تحليل: نظرة ليبرتي لمستقبل بثّ سباقات الفورمولا واحد

وصلت ليبرتي ميديا إلى الفورمولا واحد واعدةً بتغيير معظم الجوانب الرئيسيّة للرياضة التي يُمثّل البثّ أحدها. يُسلّط موقعنا "موتورسبورت.كوم" الضوء على الخطط المنتظرة لمستقبل بثّ سباقات الفئة الملكة.

منذ استحواذها على بطولة العالم للفورمولا واحد، بدأت شركة ليبرتي بإجراء بعض التعديلات البسيطة التي لاقت استحسانًا كبيرًا خلال الجوائز الكبرى لهذا الموسم.

بدءًا من جائزة إسبانيا الكبرى، تمّ نقل مقابلات ما بعد التجارب التأهيليّة للسائقين الثلاثة الأوائل إلى شبكة الانطلاق، إلى جانب تسهيل جلب الفرق لضيوفها إلى البادوك. ما ترك جوًا من التفاؤل حيال مستقبل الرياضة.

لكن كما يُواصل طاقم ليبرتي إخبارنا: فإنّ الاستراتيجيّة لا تتعلّق بالسباق المقبل أو حتّى بقيّة موسم 2017، بل بالوجهة التي ستتّبعها الرياضة لثلاثة أو أربعة أعوام مقبلة عند اعتماد قوانين المحرّكات الجديدة وتوقيع الاتّفاقات التجاريّة الجديدة مع الفرق.

وخلال تلك الفترة سيُواجه القائمون الجدد على البطولة بعض التحديّات الكبيرة ضمن سعيهم وراء أهدافهم متعدّدة الجبهات، بالتوازي مع العمل على تجاوز الاتّفاقات المعقّدة التي أتمّها سلفهم بيرني إكليستون.

ومن بين الأهداف الأساسيّة لليبرتي، هناك العمل على تغيير طريقة توزيع العائدات بين الفرق، ورفع العائدات من الحلبات الحاليّة والأخرى الجديدة، وزيادة عدّة رعاة وشركاء رسميّين للبطولة. لكن، سيتعيّن على ليبرتي أيضًا التعامل مع مستقبل بثّ سباقات الفورمولا واحد لمشجّعيها حول العالم.

مجاني، مدفوع، رقمي

كيمي رايكونن، فيراري وسيباستيان فيتيل، فيراري وفالتيري بوتاس، مرسيدس
كيمي رايكونن، فيراري وسيباستيان فيتيل، فيراري وفالتيري بوتاس، مرسيدس

تصوير: أندرو هون / صور لات

كلّما زادت العائدات التي تتحصّل عليها البطولة من شركات البثّ التلفزيوني، كلّما زاد تدفّق الأموال إلى خزائن الفرق. كلّما زاد عدد متابعي السباقات كلّما أصبحت الفورمولا واحد جذّابة أكثر للرعاة.

نتيجة لذلك فإنّ كيفيّة مشاهدة المشجّعين للسباقات ستمثّل أحد مفاتيح مستقبل الرياضة، إذ أنّ الكلمة التي يتمّ تداولها بشكلٍ متواصل الآن هي "الرقمي".

يتمّ استخدام العبارة السحريّة في أيّ حوار حول مستقبل الفورمولا واحد وهي عبارة: "المحتوى الرقمي" (أو تي تي). وتتمحور هذه الفكرة بالأساس حول بلوغ هاتف المستهلك، وحاسوبه اللوحي، وحاسوبه المحمول أو تلفازه عبر شبكة الإنترنت عوضًا عن الأقمار الاصطناعيّة التقليديّة أو خدمات البثّ السلكي. لنفكّر مثلًا في خدمات مشابهة لتلك التي تُقدّمها نتفليكس، وأمازون وغيرهما.

يُخطّط كاري لإنشاء حزمة ممتازة تسمح للمشجّعين حول العالم بمتابعة الرياضة بهذه الطريقة. لن تكون الطريقة الوحيدة بطبيعة الحال، إذ سيتمّ الإبقاء على الصيغتين المجانيّة والمدفوعة على التلفاز، لكنّ نظام ذلك سيعتمد على مكان إقامتك.

وشرح كاري ذلك مؤخّرًا بالقول: "سيختلف الأمر من سوقٍ إلى آخر، من الواضح أنّه لن يكون هناك قياسٌ واحد يتناسب مع الجميع. لم نكن لاعبين ضمن سوق المنصّات الرقميّة من قبل، أي سواءً كان البثّ مجانيًا أو مدفوعًا أو رقميًا فإنّنا نريد ضمان عملنا على جميع الأصعدة".

وتابع: "لا شكّ في أنّ الانتقال من البثّ المجاني إلى المدفوع في بعض الأماكن قد أثّر على أرقام المشاهدة. تمرّ جميع الرياضات تقريبًا حول العالم الآن بفترة انتقالٍ من البثّ المجاني إلى المدفوع – هناك انتقال إلى صيغة الدفع".

وأردف: "علينا التأكّد من أنّ ذلك الانتقال أكثر من مجرّد التدرّج من المجاني إلى المدفوع، فالمسألة رقميّة – أي كيف تصل وتجذب المشجّعين عبر مجال بثٍ واسعٍ من المجاني-المدفوع-الرقمي، بما في ذلك «أو تي تي»، وهي فرصة مهمّة للغاية".

لا يجب على الفورمولا التغافل عن حقيقة الحفاظ على العدد الإجمالي للمشاهدين عند أعلى مستوى ممكن. إذ في المملكة المتّحدة على سبيل المثال كان للانتقال من نقل جميع السباقات بشكلٍ مباشرٍ على هيئة الإذاعة البريطانيّة "بي بي سي" إلى نقل نصف عدد السباقات فقط على القناة الرابعة تأثيرٌ كبير على أرقام المشاهدة التلفزيونيّة – وذلك ما سيُلاحظه الرعاة بطبيعة الحال بالنظر إلى رغبتهم في الحصول على أقصى مستويات المشاهدات.

"سنتّبع مقاربة تحليليّة أكثر حيال محاولة تقييم التوازن بين مستويات المشاهدة والعائدات" قال كاري، وأضاف: "أعتقد أنّه بشكلٍ عام تتوقّع دائمًا أن تتجه نحو المنصّات المدفوعة مع مرور الوقت، لكنّنا نريد التأكّد من حفاظنا على مستويات المشاهدة".

ثمّ تابع: "من الواضح أنّ الوسائل الرقميّة ستساعد في الحفاظ على جزء من مستويات المشاهدة تلك للدرجة التي يُمكننا من خلالها إيجاد الاتّفاقات المناسبة لإضافة بعض البثّ المجاني المباشر. من الواضح أنّنا نقدّر ذلك".

وأردف: "لكنّ هدفنا سيتمثّل في جذب كامل مجال منصّات الفيديو من أجل إيجاد التوازن المناسب بين مستويات المشاهدة والعائدات".

تموين القاعدة الجماهيريّة الأساسيّة

مُشجعين سيباستيان فيتيل، فيراري
مُشجعو سيباستيان فيتيل، فيراري

تصوير: صور لات 

يرى كاري مستقبل خدمات الفورمولا واحد الرقميّة كمنتجٍ مميّز ينوي المشجّعون المتفانون دفع أموالهم للحصول عليه ما سيزيد انخراطهم بشكلٍ كبير. تلك كانت الفكرة التي قدّمها إكليستون منذ أكثر من عقدين من الزمن، عندما كان سابقًا لعصره إن صحّ التعبير.

وقال كاري بخصوص ذلك: "أكثر مشجّعيك قيمة هم أكثرهم شغفًا، إذ لدينا مجموعة فائقة الأهميّة من المشجّعين الشغوفين بهذه الرياضة حول العالم".

وأضاف: "في الحقيقة نحن مناسبون بشكلٍ مثالي كرياضة، إذ لدينا قدرٌ كبيرٌ من البيانات والمعلومات وتاريخٌ رائع، لذلك لدينا القدرة على تقديم حزم فريدة من نوعها. لا نزال بصدد العمل على المشجّعين الذين يريدون الحصول على فهمٍ أعمق لما يحدث في الرياضة وعلى الحلبة".

ثمّ تابع: "كما أنّ المشجّعين متوزّعون ضمن مجالٍ واسع أيضًا. لدينا بشكلٍ عام مجموعة غنيّة ومطّلعة، أي أنّك في حال قدّمت حزمة ذات قيمة بالنسبة إليهم، فإننا نعتقد أنّ هناك فرصة لمنحهم أمرًا مميّزًا للغاية".

لكنّ طريقة عمل تلك الخطّة لا تزال قيد النقاش، حيث قال: "سأبدأ بالحزمة التي نعتقد أنّها المناسبة للحصول على أقصى استفادة من هذه الفرصة لصالح المشجّعين. أعتقد أنّنا نودّ تحديد معالمها هذا العام، وتقديمها للسوق وبدء جذب المستهلكين".

وأضاف: "نُمضي الكثير من الوقت بلوحة بيضاء لتحديد المنتج، والتجربة وما سيتضمّنانه لتحفيز مشجّع الفورمولا واحد لدفع المال. لم نحدّد السعر بعد، لكن لنقل مثلًا 10 دولارات شهريًا للحصول على تلك الحزمة".

وواصل شرحه بالقول: "نعتقد أنّ إنشاء حزمة اشتراكيّة لأقوى مشجّعي الفورمولا واحد يُمثّل فرصة مهمّة للغاية. هناك مناطق واضحةٌ بالنسبة إلينا، دولٌ كبيرة مثل الصين والولايات المتّحدة الأمريكيّة، الأمر كما لو أنّنا نتعامل مع السطح فقط في كليهما".

وتابع: "أظهرت بعض الروابط الرقميّة بالفعل أنّ هناك فرصة. سيتطلّب ذلك بعض الوقت، إذ لن تنقل أمريكا والصين هذا العمل بشكلٍ كبير في عام أو اثنين، لكنّني أعتقد أنّنا سنحصل على رؤية أوضح بين الآن و2020 من أجل رسم الصورة الكبرى لتلك الفرصة".

وكما أشار كاري فإنّ الجانب الرقمي يتناسب مع الفورمولا واحد لأنّه يُمثّل طريقة فعّالة لاستخدام البيانات التي تُوفّرها الرياضة مثل الأزمنة، والسرعات القصوى وكلّ تلك الجوانب.

"من الواضح أنّ هناك فرصة لتضمين المعلومات في بثّ الفيديو" قال غريغ مافي المدير التنفيذي لشركة ليبرتي، وأضاف: "في الحقيقة تلك مهمّة أسهل على المنصّات الرقميّة بالمقارنة مع التلفاز، وذلك أحد الأسباب التي تجعل من «أو تي تي» خيارًا جذّابًا، خاصة في مجال غنيٍ بالبيانات مثل البيسبول أو الفورمولا واحد".

وتابع: "ستنمو هذه المنصّات الرقميّة، ستوفّر فرصًا مثيرة للاهتمام لنا في السوق، أتوقّع أنّك ستحاول الربط بينها وبين شركاء البثّ التقليديّين".

كما يتناسب ذلك مع عائدات الرعاية. إذ يرغب رعاة الفورمولا واحد بفئات المشجّعين التي تمّ ذكرها سلفًا - إذ أنّهم بالأساس يفضّلون أشخًاصًا يملكون المال لإنفاقه على منتجات مميّزة – وسيكونون قادرين على بلوغ أولئك المشجّعين مباشرة عبر الخدمة الرقميّة الجديدة.

وقال كاري بخصوص ذلك: "كانت صفقات الرعاية في السابق ذات بُعدٍ واحد. لم نقم باستغلال التقنيات، بل بعض الجوانب المتفرّقة وقمنا بحساب عدد الدقائق التي حازت عليها (الإعلانات) في التلفاز".

وأضاف: "نحتاج لتطوير حزمة تجارب محدّدة أكثر من أجل ضمان إحداث التكنولوجيا الجديدة للفارق".

اتفاقيات سارية المفعول

جوني هيربرت، سكاي سبورتس
جوني هيربرت، سكاي سبورتس

تصوير: اكس بي بي

يكمن التحدي في أنّ الفورمولا واحد لا يمكنها القيام بما ترغب به تمامًا. إذ هناك اتفاقيات سارية المفعول مع محطات البثّ تضمن أساسيات المحتوى الحصريّ في المناطق التي تغطيها. بعض من تلك الشركات يمتلك منصاته الخاصة لنقل المحتوى – "سكاي بريطانيا" لديها "ناو تي في" على سبيل المثال – كما أنّ المنافسة في مواجهة الخدمات الخاصة التي تقدمها الفورمولا واحد نفسُها ستسبّب تعقيدات إضافية.

"علينا الغوص في تفاصيل الاتفاقيات مع محطات البثّ، وهي تختلف باختلاف البلد، لذا لا يوجد حلّ يناسب الجميع عندما تتجه إلى العالمية" قال كاري.

وأكمل: "لذا، سيكون هناك اتجاه نسير خلاله مع شركائنا من محطات البثّ يمكنّنا من القيام بذلك. ونحن على ذلك الطريق بالفعل".

وأضاف: "خلال عامين أو ثلاثة سنصل إلى وقت تحتاج فيه أكثر من نصف العقود تقريبًا إلى تجديد. وهذا يحصل كل عدة سنوات، هناك عقود لثلاث أو أربع سنوات. أعتقد أن لدينا ما يكفي منها خلال المواسم المقبلة".

العقود الجديدة أو المجددة، كتلك التي تمّ إبرامها مع "كانال بلس الفرنسية"، سيتمّ وضعها بحيث تأخذ بالحسبان خطط الفورمولا واحد الرقمية. كما يأمل كاري كذلك بأن يتمّ الضغط على محطات البثّ كي تقبل بتلك التغييرات عاجلًا وليس آجلًا.

"إننا نضغط للحصول على بعض المرونة. في بعض العقود القديمة، سيكون هناك مشاكل علينا خوضها. ذلك لا يعني أننا لا نستطيع العودة وإجراء المفاوضات مع أحد الأطراف حيال الطرق اللازمة لتقييمها على ضوء الاتفاقية؛ لكن ومع الوقت، سيتمّ وضع الاتفاقيات بحيث يمكنها ضمان استفادتنا من كامل حقوقنا" قال كاري.

وأكمل: "من جميع النواحي، نرى أنّ ذلك أمر إيجابي لشركائنا من محطات البثّ، ويؤمن مستوىً من الحماسة، إضافة إلى تجارب متعددة بالنسبة للمتابعين، نعتقد أنها ستكون جيدة. الخلاصة: في الاتفاقيات، سنعمل على وضع وتأمين تلك المرونة".

من الصعب تخيّل مطاوعة محطات البثّ في أمر كهذا، لكن من يدري؟

يشار كذلك إلى أنّ الفورمولا واحد ومع تجديد تلك العقود فإنها تسعى لجعلها أقصر مدة من تلك الحالية. على أمل أن تزدهر الرياضة – خلال السنوات القليلة المقبلة – إلى حدّ يسمح برفع الأسعار.

"أودّ القول وبشكل عامّ أنّ الاستراتيجية تتمحور حول الابتعاد عن العقود طويلة الأمد" قال مافي.

وأكمل: "ذلك لأننا متفائلون للغاية حيال قدرتنا على رفع مستوى الحماسة واهتمام المتابعين، وكذلك محطات البثّ بالرياضة نتيجة ذلك".

وتابع: "لذا، استراتيجيتنا تكمن في إتمام عقود قصيرة الأمد مع فرصة تعزيز موقعنا خلال المواسم المقبلة".

واسترسل: "نعتقد أنّ الرياضة تمتلك إمكانيات كبيرة. لقد بدأنا بتسويقها، كما بدأنا للتوّ كذلك في التفاعل مع المتابعين ضمن مجالات معينة مثل المنصات الرقمية، لذا أعتقد أننا نستطيع إيجاد وتعزيز موقعنا الحقيقيّ خلال السنوات القليلة المقبلة".

واستطرد: "كما نعتقد بالفعل أننا سنستطيع الاستفادة من تلك الأفضلية مع الوقت والعقود المجدّدة الحالية والقادمة".

مع تكامل الخطط جميعها، يبدو أنّ كاري وزملاؤه يأملون أن تقبل الفرق بحصة مالية أقل، وأن تكمل الحلبات دفع المزيد والمزيد لاستضافة السباقات، وأن تحذو محطات البثّ حذوها كذلك قبل أن تتنازل في النهاية عن مشاهديها إلى الخدمة الرقمية الخاصة بالفورمولا واحد.

ومهما تحقق من كلّ ذلك، ما زال لدى الفورمولا واحد وبالتأكيد المزيد من الأوقات المثيرة بانتظارها.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
نوع المقالة أخبار عاجلة