تحليلات جورجيو بيولا التقنيّة

تحليل: ماذا وراء الجدل الدائر حول أنظمة تعليق الفورمولا واحد

تواصل الجدل بخصوص أنظمة التعليق ذات التكونولوجيا المتطوّرة التي أطلقتها مرسيدس منذ عدّة مواسم، لكنّ سبب الجدل الذي أثير مؤخّراً يُمكن تعقّب آثاره إلى جائزة أبوظبي الكبرى.

بناءً على ما أشارت إليه بعض المصادر، فإنّ محادثة تمّ سماعها عبر اللاسلكي بين دانيال ريكاردو وطاقم فريقه ريد بُل بخصوص إعدادات السيارة وتأثير نظام التعليق على الأداء الانسيابي تركت بعض الفرق المنافسة متشكّكة بأنّ هناك المزيد من الوظائف لهذه المكوّنات أكثر ممّا كان يُعتقد في البداية.

وكانت فكرة استخدام نظام التعليق بالأساس لمساعدة الجوانب الانسيابيّة قد دفعت فيراري إلى اتّخاذ خطوة بمراسلة الاتّحاد الدولي للسيارات "فيا" لتوضيح ما هو مسموحٌ به وما هو ممنوع.

وتُعدّ مراسلات الاستفسار المماثلة لتشارلي وايتينغ مدير سباق الفورمولا واحد أمراً اعتيادياً، إذ أنّها توفّر للفرق فرصة معرفة مدى قانونيّة التصاميم التي تنوي اتّباعها، إلى جانب اعتبارها فرصة للحصول على فهمٍ أفضل للتصاميم الأخرى التي تعتمدها الفرق المنافسة، أو إعلام "فيا" بأنّ الفرق الأخرى قد تكون بصدد العمل ضمن منطقة رماديّة.

وفي هذه الحالة، تساءلت فيراري عن استخدام أنظمة أكثر تعقيداً ممّا تستخدمه مرسيدس فعلياً، وبشكلٍ أساسيٍ بخصوص نظامٍ بوسعه تخزين الطاقة التي يُمكن لاحقاً إتاحتها لتحسين القاعدة الانسيابيّة للسيارة على مدار بقيّة اللفّة.

لكن هل كانت فرقٌ مثل مرسيدس وريد بُل تقوم به بالفعل، أو تُخطّط لاستخدامه في 2017، أو أنّها محاولة فيراري لغلق أيّ طريقٍ لتطويرات باهظة قبل أن تبدأ هي العمل على تصميمها الخاص؟

التخلّي عن نظام "فريك"

نظام "فريك" على سيارة مرسيدس دبليو04
نظام "فريك" على سيارة مرسيدس دبليو04

تصوير: جورجيو بيولا

يأتي الجدل المحيط بالتوجيه التقني الذي أرسله وايتينغ قبل عطلة أعياد الميلاد، والذي أشار فيه إلى أنّ أنظمة التعليق التي تُخزّن الطاقة ستكون غير قانونيّة، على خلفيّة ما قامت به الفرق مع نظام "فريك" (ربط نظامي التعليق الأمامي والخلفي) إلى أن تمّ حظرها فعلياً قبيل جائزة المجر الكبرى 2014.

ويُمكن تتبّع المكاسب الانسيابيّة الممكنة من نظامٍ ذكيٍ مماثلٍ إلى الممتصّ الشامل الذي استخدمته رينو خلال مواسم نجاح فرناندو ألونسو، بينما كانت مرسيدس في واجهة تكنولوجيا نظام "فريك" خلال السنوات الأخيرة.

وبدا حينها أنّ حظر النظام يُمثّل طريقة جيّدة للحدّ من قوّة السهام الفضيّة، لكنّ تفوّق الفريق بشكلٍ كبيرٍ إلى جانب الأنظمة المتقدّمة التي تعتمدها الفرق الأخرى كانت تعني عدم وجود تأثيرٍ كبيرٍ على الترتيب العام نتيجة لذلك الحظر.

لا يُمكن القول بأنّ المعرفة لا يُمكن اكتسابها في الفورمولا واحد، ومع التخلّي عن أنظمة "فريك"، فقد تمّ نقل الموارد إلى محاكاة أفضليّة مماثلة للتي كانت تُقدّمها، حيث وضعت الفرق نصب أعينها إنشاء تأثيرٍ مماثل، بالرغم من عدم استخدامها لرابطٍ هيدروليكيٍ بين المقدّمة والمؤخّرة.

تمحور معظم العمل الذي وفّره نظام "فريك" حول الحركة العموديّة للسيارة. أن تكون قادراً على ربط المقدّمة والمؤخّرة ساعد أيضاً على تحسين ثبات انحناء السيارة إلى الجانب أثناء عبورها المنعطفات، ما يُحسّن الثبات الانسيابيّ نتيجة لذلك.

ومن الطبيعي أنّ الفرق ترغب في اعتقاد "فيا" أنّ السبب وراء هذه الأنظمة يتمثّل في تحسين أداء الإطارات وعمرها، ما يُحسّن التماسك الميكانيكي من خلال التركيز على زيادة مساحة التماس بين الإطار والمسار.

لكن في حين أنّ ذلك صحيح، إلّا أنّ الحافز الرئيسي تمحور دائماً حول تحسين الجانب الانسيابي، حيث تكون القاعدة الأكثر ثباتاً قادرة على منح الفريق القدرة على اعتماد حلولٍ أكثر عدوانيّة.

الحركة العموديّة

تفاصيل نظام التعليق الأمامي لفريق مرسيدس
تفاصيل نظام التعليق الأمامي لفريق مرسيدس

تصوير: جورجيو بيولا

لا يُعتبر مكوّن الحركة العموديّة جديداً على الفورمولا واحد، لكنّ الطريقة التي تستخدمه من خلالها الفرق تتجاوز ما كان يُعتبر في السابق طبيعياً.

يُوفّر مكوّن الحركة العموديّة صلابة عند السرعات العالية لتحسين كيفيّة استجابة السيارة للعبء الانسيابي، ما يُثبّت السيارة ويضمن أنّ تأديتها مثاليّة أثناء تفاعل التيارات الهوائيّة مع جميع الأسطح المختلفة.

وأثناء السرعات المنخفضة، يتمّ فصل ممتصّ الحركة العموديّة، ما يمنح السائق نوع الالتزام الذي يحتاجه. لكن أثناء الظروف المؤقّتة، توجّب على المصمّمين الحصول على المزيد من الأداء، كما كُشف لنا خلال مقابلة حصريّة نهاية الموسم مع بادي لوي المدير التقني لفريق مرسيدس.

وخلال مقابلة مع جورجيو بيولا، كان لوي منفتحاً للحديث عن المكاسب الانسيابيّة لنظام التعليق الذي استخدمته مرسيدس في بعض المناسبات في 2016.

سؤال: هل أنّ استخدام ممتصّ الحركة العموديّة الهيدروليكي يعمل على بلوغ ما كان يقوم به نظام "فريك"؟

بادي لوي: "تركنا ذلك أمام محاولة القيام بالأمور لكلّ قسمٍ من السيارة على حدة وتصميم أنظمة نوابض وممتصّات تتفاعل مع العبء بطريقة أكثر تعقيداً. في العادة يكون النابض مستقيماً، لكن الآن نقوم بالعمل على مجالٍ واسعٍ من التصاميم الأكثر تعقيداً لنوابض غير مستقيمة.

ذلك يسمح لنا باللعب بعض الشيء وإيصال القاعدة الانسيابيّة إلى المستوى المثالي الذي نريده. الأمر أصعب ممّا كنّا نقوم به مع نظام «فريك»، لكنّ الأمر ذاته في الحقيقة".

سؤال: هل من السهل بلوغ ذلك عبر ممتصّات هيدروليكيّة عوضاً عن إعدادات النوابض التقليديّة؟

لوي: "يتعلّق الأمر بالحفاظ على التوازن في جوانب مختلفة من الحلبة وعلى سرعات منعطفات مختلفة. استخراج أقصى ما تُقدّمه القاعدة الانسيابيّة وأفضل توازنٍ من السرعات العالية إلى المنخفضة وبالطبع عبر المراحل المختلفة من المنعطف. تقوم جميع الفرق بتعديلات أكبر ممّا تقوم به عادة. نتيجة لذلك يُصبح نظام التعليق أكثر تعقيداً عاماً بعد الآخر. لا نقوم بأيّ خدعٍ معيّنة على وجه الخصوص، بل أنّ النظام يُصبح أكثر تعقيداً فحسب.

في حال قاد سائقون قدماء السيارات الحالية فسيتفاجؤون من مدى توازنها. يُمكننا إعداد السيارات بشكلٍ أكثر دقّة، إلى جانب المساحة التي يُمكننا من خلالها تعديل القاعدة الانسيابيّة والميكانيكيّة بناءً على كلّ منعطف تقريباً حتّى بالنسبة إلى داخل المنعطف وتوازن الكبح، جميع هذه الأمور المختلفة توصل السيارة إلى نقطة معيّنة في عطلة نهاية الأسبوع يقول فيها السائق أنّه لا يُوجد شيء آخر لتعديله. فتوازن السيارة يكون مثالياً.

بالطبع ليس الأمر بتلك البساطة، إذ أنّ الإطارات تتحرّك، لكن بالمقارنة مع ما كان عليه الوضع قبل 20 عاماً، عندما كان يتوجّب عليك اتّباع مقاربة بسيطة لتوازن السيارة في أكبر عددٍ ممكنٍ من المنعطفات، بينما تتقبّل أنّ السيارة ستكون سيّئة للغاية على الأخرى".

منطق السوائل

يتمحور تساؤل فيراري حول استعادة وتخزين الطاقة من أجل استخدامها لاحقاً لتمديد مقعد النابض أو أجزاء أخرى من نظام التعليق.

ينتج عن ذلك استخدام البطاريات الهيدروليكيّة المُصمّمة لتخزين وتوفير الطاقة تحت ظروف معيّنة، ليكون النظام بمثابة حاسوب ضغطٍ هيدروليكيٍ عالٍ. نظام منطق السوائل هذا قد يعتمد ويتفاعل مع المُدخلات، حيث تمرّ السيارة عبر ظروفٍ مختلفةٍ على مدار اللفّة.

يُمكن حينها النظر إلى مكوّن الحركة العموديّة والبطاريّات المنفصلة كخارطة ثلاثيّة الأبعاد، عوضاً عن مجرّد أجزاء أُسطوانيّة قد تبدو كذلك من الخارج، حيث جُهّزت غرفٌ صغيرة وأخرى كبيرة لاحتضان المُدخلات، والعبء والظروف المختلفة.

لنتخيّل أنّ سيارة فورمولا واحد تقترب من منعطفٍ، ويبدأ السائق بمرحلة الكبح، حيث ينتقل عندها وزن السيارة إلى الأمام بينما تتغيّر الأعباء الانسيابيّة.

في حال فهم فريقٌ ما بالكامل القصور الذاتي من وجهة نظرٍ حسابيّة فبوسعه تقديم استجابة رجعيّة من نظامي التعليق الأمامي والخلفي من شأنها إبقاء قاعدة السيارة ضمن هامشٍ مقبول، ما يُحسّن الأداء الميكانيكي (الذي يتضمّن استجابة الإطارات) والآخر الانسيابي.

وكنتيجة لذلك يكون بوسع السائق عبور المنعطف على سرعة أعلى والتسارع بشكلٍ أبكر عند مغادرته بالمقارنة مع الوضع الطبيعي.

تقدّم ريد بُل

انتشرت شائعاتٌ العام الماضي أنّ ريد بُل أحرزت تقدّماً في هذه الناحية، حيث كانت سيارتها قادرة على اعتماد زاوية انحناء إلى الأمام عالية من أجل المكاسب الانسيابيّة في المنعطفات لكنّ قسمها الخلفي يعود للانخفاض إلى الأسفل على الخطوط المستقيمة من أجل تقليص الجرّ على الجناحين.

دائماً ما يجب النظر إلى زاوية الانحناء إلى الأمام من وجهة نظرٍ تصميميّة، إذ أنّ اعتماد زاوية انحناءٍ مماثلة للتي تعتمدها ريد بُل ومكلارين على سيارة مرسيدس على سبيل المثال لن يؤدّي مباشرة إلى تحسّن في الأداء.

بالطبع يُعتبر ذلك بمثابة أداءٍ مدهشٍ للبناء عليه، لكنّ مجرّد رفع مؤخّرة السيارة لن يكون نافعاً ببساطة في حال لم تكن بقيّة الأسطح الانسيابيّة للسيارة متناغمة مع ذلك المفهوم.

تتمحور فلسفة ريد بُل حول بلوغٍ مستوىٍ مثاليٍ بالنسبة للهياكل الانسيابيّة التي تبدأ من الجناح الأمامي وحتّى الأرضيّة والناشر. لكنّ العائق أمام أدائه يتمثّل في الإطارات كما هو الحال دائماً، إذ أنّ تشتيت التيارات الهوائيّة المنفصلة عنها يُعدّ مفصلياً من ناحية إنشاء الارتكازيّة اللازمة في القسم الخلفي لإكمال ما يتمّ إنشاؤه في المقدّمة.

يُعدّ استخدام أنظمة "اتش بي سي" (التحكّم الهيدرويكي في الارتفاع) انسيابيّة معدّة بشكلٍ جيّد كما قامت بعض الفرق بتسميتها، أمراً لعب دوراً في نجاحات ريد بُل على مدار موسم 2016 لتجاوز فيراري.

بالنسبة لفريقٍ اعتمد على الدوام سياسة تقديم تحديثات انسيابيّة في كلّ جائزة كبرى، كانت ريد بُل بشكلٍ مفاجئٍ هادئة من تلك الناحية. عوضاً عن ذلك قامت العلامة النمساويّة بتحسين إعداداتها في كلّ جائزة كبرى، رُبّما اختبرت أجنحة أماميّة وخلفيّة مختلفة في بعض المناسبات، من أجل الحصول على أكبر مساحةٍ تشغيلٍ ممكنة للسيارة.

وفي حين أنّه يُعتقد أنّها ضحّت ببعض مواردها مبكّراً للتركيز على سيارة 2017، إلّا أنّ استحواذها المتداول على مقياسٍ لقوّة الهيكل ساهم في إحرازها لتقدّمٍ كبير.

ويقوم نظام "في.تي.تي" (اختبار المسار الافتراضي) بمحاكاة سيارة الفريق في جميع الجوانب ويسمح له بتشغيلها ضمن دورة المحاكي متضمّنة وحدة الطاقة.

كما يُمكن تشغيل نظام التعليق أيضاً ويُساعد ذلك الفريق على اتّخاذ بعض القرارات بخصوص الإعدادات الانسيابيّة والأخرى الميكانيكيّة قبل التوجّه إلى المسار.

أدّى ذلك إلى ما تمّ تأويله كانحناء للسيارة على الخطوط المستقيمة، ما يتسبّب في انخفاض الارتكازيّة والجرّ وزيادة السرعة على الخطوط المستقيمة، ما يُساعد الفريق على تجاوز بعض فوارق السرعة الناتجة عن وحدة طاقة رينو.

استخدام ريد بُل لنظام "اتش بي سي" مختلفٌ عن مقاربة مرسيدس، لكنّ كلا النظامين يهدفان لتحسين العلاقة بين جميع جوانب الهيكل لتحسين الأزمنة على المسار.

لذلك عندما تمّ سماع محادثة اللاسلكي بين ريكاردو وفريقه في أبوظبي، حيث تحدّث بالتفصيل عن تأثير إعدادات نظام التعليق، فهل أطلق ذلك عمليّة تفكيرٍ جديدةٍ لدى فيراري؟

قانوني أم لا؟

أدّت خطوة فيراري إلى الإشارة إلى ما تقوم به مرسيدس وريد بُل، لكنّهما الوحيدان في الوقت ذاته اللذان يعلمان ما يقومان به بالفعل.

لا يزال الجدل بخصوص ما هو مسموحٌ به وما هو ممنوعٌ متواصلاً مع الاتّحاد الدولي للسيارات "فيا"، لكن من وجهة نظر مرسيدس على الأقل فهي لا تزال مقتنعة أنّ النظام الذي استخدمته كلّما احتاجت لذلك في 2016 لا يخرق تأويل "فيا" لجزء انسيابيٍ متحرّك لذلك لا يُوجد تأثيرٌ من القوانين الأخيرة المعتمدة.

بالفعل، فإنّ ما هو ظاهرٌ في الوقت الحاضر أنّ توضيح فيراري قد تكون له تأثيرات على ما يُمكن أنّ ريد بُل كانت تُخطّط للقيام به لموسم 2017، حيث تسعى لدفع نظام تعليقها إلى الأمام أكثر.

وبالنظر إلى أنّ الجدل لا يزال متواصلاً فإنّ ذلك يُظهر مدى اقتراب الفرق ممّا تسمح به القوانين، وذلك يترك فيراري في مواجهة معضلة نوعاً ما. فهل ستواصل العمل على نظامها الخاص، أم أنّها ستتقبّل تأويل وايتينغ، أم أنّها ستواصل القتال وفتح المجال أمام احتجاجٍ خلال جائزة أستراليا الكبرى؟

ذلك يُعيد للأذهان ما حدث في 2009 عندما انطلق الجدل بخصوص الناشر المزدوج وإيمان فيراري بأنّ الاحتجاج بخصوصه في ملبورن سيكون كافياً للتخلّص منه.

رُبّما تشعر فيراري أنّها وجّهت ضربة إلى منافساتها بناءً على تأويل وايتنيغ، لكن لا شيء بتلك البساطة في الفورمولا واحد.

لكنّ شيئاً واحداً بات مؤكّداً في المقابل وهو أنّه قبيل الكشف عن سيارات 2017 الجديدة بالكامل، فإنّ مشكلة نظام التعليق من المرجّح أن تكون العقبة الأولى من بين الكثير منها المنتظرة بين الفرق أثناء مواصلة مراقبتها عن قرب لما يُقدّمه بقيّة المتنافسين.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
نوع المقالة تحليل
Topic تحليلات جورجيو بيولا التقنيّة