تحليل: ما الذي على الفورمولا واحد فعله لجماهير سباق بلجيكا بعد فوضى سبا

كسرت جائزة بلجيكا الكبرى 2021 الأرقام القياسيّة لأقصر "سباقٍ" في تاريخ الفورمولا واحد. لكن في حين أنّ البطولة تستحقّ الإشادة لتقديمها السلامة على كلّ شيء آخر، فإنّها واجهت الكثير من الانتقادات لإعلانها عن نتيجة رسميّة. ومن أجل إعادة بناء مصداقيتها، فإنّ عليها التعلّم ممّا حدث واتّخاذ قرارات حاسمة.

تحليل: ما الذي على الفورمولا واحد فعله لجماهير سباق بلجيكا بعد فوضى سبا

ضمن اليوم الذي أُقيمت فيه جائزة بلجيكا الكبرى بشكلٍ رسمي، واجهت البطولة ظروفًا مرعبة على حلبة سبا-فرانكورشان التي لا تزال الأحداث التراجيديّة الأخيرة حاضرة في أرجائها. حصلنا على تأجيلات لا متناهية للانطلاقة وتفاقم الوضع بضعف التواصل والتوضيح. بدا كما لو أنّ الفرق والمسؤولين عن السباق لا يملكون فهمًا كاملًا وواضحًا للقوانين. انتهى اليوم بالكثير من الأسئلة حول مدى صحّة القرارات الأخيرة أصلًا.

وربّما كان الأمر أكثر خطورة في ظلّ اشتباه البعض في أنّ القرارات الأخيرة لها علاقة بالمال أكثر من فعل ما هو مناسبٌ حقًا، وهو موقفٌ سيّئ لأولئك الذين يتّخذون القرارات الحاسمة على رأس البطولة.

ما الذي حدث

تواصل تهاطل الأمطار في الليلة الفاصلة بين السبت والأحد حتّى الصباح في سبا-فرانكورشان، حيث أُقيم سباقا الفورمولا 3 وكأس بورشه في أجواء ماطرة. وتواصلت الأمطار بالاقتراب من موعد انطلاقة الجائزة الكبرى. غادرت السيارات خطّ الحظائر للتوجّه إلى شبكة الانطلاق قبل نصف ساعة مثل المعتاد مستخدمة إطارات "فول ويت".

لكنّ الظروف كانت صعبة وتجلّت أكثر من خلال تعرّض سيرجيو بيريز سائق ريد بُل لحادث عند منعطف "لي كومب" بعد عبوره على الحفف الجانبيّة. تسبّب الحادث في كسر نظام تعليقه الأماميّ الأيسر وذراع التوجيه، وبدا أنّ فرصه في بدء السباق قد تبدّدت.

وبشكلٍ حتمي فقد تمّ تأجيل الانطلاقة بـ 10 دقائق، ومرّتين إضافيّتين، لتأتي أخيرًا على الساعة 15:25 بالتوقيت المحلي. وعندما بدأت لفّة التحمية فقد جاءت خلف سيارة الأمان. وضمن لفّة تحمية ثانية، وفي ظلّ ضعف مستويات الرؤية بالنسبة للجميع ما عدا ماكس فيرشتابن – حيث قال جورج راسل سائق ويليامز الذي كان يسير خلفه: "كنت لأغمض عينيّ أصلًا على الخطّ المستقيم" لانعدام الرؤية – فقد اختارت إدارة السباق التلويح بالعلم الأحمر.

ماكس فيرشتابن، ريد بُل ريسينغ وجورج راسل، ويليامز

ماكس فيرشتابن، ريد بُل ريسينغ وجورج راسل، ويليامز

تصوير: صور موتورسبورت

تبعت ذلك فترة توقّفٍ دامت لقرابة ثلاث ساعات. جادلت ريد بُل بنجاح في هذه الأثناء بأنّها في حال تمكّنت من تصليح سيارة بيريز فإنّه سيكون قادرًا على بدء السباق. "ليس هذا سباق لومان" قال جوناثان ويتلي المدير الرياضي لفريق ريد بُل مازحًا لمايكل ماسي الذي كان بصدد تلقي قدرٍ هائلٍ من الاتّصالات من قبل الفرق.

تبيّن أنّ وعود تحديثات الأحوال الجويّة الأربعة لم تأتِ بأيّ شيء يذكر سوى المزيد من الوعود الأخرى. أخذ لاندو نوريس قيلولة في مرآب مكلارين بينما تناول يوكي تسونودا سائق ألفا تاوري بعض الحساء الدافئ في تلك الأجواء الباردة. أمّا ألان فان دير ميرفي سائق السيارة الطبيّة فقد أُرسل عدّة مرّات إلى الحلبة لتفقّد حالة المسار في ظلّ عدم تراجع حدّة الأمطار.

في النهاية اتُّخذ القرار بـ "استئناف" السباق على الساعة الـ 18:17 مساءً بالتوقيت المحلي. جاء ذلك بعد أن قرّر مراقبو السباق إلغاء تطبيق القوانين الأصليّة من خلال إيقاف عدّاد الساعات الثلاث الذي انطلق وفق ما كان مخطّطًا له عند الساعة الـ 15:00 (قانونٌ اعتُمد في البداية كمجال ثلاث ساعات لإكمال السباق على خلفيّة جائزة كندا الكبرى 2011 المتأثّرة بالأمطار)، من خلال تطبيق مبدأ القوّة القهريّة.

لكن خلال اللفّة الثانية ضمن ما وصفها فيرشتابن بالظروف "الأسوأ" بالمقارنة مع المحاولة الأولى للتسابق، رُفع العلم الأحمر مجدّدًا. وبعد مرور 18 دقيقة أخرى، تمّ الإعلان عن انتهاء الحدث. لكن من خلال إكمال تلكما اللفّتين من "السباق"، فقد كان بوسع البطولة الإعلان عن نتيجة رسميّة وفق المادة 6.5 من اللوائح الرياضيّة للبطولة.

كان فيرشتابن الفائز بالسباق، بينما أكمل راسل ولويس هاميلتون ترتيب مراكز منصّة التتويج وفق ترتيب التصفيات، ولم تتغيّر المراكز عن شبكة الانطلاق سوى نتيجة حادث بيريز الذي أطاح به من المركز السابع إلى العشرين.

نتيجة لذلك مُنحت نصف النقاط للسائقين العشرة الأوائل، ما يعني تلقي فيرشتابن لـ 12.5 نقطة ليُقلّص الفارق مع هاميلتون إلى ثلاث نقاط. أمّا راسل فقد حقّق منصّة تتويجه الأولى في الفورمولا واحد وصعد عليها بالفعل بعد إقامة كامل المجريات الاعتياديّة التي تلي السباق.

جورج راسل، ويليامز

جورج راسل، ويليامز

تصوير: صور موتورسبورت

ردود الفعل

"بالطبع هذا فوز، لكنّك لا تريد الفوز بهذه الطريقة" قال فيرشتابن.

أمّا مديره كريستيان هورنر فقد قال: "من منظور النقاط والبطولة فمن الرائع كسب هذه النقاط الخمس الإضافيّة على حساب هاميلتون".

بينما قال راسل: "لا نُجازى دائمًا على تأدياتنا الرائعة في التصفيات، لكنّ ذلك حدث اليوم".

يتفهّم الجميع ردود فعل السائقين بناءً على الظروف التي فُرضت عليهم، إذ تواجد فيرشتابن وراسل في موقعٍ لاستغلال ما حدث لأنّهما قدّما أداءً لامعًا في التصفيات. لكن بالنسبة للبقيّة، وكذلك المشجّعون الـ 75.000 الذين تواجدوا في الحلبة يوم السباق، فقد كان هناك شعورٌ عامٌ بالإحباط.

لخّص هاميلتون ما كان يُفكّر فيه الكثيرون، ومجدّدًا تجرّأ بطل العالم على التصريح بما قد لا يتجرّأ على قوله الآخرون.

"هناك قانون ينصّ على أنّه من أجل اعتبار السباق قانونيًا، فيجب أن تكون هناك لفّتان على الأقل على ما أعتقد" قال البريطاني في المؤتمر الصحفي بعد "السباق"، وأضاف: "علموا ذلك وأرسلونا إلى الحلبة لإكمال لفّتين خلف سيارة الأمان وأدّى ذلك إلى تفعيل العديد من الأشياء".

وأكمل: "لا أعلم كلّ الأمور السياسيّة وخلفيّتها، لكنّ مصدر قلقي الأساسي هو أنّ على المشجّعين استرجاع أموالهم. لا أعلم إن كان إكمالنا للفّتين يحول دون ذلك... لا أعتقد بأنّ ذلك ما نريده. لدينا مبادئ وقيمٌ أفضل من ذلك كرياضة".

لويس هاميلتون، مرسيدس

لويس هاميلتون، مرسيدس

تصوير: صور موتورسبورت

المنطق وراء تلك القرارات

كانت هناك الكثير من الانتقادات لدرجة أنّه تعيّن على ماسي شرح كلّ شيء حالما انتهت مراسم منصّة التتويج. ولإنصافه فقد زار طاقم التصوير التلفزي وأجرى مؤتمره الصحفيّ الاعتيادي. وفي منتصف ذلك وصل ستيفانو دومينيكالي المدير التنفيذيّ للفورمولا واحد للحديث إلى وسائل الإعلام كذلك.

وعلى صعيد قرار استئناف السباق، عندما غادرت السيارات خطّ الحظائر للمرّة الأخيرة فقد اعتُبرت تلك الانطلاقة الرسميّة للسباق، أمّا الأخرى السابقة فقد اعتُبرت لفّات تحمية كانت لتُطرح من إجمالي اللفّات لو تواصلت الأمور بشكلٍ طبيعي، حيث قال ماسي: "كنّا نهدف إلى فجوة في الأحوال الجويّة اعتقدنا بأنّها ستظهر".

وأضاف: "قال عددٌ من الفرق الأمر ذاته وشاهدوا تلك الفجوة وكان بوسعهم إدراك ما نُحاول فعله، لكنّ الأمطار عادت مجدّدًا وتغلّبت علينا".

كما اقترح البعض تأجيل السباق حتّى اليوم الإثنين، حيث قال ماسي: "قائمة الأسباب التي تمنع ذلك ستملأ الكثير من الصفحات الطويلة بين المنظّمين والجميع هنا. لم تكن هناك إمكانيّة لتأجيل السباق لليوم التالي".

أمّا دومينيكالي، الذي قال بأنّ الفورمولا واحد ستتلقّى رسوم استضافة السباق من قبل حلبة سبا "بالتأكيد" حتّى لو لم تُكمل أيّ لفّات على الإطلاق، نافيًا أنّ فترة "الاستئناف" المقتصرة على لفّتين جاءت للإيفاء بالجوانب التجاريّة.

وقال الإيطالي: "ذلك ليس صحيحًا على الإطلاق، لأنّنا عندما نتحدّث عن التسابق، فهناك مسؤوليّة، تلك عمليّة واضحة، وتلك الأمور ليست متّصلة على الإطلاق".

الأعلام الحمراء

الأعلام الحمراء

تصوير: صور موتورسبورت

الخلاصات

تستحقّ الفورمولا واحد و"فيا" قدرًا كبيرًا من الإشادة حيال الكثير من الأمور التي حدثت أمسٍ الأحد.

مرّت البطولة في تاريخها ببعض اللحظات التي وضعت فيها مسؤوليّة اتّخاذ قرارات السلامة على كاهل أفراد بعينهم – مثل نيكي لاودا في جائزة اليابان الكبرى 1976، أو ألان بروست في سباق أستراليا 1989. لحسن الحظّ تحرّكت رياضة المحرّكات بأكملها وتطوّرت منذ تلك الحقبة، وكان قرار عدم المضيّ قدمًا في التسابق في هذه الظروف الصعبة على حلبة شهدت وفاة أنطوان هوبير قبل عامين فقط مبرّرًا بالكامل.

حاول كلّ المشمولين الدخول في سباقٍ في ظروفٍ قاسية للغاية، حتّى مع إيقاف الساعة للمرّة الأولى وفق مبدأ القوّة القهريّة، من خلال السلطة التي يتمتّع بها المراقبون في اللوائح الرياضيّة الدوليّة التابعة لـ "فيا".

يجب قبول صحّة شرح الفورمولا واحد حيال أسباب اعتبار نتيجة السباق بتلك الطريقة، إذ أنّ تصديق إدارة السباق هو الأمر الأنسب. لكن في حال كان الوضع هكذا بالفعل، فيجب العمل مع حلبة "سبا" من أجل ضمان تعويض المشجّعين الذين "سُرقوا" وفق كلمات هاميلتون بسبب الأحوال الجويّة في حال أرادوا ذلك. قال دومينيكالي بالفعل أنّ "منظّمي الحدث والبطولة" سيقدّمون "أفضل اهتمام بالمشجّعين".

سيكون ذلك قاسيًا بالنظر إلى الضغوطات التجاريّة التي تسبّبت بها جائحة كورونا، كما أنّ الوضع أكثر تعقيدًا بالنظر إلى إقامة ثلاث حصص تجارب حرّة وتصفيات في بقيّة مجريات عطلة نهاية الأسبوع.

لكنّ ذلك ما يجب فعله وسيكون ذلك بمثابة تعويضٍ لبعض الجوانب التي يجب انتقادها في مجريات الأحد. إذ أنّ سباقًا انتهى بعد لفّتين خلف سيارة الأمان لا يُعدّ سباقًا حقيقيًا ولا يعكس صورة جيّدة للفورمولا واحد.

أحد المشجّعين قال لموقعنا "موتورسبورت.كوم" أنّه من منظورهم على المدرّجات بين منعطفَي "لا سورس" و"أو روج" – ولا يجب أن ننسى أنّه كان هناك الكثير من المشجّعين من دون سقفٍ يحميهم من الأمطار – فإنّ المشجّعين من جنسيات مختلفة كانوا قادرين على تفهّم اتّجاه الأمور للانتهاء بتلك الطريقة، حتّى مع ظهور بعض الرسائل غير المفهومة في بعض الأحيان على البثّ الحيّ على الشاشات العملاقة في أرجاء الحلبة، التي توقّفت بدورها عن العمل أحيانًا بسبب الأمطار الغزيرة... يبدو أنّه كانت هناك الكثير من صافرات الاستهجان ولم تلقَ مراسم منصّة التتويج الكثير من الترحيب.

المُشجعين

المُشجعين

تصوير: صور موتورسبورت

تجد الفورمولا واحد نفسها مرارًا مقيّدة بالكثير من القوانين والصفقات التي أبرمتها للوصول إلى هذه المرحلة من تطوّرها. إذ على سبيل المثال فإنّ انطلاق السباقات متأخّرة بساعات عن موعدها الأصلي سيُسهّل التغطية التلفزيّة الدوليّة، حتى لو كان ذلك ليُضاف إلى سيل الأمور الأخرى التي تسير على نحوٍ خاطئ على الحلبة.

تحتاج الفورمولا واحد لأن تكون مرنة الآن لإرجاع الأموال إلى المشجّعين بأقصى قدرٍ ممكن.

كما أنّ جولة أخرى على حلبة سبا في 2021 ستكون رائعة بالنظر إلى التغييرات المتواصلة في الروزنامة. ذلك ما حدث في 1985 عندما تفتّت السطح الجديد لمسار "سبا" وتمّ إيقاف الحدث قبل أن يُعاد تنظيمه بعد ذلك بشهرَين. هناك حاليًا موقعٌ في الروزنامة تحت حالة "سيتمّ تأكيده لاحقًا"، وهناك إمكانيّة كبيرة لخسارة المزيد من الأحداث بسبب تفاقم الوضع الوبائيّ حول العالم، وقد يكون ذلك خيارًا منطقيًا سارًا.

رحّب راسل وهاميلتون بتلك الفكرة عند طرحها عليهما من قبل موقعنا "موتورسبورت.كوم" في المؤتمر الصحفي، وقال ماسي أنّ ذلك "ممكنٌ من الناحية اللوجيستيّة". لكنّ فيرشتابن أشار بحكمة إلى أنّ "البطولة تخوض الكثير من السباقات أصلًا"، كما أنّه مثلما قال بيرني إكليستون في إصدار 6 يونيو 1985 من مجلّة أوتوسبورت: "لنرَ من سيقدّم الأموال...".

إن لم يكن ذلك ممكنًا، فإنّ الفورمولا واحد بأكملها بحاجة لتوفير الأموال وتقديمها للطرف المناسب لاسترجاع أيّة جماهير خسرتها مع فوضى جائزة بلجيكا الكبرى 2021. لكن هناك عوامل أخرى يجب التفكير فيها كذلك.

يجب أن تُصبح مواعيد الانطلاق مرنة أكثر بالتأكيد. يُمكن لبطولتَي ناسكار وإندي كار تأجيل السباقات بيومٍ من أجل إقامتها في حال وجود أيّة أحوال جويّة سيّئة، لذا هناك بالتأكيد بعض الخيارات أمام "قمّة رياضة المحرّكات" لتقييمها على الأقل.

فضلًا عن ذلك فإنّ الظروف الجويّة العاتية باتت متواترة أكثر بسبب الأزمة المناخيّة العالميّة، لذا ربّما تجب ملاءمة السيارات لتتعامل مع تلك الظروف بأمان في المستقبل؟ إذ قد لا يكون هذا الحدث الرياضيّ الأخير الذي نخسره بسبب ظروفٍ كهذه في النهاية...

ماكس فيرشتابن، ريد بُل ريسينغ وجورج راسل، ويليامز

ماكس فيرشتابن، ريد بُل ريسينغ وجورج راسل، ويليامز

تصوير: صور موتورسبورت

المشاركات
التعليقات
ألفا روميو: نتيجة سباق بلجيكا "أضرّت" بالجميع في الفورمولا واحد

المقال السابق

ألفا روميو: نتيجة سباق بلجيكا "أضرّت" بالجميع في الفورمولا واحد

المقال التالي

وولف: على مرسيدس أن تتقبّل "على مضض" تبعات قرار سباق بلجيكا

وولف: على مرسيدس أن تتقبّل "على مضض" تبعات قرار سباق بلجيكا
تحميل التعليقات