفعت حرارة إطاراته بسبب الزحام لكنّه تمكّن من التجاوز وحصل على النتيجة في نهاية السباق بحلوله رابعًا.

 

مدوّنة جايمس ألين، تفاصيل السباق
مدوّنة جايمس ألين، تفاصيل السباق

تصوير: جايمس ألين

 

 

مدوّنة جايمس ألين، استراتيجيّة الإطارات
مدوّنة جايمس ألين، استراتيجيّة الإطارات

تصوير: جايمس ألين

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة إيطاليا الكبرى
حلبة مونزا
نوع المقالة مقالة خاصة