تحليل: ما مدى عمق الأزمة بين مكلارين وهوندا؟

سعت مكلارين وشريكتها هوندا إلى التقليل من شأن المشاكل التي عصفت بهما خلال التجارب الشتوية لموسم 2017، إذ يبدو أنّ الوضع قد تجاوز الجدل حول ما إذا كانت هناك أزمة أم لا ليصل إلى محاولة معرفة مدى عمقها.

قبل كلّ شيء، استخدمت هوندا عدداً من المحركات خلال فترتَي التجارب الشتوية أكثر ممّا هو مسموح باستخدامه طيلة الموسم، كما اعتمدت ضبطاً للطاقة يقلّ عن محركات 2016، الأمر الذي كان يعني معاناة السائقين في الكثير من الأحيان مع الافتقار للسرعة اللازمة على الخطوط المستقيمة والتي تجاوزت الـ 20 كلم في الساعة.

علاوةً على ذلك، امتدّت أطول فترة قضاها الفريق على الحلبة لـ 11 لفة فقط، إذ خسر وقتاً ثميناً الأمر الذي حدّ من القدرة على فهم كيفية عمل الهيكل. كما تلقى العديد من الملاحظات الحادة من سائقه الأوّل فرناندو ألونسو.

وعندما طلبنا من أحد مصادرنا داخل الفريق أن يصف لنا مدى السوء الذي كانت عليه الأمور، قال: "أردأ من أسوأ كوابيسك".

وإذا وضعنا هذا الأمر في سياق الفورمولا واحد، وبالنظر إلى تأدية هوندا وموثوقيتها خلال الأسبوعين الماضيين على حلبة برشلونة، فإنّه من السهل توقع ما سيحدث لو أخذ الفريق نفس تلك الحزمة إلى جائزة أستراليا الكُبرى.

كان فرناندو ألونسو وزميله ستوفيل فاندورن ليتأهّلا في الصفّ الأخير، وبالطبع ما كانا ليذهبا بعيداً أثناء السباق قبل الانسحاب، وربّما كانا ليستهلكا محركين بالفعلين عند تلك النقطة.

هل هذه أزمة؟ إنّها أكبر بكثير من ذلك.

ما الذي حصل؟

كانت هناك تكهنات خلال الفترة الشتوية بأنّ هوندا لم تحقّق التقدّم المرجوّ مع محرّكها الجديد كلياً، إذ تخلّت عن تصميم "الحجم صفر" لتسلك نفس النهج الذي اتبعته مرسيدس في تصميم محركها.

لكن عند حدث اطلاق السيارة، ساد جوّ من التفاؤل، حيث صرّح كبير مسؤولي المحرك يوسوكي هاسيغاوا بأنّ هدفهم هو بلوغ نفس مستوى محرك مرسيدس لعام 2016 مع انطلاق الموسم.

وبطبيعة الحال، قامت كل من مرسيدس وفيراري ورينو بتطوير محركاتها لهذا الموسم، لذلك أصبح التحدّي أكثر صعوبة. ومع ذلك، فإنّ تحسين تأديتهم بالإضافة إلى المكاسب التي تعتقد مكلارين بأنّها حقّقتها مع الهيكل سيجعلهم حتماً يسعون للوصول لمنصة التتويج بعد طول غياب.

لكن، سرعان ما اندثرت أمالهم حين طفت أولى المشاكل خلال اليوم التصويري لفريق مكلارين قُبيل انطلاق التجارب الشتوية مع ظهور العديد من الأعطال التي لم يُتخّذ أيّ قرار بشأنها إلاّ في صبيحة اليوم التالي.

وبحلول ذلك الحين كان الوقت قد تأخّر، ففي غضون بضع دقائق من انطلاق أولى حصص التجارب كانت السيارة عالقة في المرآب بسبب مشاكل تسبّب فيها التصميم الجديد لخزّان الزيت.

والأسوأ من ذلك هو أنّ مشكلةً لم يجد الفريق لها تفسيراً حتّى الآن عصفت به خلال اليوم الثاني واضطرتهم لتغيير المحرك. ويبدو أنّ الأمور لم تسِر من حينها نحو الأفضل.

 لم يقم الفريق بإدخال أيّة تغييرات كاستخدام محرّك بمواصفات جديدة للتعامل مع موجة المشاكل الكهربائية التي حدّت من خروجهم إلى الحلبة. وأشار البعض إلى أنّ سبب هذه الأعطال يعود للاهتزازات العنيفة التي أثرت كثيراً على المحرك.

ومع نهاية التجارب الشتوية الثانية، كانت هوندا قد استخدمت خمسة محركات بالفعل، في حين يُسمح باستخدام أربعة فقط طيلة الموسم.

وعلى الرغم من أنّ المشاكل في الموثوقية لمحرّكٍ أحرز خطوة كبيرة من ناحية القوّة الحصانية لا تدعو لهذا القدر من التشاؤم، إلاّ أنّ السائقين لم يتمكّنا من إخفاء احباطهما جراء ذلك.

كما أشار البعض إلى أنّ الضبط الذي اعتمدته هوندا على حلبة برشلونة أدى إلى تأخر محركها بفارق 45-50 حصان عن ذلك الذي تمّ استخدامه في أبوظبي.

ورفضت مكلارين وهوندا تأكيد هذه الأرقام، لكن ألونسو أشار إلى أنّ الوضع كان على ذلك النحو حتّى وإن كانت المشاكل في الموثوقية هي السبب وراء ذلك.

حيث قال: "نعم في الوقت الراهن لدينا طاقة أقلّ من الموسم الماضي، لكن الضبط الذي اعتمدناه حتّى الآن كان بعيداً كلّ البعد عمّا نستخدمه أثناء السباقات للعديد من الأسباب والمشاكل التي عصفت بالمحرك".

وأضاف: "لذلك لن نرى كامل طاقة المحرك حتّى نحلّ جميع المشاكل".

الخطوة القادمة

أوضح ألونسو بأنّ الأولوية تتمحور حول العمل على الموثوقية في الوقت الراهن. وفي حين أعربت هوندا عن ثقتها في إيجاد حلول لهذه المشاكل قبل الجولة الافتتاحية للموسم في أستراليا، إلاّ أنّ تحقيق ذلك لن يكون بالأمر الهيّن.

لا يوجد مجال للفشل هذا الموسم، حيث لن يكون بوسع الفرق دفع ضريبة الإخفاق المبكّر. والإفراط في استخدام وحدات الطاقة سيعود عليهم بالويلات لاحقاً حيث ستزداد احتمالية تعرّضهم للعقوبات.

في حال استخدم فريق مكلارين وحدتَي طاقة في كلّ جائزة كبرى، سيجد نفسه عرضةً للعقوبة بحلول السباق الثالث للموسم في البحرين.

لكن عقوبة التراجع على شبكة الانطلاق قد تكون آخر هموم مكلارين إذا لم تتحسّن الأمور، كما ستُطرح العديد من الأسئلة حول مستقبل ألونسو في الفريق إذا ما استمرّ الوضع على حاله.

لا يغرنّكم حديث بطل العالم مرتين بأنّه سيكون في أقصى درجات التحفّز حتّى وإن لم تكن السيارة تنافسية، ولا تتخيّلوا لوهلة بأنّه سيظلّ سعيداً في حال وجد نفسه يتأهّل باستمرار في مؤخرة الترتيب ومجبراً على الانسحاب.

لقد قال بوضوح بأنّه يريد البقاء في الفورمولا واحد في 2018 بغضّ النظر عمّا سيحصل هذا الموسم. وهذه رسالة مشفرة للفرق الكُبرى تعني: "تعاقدوا معي".

لكنّ فقدان خدمات ألونسو لن يكون الخطر الوحيد المحدق بمكلارين إذا ما كان موسم 2017 كارثياً. فإذا ما سارت الأمور على نحوٍ سيّء، قد يخسر الفريق خدمات أفضل العاملين فيه، كما أنّ العائدات المالية من بطولة الصانعين ستتقلص ولن يتمكن من استقطاب مستثمرين جُدد.

إذا انزلقت مكلارين في هذه الدوامة السلبية فلن يكون من السهل التعافي من تبعات ذلك.

ردّة فعل فورية

لم يكن من الغريب أن تخلو تصريحات ألونسو من الثقة العمياء في أنّ مكلارين وهوندا تملكان الأجوبة والحلول لتخطّي هذه الأزمة، بل كان الأمر مغايراً تماماً.

حيث توالت وتعدّدت تصريحاته لوسائل الإعلام حول ضرورة أن تكون هناك ردّة فعل فورية وقوية من الفريق بخصوص ما سيحدث تالياً.

إذ قال دون أن يفصح عن قصده: "آمل أن تكون هناك ردّة فعل قوية من الفريق".

من جهة، قد يقصد بأنّه يجب القيام باصلاحات جذرية داخل هوندا إذا ما كان ذلك هو السبيل الوحيد لتجاوز هذه المشاكل. حيث أنّ تردّدهم في قبول المساعدات الخارجية والاصغاء إلى توجيهات المستشارين على غرار جيل سيمون وحتّى مكلارين في بعض الأحيان، أصاب من حولهم بالاحباط.

ربّما فقط بالتخلّي عن تلك العقلية البالية قد تجد هوندا الأمل لمواجهة وتخطّي الموقف الصعب الذي وضعت نفسها فيه. سيكونون في حاجة إلى اتّباع نهج عمل جديد، وفتح أبواب التواصل، وابتكار تقنيات حديثة، واستنباط أفكار جديدة وتكريس الرغبة في الانفتاح على التغيير.

ومن جهة أخرى، ربّما كان يعني ألونسو بكلامه أنّ مكلارين بحاجة لمراجعة ما إذا كان مستقبلها على المدى البعيد في مأمن مع هوندا.

يجمع مكلارين وهوندا عقد طويل الأمد، كما أنّ النشاط التجاري للصانع الياباني داخل الفريق يعني ببساطة استحالة تمزيق هذا الاتفاق وذهاب كلّ منهما في حال سبيله خلال الوقت الراهن.

لكن إلى متى سيصبر فريق مكلارين على هوندا قبل أن يسلك ذلك الطريق؟ أو ربّما حتّى تقتنع هوندا بأنّ مشروعها الحالي في الفورمولا واحد لن يُعطي الثمار المرجوّة منه.

وإذا ما تطورت الأمور ووصلت لمرحلة فضّ الشراكة بين الطرفين، فسيكون لذلك تأثير إيجابي واحد على الأقلّ وهو أنّ قوانين الفورمولا واحد الحالية ستضمن حصول مكلارين على محرّك تنافسي.

حيث اتفق صانعو المحركات الموسم الماضي، بأنّه في حال مغادرة هوندا للرياضة، فإنّ مرسيدس وفيراري ورينو ستكون ملزمة بتزويد الفرق الزبائن المتاحة بالمحركات، إذا ما استوفت بعض الشروط.

في الواقع، ووفقاً للقوانين، فإنّ اتّخاذ القرار حول المحرك الذي قد يستخدمه فريق مكلارين قد يتمّ عبر إجراء قرعة.

كما أشار أحد المصنعين ساخراً بأنّه يجب بثّ القرعة على التلفاز لإضفاء المزيد من الإثارة.

وعلى الأرجح أنّ الإقدام على مثل هذه الخطوة لن يتمّ في المستقبل القريب، لكن كونوا على ثقة بأنّ التوتر على أشدّه داخل أروقة ووكينغ وساكورا في الوقت الراهن.

نقطة الأزمة

لم يُحسم أيّ شيء بعد، ولا يجب أن ننسى أنّه في موسم 2014 نجح فريق ريد بُل ورينو في تجاوز خيبة أمل التجارب الشتوية ليتمكنا سوياً من الفوز بالسباقات في وقتٍ لاحق من الموسم.

تكرار مثل ذلك السيناريو ليس بالمستحيل، لكن يجب تغيير بعض الأمور إذا ما أرادوا أن يعيد التاريخ نفسه.

تعريف القاموس لكلمة أزمة كالآتي: "إنّها الوقت لاتّخاذ قرار صعب أو هام".

وذلك الوقت بالنسبة لمكلارين وهوندا هو الآن.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
قائمة السائقين فرناندو ألونسو , ستوفيل فاندورن
قائمة الفرق مكلارين
نوع المقالة تحليل

المنطقة الحمراء: ما هو الأهمّ حالياً