عندما كانت التجارب العنوان الأبرز للفورمولا واحد

لم يتردد فريق مرسيدس خلال التجارب الشتوية لهذا العام بتحويل هذه الحصص إلى تجارب تحمل قياسية في عهد المحركات الهجينة بقيادة لويس هاميلتون ونيكو روزبرغ.

أسالت هذه الخطوة -عن استحقاق - الكثير من الحبر حول الأداء الرائع الذي قدمه الفريق في تلك المرحلة المبكرة من الموسم، وكذلك - بطريقة ساخرة - حول التحدي الجسدي "الجبار" الذي جابهه كلا السائقين اللذين كانا قد عادا منذ فترة وجيزة إلى حلبات السباق بعد عطلة مستحقة.

قضت التغييرات الجذرية التي قامت بها الهيئة الحاكمة في الفورمولا واحد على هذا الجانب من الرياضة بعد أن صوّتت أغلب الفرق على قوانين تقضي بتقليص النفقات.

وحتى وقت ليس بالبعيد، كانت التجارب الخاصة بالفرق تدور على مدار السنة أي خلال الفترة الفاصلة بين موسمين أو سباقين متتاليين ما انعكس إيجابياً على أداء ومردود الفرق على مسار الحلبة.

بالإضافة إلى ذلك كانت مصانع الفرق وأجهزة المحاكاة ونفق الهواء تعمل على مدار الساعة لتزويد الفرق بالقطع الجديدة كي تتم تجربتها على الحلبة.

عهد السائقين الخارقين

بالرغم من تواجد سائقي تجارب محترفين إلى جانبهم، يقضي السائقون الأساسيون مئات من ساعات التجارب على متن سياراتهم التي كانت تتطلب قوة بدنية أكبر من السيارات الحالية.

وكان السائقون يتدربون على مدار الساعة لضمان جاهزيتهم البدنية للاستجابة إلى متطلبات هذه الرياضة.

لم تكن التجارب لتتوقف إلا عند وجود استحالة زمنية أو عند وجود مانع قاهر لدى أعضاء الفريق إلى درجة أن الفرق الكبرى كانت تستعين بطاقمٍ ثانويٍ كان يضم حوالي 50 عضواً لتجنب الإرهاق.

مايكل شوماخر
مايكل شوماخر على حلبة فيورانو الخاصة بفيراري

تصوير: مركز فيراري الإعلامي

يسافر السائقون الحاليون كثيراً ويقطعون مسافات كبيرة على مدار السنة، كما يتوجب عليهم إجراء العديد من اللقاءات الصحفية وتحمّل الضغط المسلط على كاهلهم، وأن يكونوا جاهزين ضمن مصانع فرقهم لتمضية ساعات على أجهزة المحاكاة.

كما يشاركون في أحداث ترويجية لصالح العلامات الراعية للفريق في جميع أرجاء العالم.

لكن تدريبهم الأساسي يكون من الناحية الذهنية ومن خلال التحفيز النفسي، التركيز على استرجاع القوى بعد كل سباق والتحكم في نمط حياتهم وتحمل إرهاق السفر كما يستوجب عليهم السهر على متابعة نمط تغذيتهم ومراقبة أوزانهم وتخفيضها إلى أقصى حد.

في المقابل كان سائقو الحقبة الماضية يتواجدون وراء عجلة قيادة سياراتهم على مدار اليوم ليقطعوا آلاف الكيلومترات أثناء الفترة الفاصلة بين سباقين متتاليين لتضمين تطورات جديدة في السيارة ولفهم تعامل السيارة مع الإطارات، أو بكل بساطة لجمع البيانات من على أرض الحلبة.

وكان يصعب تقبل رفض السائقين التواجد أثناء فترة التجارب أو إظهارهم لمواقف تدعو للاعتقاد بأنهم يفضلون الاسترخاء والترفيه على النفس بدل القيادة، إن لم نقل أن ذلك قد يتسبب في الاستبعاد من الفريق.

كما أن الجاهزية البدنية لتحمل القوة الهائلة لسيارات الفورمولا واحد كانت تحتل مكانةً كبيرة في ذلك الوقت. بناءً على كل هذا، وجب تقديم تحفظات حول وصف ما فعله ثنائي مرسيدس "بالإنجاز".

فرناندو ألونسو
فرناندو ألونسو خلال التجارب التي سبقت موسم 2007

تصوير: اكس بي بي

ذكريات الزمن الماضي تسيء للسائقين الحاليين

نتفهّم إذاً أن يتعجب بعض المشجعين كيف أصبحت رياضتنا سهلة المنال ومفتوحةً أمام سائقين ناشئين يتمتعون بمهارات عالية مثل سيباستيان فيتيل وماكس فيرشتابن.

لقد أصبحت رياضة الفورمولا واحد أقل تطلباً من الناحية البدنية ولا تفرّق بين السائق والرياضي العادي كما كانت في السابق.

كما أن الانطباع العام اليوم هو أن السائقين الجدد القادمين إلى عالم الفورمولا واحد لا يتمتعون بنفس المهارات التي كان يمتلكها من سبقهم في فترة ما، وذلك لأنهم لم يقوموا بقطع آلاف الكيلومترات التي تحدثنا عنها سابقاً والتي يفرضها قانون الرياضة.

كما أن السائقين الحاليين يتمتعون بمساندة كبيرة من مهندسيهم وبالرغم من أن اليقظة الذهنية التي تتطلبها السيارات لم تتغير على مر السنين، إلا أن التحدي البدني الذي يواجهه السائقون تغيّر كثيراً.

وعلى الرغم من كل ما ذُكر سابقاً، يجب الاعتراف أن السائقين الحاليين جاهزون أكثر من أي جيل آخر من الذين سبقوهم إذ تمكنوا من التأقلم مع الفترة الحالية التي تمر بها الرياضة والاحتياجات الحديثة للفرق تماماً كما كان الأمر بالنسبة "للمحاربين القدماء" مقارنةً بالحقبة التي تسابقوا خلالها.

على كل حال، لن يُمانع أبناء الـ 18 ربيعاً في رفع الوزن الأدنى للسائق بعشرة كيلوغرامات وإفساح المجال أمامهم لإجراء التجارب على مدار السنة.

جهاز مُحاكاة فريق ريد بُل
جهاز مُحاكاة فريق ريد بُل

تصوير: محتوى ريد بُل

لنتفق أن السائقين كانوا في السابق ماكينات فائقة القوة، رياضيون من الطراز الرفيع يتمتعون بقدرات ذهنية وبدنية تفوق أي متسابقين في أية رياضة أخرى.

كما كانوا عبارة عن أجهزة قياس متنقلة (تيليميتري) حيث أنهم تعودوا على تقديم آرائهم بشكل متواصل حول كل ما يفعلونه خلافاً لما يقوم به السائقون الحاليون الذين يقومون بذلك بسهولة نسبية من خلال ما توفّره أنظمة المحاكاة وديناميكا الموائع الحسابيّة.

كان على سائقي الجيل السابق حفظ وتجميع كلّ بيانات السيارة ثم استرجاعها فيما بعد، في حين يقوم السائقون الحاليون بتحليلها واستغلالها فقط بناءً على تجربة متواضعة ووقت قصير على مسار الحلبة بين مجموعتين، إذ قد يُكلف خسارة نصف ثانية فقدان ثمانية مراكز في ترتيب الأزمنة.

سائقو التجارب الكبار لم يكونوا جيّدين في السباقات، والعكس صحيح

لا يعتمد مديرو الفرق والمهندسون عند اختيار السائقين المناسبين لفرقهم على إمكانياتهم في السباق وحسب وإنما ينظرون كذلك إلى قدرة السائق على تحفيز طاقم الفريق وتواجده معهم خارج الجوائز الكبرى.

ولذلك كان من المهم بالنسبة لجميع الفرق أن تملك سائق تجارب أو أكثر مع عقود طويلة المدى حتى لا ترى أسرارها مُحلقة لتحل عند الفرق المنافسة. وظهر على الساحة العديد من سائقي التجارب والذين اختصوا في هذا المجال مثل لوكا بادور، بيدرو دي لا روسا، غاري بافيت، أليكس فورتز ومارك جينيه وغيرهم الكثير.

ومن جهة أخرى برز العديد من السائقين "المبتدئين" في الفورمولا واحد مثل فرناندو ألونسو، يارنو ترولي ومارك ويبر، الذين كانوا يملكون في جعبتهم ما يعادل موسماً كاملاً من التسابق قبل حتى أن يخوضوا سباقهم الرسمي الأول على حلبة ملبورن.

وسنعود في مقال لاحق إلى مدى تأثير مايكل شوماخر بالذات من خلال تدريبه البدني الذي كان يعتمد على قوة التحمل أكثر من أي سائق آخر.

بالرغم من أنه كان اختياراً شخصياً من طرف الألماني إلا أنه استغل كذلك الإمكانيات العملاقة التي تمتلكها الحظيرة الحمراء والتي كانت لديها حلبتان لإجراء التجارب.

لوكا بادور مع فريق فيراري
لوكا بادور مع فريق فيراري

تصوير: مركز فيراري الإعلامي

لا يختلف اثنان أن آراء السائق التقنية ودوره في ضبط السيارة تحتل أهمية كبرى أكثر من أي وقت مضى.

إذ أنه يتوجب عليه الآن أن يفهم طبيعة المسار وأن يرسم منهجية الفريق خلال نهاية الأسبوع والذهاب بها نحو التجارب التأهيلية بعد بضع عشرات من الكيلومترات خلال التجارب الحرة.

لكن يجب القول أن مستوى الخبرة وقدرة السائقين على تحليل الوضعيات لحظة بلحظة قد تراجع كثيراً خلال الأعوام الأخيرة وذلك للأهمية الكبيرة التي أصبحت تتمتع بها الأنظمة المعلوماتية في رياضتنا اليوم.

ولذلك مثّل ذلك العهد الفترة الذهبية لسائقي التجارب حتى أن تسميات السائق المصاحب للثنائي الأساسي قد تغيرت منذ عدة أعوام، لتصبح سائق تطوير بل حتى سائق محاكاة، سائق احتياطي أو سائق ثالث (على أساس أن يحلّ مكان سائق أساسي) وأخيراً سائق سفير ( قادرٌ أن يكون جيد الهندام في الأحداث التسويقية)!

هل ستعود رياضة الفورمولا واحد يوماً إلى تلك الشاكلة غير المعقدة التي كانت تصقل أجسام من يجلس في حجرات قيادة سياراتها؟ هل يستوجب أن تكون كذلك؟ تختلف الآراء حول ذلك على أية حال لكن ما يجب الاتفاق حوله هو ضرورة التعامل بموضوعية مع الجيل الحالي من السائقين ومحاسبتهم بما تتطلبه الفورمولا واحد الحديثة وحسب.

كارمن جوردا، سائق اختبار  فريق لوتس  إف 1
كارمن جوردا، سائقة اختبار فريق لوتس إف 1

تصوير: فريق لوتس إف1

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
نوع المقالة مقالة خاصة