تحليل: مرسيدس في مواجهة بينجامين هويل - فضيحة تجسّس جديدة؟

أعادت قضيّة مرسيدس ومهندس المحرّكات المُغادر بينجامين هويل "فضيحة تجسّس" مكلارين على فيراري في 2007 إلى الأذهان مجدّداً.

في حين قد يكون المهندس الذي تتمحور حوله ادّعاءات "التجسّس" غير متوجّهٍ للانضمام إلى فيراري في نهاية المطاف، إلّا أنّ القضيّة سلّطت الضوء مجدّداً على طريقة حماية فرق الفورمولا واحد ومصنّعي المحرّكات لحقوقهم الفكريّة.

تغيّر كلّ شيء بعد "فضيحة التجسّس" التي نتج عنها تغريم مكلارين 100 مليون دولار وشطب جميع نقاطها في موسم 2007.

أظهر ذلك التحقيق قدرة خبراء الحواسيب الجنائيين على معرفة الكثير من المعلومات أثناء بحثهم في "خوادم الفرق"، حيث قدّم ذلك درساً لجميع المشاركين في الرياضة أنّه في حال تلاعب أحدهم ببيانات سريّة فلن يكون من السهل تغطية جميع آثاره. سيتمّ الامساك به في النهاية.

ويمثّل الوضع الحالي نداء استفاقة للمُشغّلين والعاملين على حدٍ سواء، حيث ستساهم الوثائق التي تقدّمت بها مرسيدس إلى المحكمة في إضافة المزيد من الإثارة إلى القضيّة.

فضلاً عن ذلك، طفت على السطح أخبار أخرى مفادها أنّ هويل لن ينضمّ إلى فيراري.

وأعلم مصدرٌ من الحظيرة الإيطاليّة موقعنا «موتورسبورت.كوم» أنّه في حين جرت محادثات بين الفريق وهويل في الفترة الماضية، إلّا أنّ الطرفين لم يتوصّلا لاتّفاق ينضمّ بموجبه هويل لفيراري.

"كان هناك بعض الاتّصالات، لكن بشكلٍ غير رسمي" قال مصدرنا، وأضاف: "أجرى محادثات معنا ومن المحتمل مع بعض الفرق الأخرى. لكن لا يوجد أيّ عقدٍ يربط فيراري بالسيّد هويل".

تقديرٌ عالٍ

يكنّ الجميع الاحترام لهويل كما تؤكّد ذلك شهادات زملائه السابقين على صفحته في موقع «لينكِدإن». عمل مع «برودرايف» بين سبتمبر/أيلول2001 وسبتمبر/أيلول 2008، حيث لعب دور أحد كبار مهندسي التطوير مع فريق سوبارو للراليات. وبعد فترة قضاها في شركة «بي آي ريسيرش»، انتقل البريطاني إلى كوزوورث في 2010 حيث لعب دور المهندس الأساسي لتعديل محرّك الفورمولا واحد.

وانتقل هويل إلى «مرسيدس آي إم جي هاي بِرفورمانس باورترين» ليكون واحداً من أربعة رؤساء فرق تطبيق الأداء بدءاً من مايو/أيار 2012، حيث وقّع على عقده الحالي في ديسمبر/كانون الأوّل من ذلك العام.

وتشير وثائق القضيّة، بتفاصيل دقيقة، إلى الالتزامات التي يفرضها عقد هويل بخصوص سريّة البيانات ونحو ذلك، كما بيّنت ما يجب فعله في حال قرّر الانتقال إلى شركة أخرى.

وفي وثيقة تمّ تخليصها من المصطلحات القانونيّة، تمّ استخدام عبارة "الإجازة الإجباريّة" بشكل رسمي لوصف تلك العمليّة.

كما توضّح مرسيدس "سياسة استخدام جهاز تخزين اليو إس بي" الخاص بها والذي ينصّ على ما يلي: "لا يمكن استخدام سوى الأجهزة المقدّمة من «هاي برفورمانس باورترين» (اتش بي بي) بما يتماشى مع البروتوكول الأمني ومتطلّبات التشفير للقسم الإعلاميّ في «اتش بي بي». يمنع منعاً باتاً استخدام أيّ جهاز «يو إس بي» آخر غير مقدّمٍ من «اتش بي بي»".

بعبارة أخرى، أُعلم الجميع بعدم قدرتهم على حفظ البيانات في أيّة أجهزة قديمة يمتلكونها، ما يساعد نظرياً على إغلاق الطريق أمام أسهل الطرق لسرقة المعلومات.

وأعلم هويل رؤساءه في العمل في الـ 21 من مايو/أيار 2014 أنّه سيستقيل في الـ 31 من شهر ديسمبر/كانون الأوّل 2015. وأشارت وثائق المحكمة إلى أنّه "بعد فترة وجيزة من 24 مايو/أيار 2014، علمت «اتش بي بي» أنّ السيّد هويل ينوي الانضمام إلى فيراري بعد مغادرة «اتش بي بي»".

وبالرغم من معرفة الشركة بإمكانيّة انتقال المهندس إلى غريمٍ أساسي، تواصل العمل بشكلٍ اعتيادي طيلة 11 شهراً، حيث واصل هويل واجباته المتعلّقة بالفورمولا واحد بشكلٍ طبيعي. لكنّ الصورة تغيّرت في الـ 16 من أبريل/نيسان من العام الجاري.

إبعاده عن الفورمولا واحد

التقى هويل في ذلك اليوم بأوين جونز، مديره المباشر ورئيس قسم هندسة الأداء في «اتش بي بي»، ومايكل ناش، رئيس قسم الموارد البشريّة.

وتمّ إعلام هويل في ذلك الاجتماع أنّه سيعمل على مشاريع غير متعلّقة بالفورمولا واحد، بناء على اقتراب انتقاله إلى فيراري. كان سيمضي الأسابيع الـ 37 المتبقية من عقده بعيداً عن مشروع الفورمولا واحد ما يعني عدم تمكّنه من الوصول إلى البيانات القديمة.

وقالت مرسيدس أنّه تمّ إعلام هويل بضرورة "عدم تصفّح أو محاولة الوصول إلى بيانات متعلّقة بمشاريع الفورمولا واحد" وأنّ "السبب وراء تكليفه بمهام بديلة كان لحماية الملكيّة الفكريّة لـ«اتش بي بي»، فضلاً عن الحيلولة دون تعرّضه لضغطٍ لتقديم معلومات تقنيّة لفيراري".

تلقّى هويل في ذلك اليوم رسالة تؤكّد أنّ «اتش بي بي» "حاولت إدارة الملكيّة الفكريّة التي كانت متاحة أمامه"، حيث كان انتقاله للعمل على مشاريع أخرى سيضمن "ببساطة عدم معرفته بالتحديثات التقنيّة الأخيرة".

وكان ذلك ما تمّ بالفعل، حيث انتقل البريطاني للعمل على مشاريع تخصّ سيارات الطرقات وبطولة السيارات السياحيّة الألمانيّة «دي تي إم» بدءاً من 17 أبريل/نيسان.

كلّ ذلك يعدّ أمراً اعتيادياً ومتعارفاً عليه في أروقة عالم الأعمال في فئات التسابق. يعلم أيّ شخص سينتقل إلى فريق آخر أنّه سيُمنع عنه الحصول على المعلومات الحاليّة في مرحلة ما قبل انتهاء عقده، كما يعلم أيّ مشغّلٍ مستقبليٍ أنّ موظّفه الجديد سيمرّ بتلك الإجراءات، بل أنّ البعض يتمّ استبعاده نهائياً، في حين حافظ هويل على وظيفته في الشركة، مع عمل جانبيّ يقوم به في ذلك الوقت.

كشفت مرسيدس عن بعض التفاصيل المثيرة حيال الخطوات الإضافيّة التي تقوم بها في حالات مشابهة.

توجّب على هويل إرجاع الحاسوب الذي زوّدته به «اتش بي بي»، حيث حصل على حاسوب آخر "تمّت إعادة بنائه" من أجل ضمان عدم تواجد أيّة بيانات متبقية من المستخدم السابق للحاسوب.

كما لم تعد بطاقة الولوج الخاصة به تسمح له بالدخول الفعلي لقسم الفورمولا واحد في بريكسوورث. وتمّ منحه أيضاً بريداً إلكترونياً جديداً تابعاً للشركة للحيلولة دون حصوله على معلومات تخصّ الفورمولا واحد عن طريق الخطأ، إلى جانب بيانات جديدة لتسجيل الدخول، وذلك لضمان عدم قدرته للولوج إلى "الجوانب المتعلّقة بالفورمولا واحد في شبكة حواسيب «اتش بي بي»".

بدلاً من ذلك، تدّعي مرسيدس أنّ هويل لم يمتثل لتلك القيود، حيث كسر قواعد الشركة حتى قبل إبعاده عن مشروع الفورمولا واحد من خلال أخذ أو تحميل بيانات بطريقة لا تتماشى مع القوانين الداخليّة.

يبدو أن مرسيدس اكتشفت في مرحلة أولى وجود مشكلة في الـ 23 من سبتمبر/أيلول الماضي. إذ يبدو أنّه تمّ الانتباه إلى هويل وهو يقرأ تقريراً عن سباق المجر لم يكن مسموحاً له بالوصول إليه.

وجاء في وثيقة المحكمة: "فتح السيد هويل على شاشة حاسوبه المحمول تقرير سباق جائزة المجر الكبرى".

وأضاف: "عندما اقترب أوين جونز، المدير المباشر السابق للسيد هويل، من مكتب الأخير حيث كان تقرير السباق ظاهراً على شاشة حاسوب السيد هويل، قام الأخير بفصل سلك الطاقة من الحاسوب ما أدّى لانطفائه. قام السيد هويل بذلك في محاولة منه لتغطية أيّة سلوكيّات خاطئة".

تسبّبت تلك الحادثة في فتح تحقيق كبير تطلّب 167 ساعة عملٍ من وقت الموظّفين، بالإضافة إلى نتائج بحث شركتين للتحليلات الجنائيّة للبيانات «ستروز فرايتبيرغ» و «سي سي ال».

تمّ التوصّل إلى نتائج بالتفصيل، لا تتعلّق فقط بالحواسيب. زُعم أنّ هويل "قام بحذف وثائق فعليّة مصنّفة "القائمة آي" (القائمة غير متوافرة في النطاق العمومي) من منشآت «اتش بي بي»، حيث تحتوي جميع تلك الوثائق على معلومات سريّة تتعلّق بالفورمولا واحد".

وتتعلّق الادّعاءات الأساسيّة بوثائق قيل أنّ هويل قام بحفظها على حاسوبه الجديد في الشركة بعد الـ 17 من أبريل/نيسان، بما في ذلك الوثائق التالية:

-تقرير سباق جائزة المجر الكبرى الذي أقيم في الـ 26 من يوليو/حزيران 2015.

-بيانات المسافات المقطوعة والضرر الحاصل لمحرّكات «اتش بي بي» للفورمولا واحد في موسم 2015 إلى غاية 14 سبتمبر 2015.

-ملفات تتضمّن البرمجيات اللازمة لفكّ تشفير ملفات البيانات.

-ملفات تتعلّق بتأدية الضاغط في محرّكات «اتش بي بي» للفورمولا واحد.

-ملفات بيانات مشفّرة تتضمّن بيانات مفصّلة عن تأدية المحرّك تمّ استخدامها لتقديم تقارير السباق.

كما أشارت مرسيدس إلى قائمة أخرى من وثائق الفورمولا واحد السريّة، "القائمة بي"، لكنّها لم تقدّم تفاصيلها.

بالإضافة إلى ذلك، أشارت مرسيدس إلى قائمة ثالثة، "القائمة سي"، والتي تدّعي أنّ هويل قام بتحميلها على هاتفه الخاص إذ كما أشرنا سابقاً، لا يسمح للموظّفين إلّا باستخدام مفاتيح «يو إس بي» المقدّمة من الشركة فقط.

كما تتّهم مرسيدس هويل بتحميل ملفّات على أجهزة أخرى خاصة يمتلكها، بما في ذلك حاسوب من نوع "توشيبا"، حاسوب لوحي من نوع "آيسر"، وبطاقتي تخزين "مايكرو اس دي"، وقرصاً صلباً خارجياً من نوع "كينغستون".

كما قيل أنّه قام بتحميل ملف إكسيل لموقع خارجيٍ في شهر مارس/آذار 2015، عندما كان لا يزال يباشر مهامه ضمن مشروع الفورمولا واحد.

كما أضافت مرسيدس أنّ هويل كان على علمٍ بالقيود التي توجّب عليه العمل ضمنها، حيث اتّخذ بعض "الخطوات المضادة للتحقيقات الجنائيّة لتغطية حقيقة حفظه لبيانات سريّة على حاسوبه"، بما في ذلك حذف الملفات، واستخدام برنامج لتقسيم القرص الصلب، و"نسخ عدد كبير من الملفات الغير ضارة لـ«ملء» القرص الصلب للحاسوب لتعويض بيانات الملفّات المحذوفة".

من وجهة نظر قانونيّة، فإن العنصر الأساسي للقضيّة يكمن في الضرر الذي قد يلحق بمرسيدس التي قالت "أنّ السيد هويل قد يواصل استخدام البيانات السريّة للفورمولا واحد في حال لم يتمّ منعه من ذلك، ما يسبّب خسائر وضرراً لـ «اتش بي بي» في تأدية الفريق وعواقب وخيمة على أرباح الشركة".

أفضليّة غير مشروعة

بالرغم من أنّ المشكلة تبدو تقليديّة، إلّا أنّ وثائق المحكمة توضح بأنّ مرسيدس متخوّفة من حصول فيراري على أفضليّة مباشرة، حيث قالت: "بسبب سلوكه غير المشروع... حصل السيد هويل وربّما فيراري على أفضليّة غير مشروعة".

كما أوضحت مرسيدس أنّه كان من المفترض أن يتمّ إبعاده عن معلومات مثل "تحاليل الأداء، والتحسينات على محرّك «اتش بي بي» للفورمولا واحد خلال موسم 2015، حيث "تمكّن من التحايل على الغرض المذكور".

كما قال الصانع الألماني أنّ هويل "قام بتجديد معرفته و/أو ذاكرته حيال المعلومات السريّة التي تسبق تاريخ الـ 16 من أبريل/نيسان...".

بعبارة أخرى، كان يمتلك في ذاكرته معلومات عن الفورمولا واحد أكثر ممّا كان يجب عليه معرفته عند تلك النقطة لو لم يواصل الولوج إلى البيانات.

وتعدّ تلك نقطة مهمّة حيث تنصّ الوثيقة: "في حال انضمّ السيد هويل أو بدأ بالعمل مع فيراري أو مساعدتها في يناير/كانون الثاني 2016، سيكون بوسعه الاستفادة من المعلومات المذكورة سواءً كان ذلك أمراً حتمياً، أو عن غير قصد أو عن قصد".

وتابع: "سيصبّ استخدام تلك البيانات في صالح السيد هويل، خلال تأدية واجبه لصالح فيراري، ما يعني حصول فيراري على الأفضليّة".

الوضع تغيّر

تكمن النقطة الأساسيّة بالنسبة لمرسيدس أنّها في حين كانت متحضّرة للسماح لهويل بالانضمام إلى فيراري في يناير/كانون الثاني 2016 حالما ينتهي عقده بعد 37 أسبوعاً من انتهاء عمله على مشروع الفورمولا واحد، لكنّ الوضع تغيّر وبات الصانع الألماني يريد تطبيق قانون "الإجازة الإجباريّة".

طلبت الحظيرة الألمانيّة ما يتمّ تسميته قانونياً "الإنذار القضائي" ما يمنع ويل من الإنضمام إلى فيراري (أو أيّ فريق آخر) إلى غاية نهاية موسم 2016 في نوفمبر/تشرين الثاني، أو بعد 37 أسبوعاً من انطلاق الإجراءات القانونيّة أي شهر يوليو/تموز.

كما هناك مشكلة أخرى تتعلّق بتعويض الضرر والنفقات (تكاليف التحقيق)، بالرغم من أنّ مرسيدس لم ترفع الدعوى القضائية من أجل المال، حيث تشير الوثائق إلى حدٍ أقصى يبلغ 100,000 جنيه استرليني.

توتّرات جديدة

يعتبر الوضع فوضوياً بالنسبة لجميع الأطراف المعنيّة، حيث جاءت القضيّة بعد فترة قصيرة من استفسار مرسيدس بطريقة رسميّة حول علاقة فريقي فيراري وهاس إذ تقدّمت بأسئلة للاتّحاد الدولي للسيارات «فيا»، بالرغم من عدم الإشارة إلى أسماء الفرق التي دفعت بها إلى طلب الاستفسار.

كما تعلّقت تلك المسألة بالصدفة بـ«الإجازة الإجباريّة»، حيث أرادت مرسيدس معرفة رأي «فيا» في كيفيّة اعتبار انتقال موظّفٍ ما بين الفرق خرقاً للقواعد. بطبيعة الحال كان ذلك يتعلّق بتشارك الفرق البيانات عن طيب خاطر، لكنّ الوضع مختلفٌ في هذه القضيّة.

وما يمكن ملاحظته، أنّه بالرغم من أنّ فضيحة التجسّس في 2007 كانت بمثابة تحذيرٍ للجميع، وبالرغم من التحسينات على البرامج الأمنيّة لأقسام الإعلاميّة لدى الفرق في السنوات الماضية، إلاّ أنّ هذه القضيّة تشير إلى أنّ أحد الموظّفين البارزين من الممكن أن يضرب بقوانين الشركة عرض الحائط.

لكنّ مخاوف مرسيدس تكمن في أن الانتباه إلى المسألة تمّ بالصدفة، عندما تمكّن أحدهم من رؤية ما يشاهده زميله على شاشة حاسوبه.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
قائمة الفرق فيراري , مرسيدس
نوع المقالة تحليل
وسوم تجسس, فيراري, مرسيدس, هويل