تحليل: لماذا ينبغي على الفورمولا واحد الاستمرار في معاقبة السائقين على إخفاقات فرقهم

تعالت مؤخّرًا الأصوات المندّدة بعقوبات شبكة الانطلاق التي يحصل عليها السائقون إثر تغيير الفرق لقطعٍ على المحرّك أو علبة التروس. بيد أنّ العواقب غير المقصودة للتخلّي عن تلك العقوبات قد تُمثّل ضربة موجعة للفورمولا واحد.

للوهلة الأولى، يبدو الجدل الدائر حول جدوى معاقبة السائقين على الأخطاء التي ترتكبها فرقهم ومزوّدو المحرّكات فيما يتعلّق بتغيير مكونات المحرّك وعلبة التروس جاذبًا ومثيرًا للاهتمام.

إذ أنّه في نهاية المطاف يتعيّن على المرء التساؤل عن سبب حصول السائقين على عقوبات تراجعٍ على شبكة الانطلاق بسبب أمرٍ خارج سيطرتهم؟ حيث أنّ لذلك تأثيرٌ كبيرٌ على بطولة السائقين، لذا لمَ لا يتمّ خصم نقاطٍ من الفرق عوضًا عن ذلك؟

تلك وجهة نظرٍ يتبنّاها بعض المتابعين البارعين للفورمولا واحد والذين عادةً ما يكون من الصعب للغاية عدم الاتّفاق معهم بالنظر إلى مدى منطقيّة معظم حُججهم.

وهنا يشارك موقعنا "موتورسبورت.كوم" في ذلك الجدل أيضاً، ليُشير إلى أنّ أولئك المتابعين مخطؤون في هذه الحالة، كونهم يتجاهلون الصورة الأكبر للمسألة.

في بعض الأحيان يكون "الشرّ" ضروريًا، وتلك هي الفئة التي تقع تحت طائلتها مثل هذه العقوبات. فماذا لو تمّ تغيير القوانين ليحصل الفريق على عقوبة خصم نقاطٍ بدلًا من تراجع السائق من مكان تأهّله؟ سيتعيّن علينا حينها تحديد نطاق النقاط الذي تفرضه العقوبة، لذا وضمن ذلك النقاش، دعونا نقول بأنّ نقاط الخصم ستوافق عدد مراكز التراجع على شبكة الانطلاق.

وعليه، ستُمثّل العقوبة خصم خمس نقاطٍ من الفريق ضمن بطولة الصانعين (عوضًا عن التراجع خمسة مراكز من مكان التأهّل) على إثر تغيير علبة تروسٍ لم تُستخدم لستّ جولاتٍ متتالية، 10 نقاطٍ لأوّل مكوّن جديد لوحدة الطاقة الخامسة وما بعدها، مع خمس نقاطٍ لأيّة عناصر إضافيّة داخل كلٍّ منها.

قد تكون النقاط أكثر من ذلك، وقد تكون أقلّ، إذ أشار البعض إلى أنظمة عقوبةٍ أكثر قسوة، بيد أنّ ذلك النظام الذي وضعناه يعمل من أجل توضيح ذلك المثال.

لكن وخلال استعانتك بذلك النظام المُقترح، ضع في الحسبان تلك الاحتماليّة: إنّها المراحل الختاميّة من البطولة، مرسيدس تتصدّر بطولة الصانعين بفارق 33 نقطة أمام ملاحقتها فيراري (بناءً على الفارق الحالي)، لكنّ لويس هاميلتون متأخّر في بطولة السائقين خلف غريمه سيباستيان فيتيل ضمن معركة محتدمة.

ربما تملك مرسيدس شاحنًا توربينيًا مميزًا ليس جيّدًا للمسافات الطويلة، بيد أنّه يوفّر أفضليّة في الأداء؟ أو ربما تكون هنالك علبة تروسٍ أخف ستمنح ذات التأثير.

وهنا يُمكن استخدام نقاط العقوبة تلك كـ"نقود"، تجعل مرسيدس قادرة على "شراء" مثل تلك الأفضليّة لسائقها أمام فيراري التي لا تملك ما يكفي لتحمّل تلك التكلفة؟

وتخيّل كذلك الاحتماليّة غير المرجحة باعتراف الجميع بأنّ أحد الفرق الكبيرة ينافس على لقب البطولة في مواجهة فريقٍ أصغر بكثير. حينها سيُمثّل ذلك الوضع وسيلة أخرى للمال من أجل شراء أفضليّة إضافيّة.

فلا تنخدعوا ويأتي في مخيلتكم أنّ الفرق لن تقوم بذلك. إذ أنّ مجهودات كبيرة تتوجّه نحو استخلاص أفضليّة ولو صغيرة. فحتّى الفروقات الصغيرة قد يكون لها تأثير كبير، وهل سيكون من الصحيح بالنسبة لهاميلتون أن يحصل على أفضليّة تقنية من خلال حقيقة أنّ فالتيري بوتاس يؤدّي بشكلٍ أقوى من كيمي رايكونن؟

يجب على الفورمولا واحد عدم السماح للمقايضة الاستراتيجيّة في نقاط بطولة الصانعين بالتأثير على معركة السائقين. إذ سيُعرّض ذلك الرياضة إلى مزيدٍ من الانتقادات ويؤدّي إلى السخرية من البطولة ككلّ.

يُشار إلى أنّه خلال السباقات التسعة الأولى من هذا الموسم، تراجع السائقون ما مجموعه 133 مركزًا على شبكة الانطلاق جرّاء العقوبات التي حصلوا عليها.

وممّا لا يُثير الدهشة أنّ 103 من تلك المراكز كانت نتيجة العقوبات التي حصل عليها سائقو مكلارين-هوندا ستوفيل فاندورن، فرناندو ألونسو وجنسن باتون (ضمن مشاركته الوحيدة مع الفريق هذا الموسم في موناكو).

لذا فإنّ الاستعاضة عن كلّ مركز تراجع بخصم نقطة من الفريق، سيجعل رصيد مكلارين في بطولة الصانعين "92-" نقطة. ناهيك عن القول بأنّ الجميع سيتذمّر حينها بأنّ حساب النقاط بالسالب يُعدّ أمرًا سخيفًا.

كما أنّ تطبيق مثل ذلك النظام كان ليؤثّر على فريقٍ مثل ساوبر كذلك، والذي كان ليكون الآن برصيد "5-" نقاط بفضل عقوبات تغيير علبة التروس التي حصل عليها مع أنطونيو جيوفينازي في الصين وباسكال فيرلاين في كندا.

لكن بالحديث عن الفرق الكبيرة، كان ذلك النظام ليخصم خمس نقاطٍ فقط من ريد بُل وأخرى من مرسيدس، والتي من المتوقّع أن تغلق الفارق في معركتها على لقب بطولة الصانعين.

كلّ ما ذكرناه بالأعلى قائمٌ برمّته على أمرٍ وحيد، ألا وهو أنّ القيود المفروضة على وحدة الطاقة وعلبة التروس ينبغي أن تكون متواجدة من الأساس.

نُذكّر بأنّه كانت هناك فترة اعتدنا خلالها رؤية محرّكاتٍ للتجارب التأهيليّة، تغييراتٍ متواصلة، علب تروس خارجة وداخلة. وهذا أمرٌ مكلف للغاية، وسيحدث مجددًا فيما بين أولئك الذين بوسعهم تحمّل تلك التكلفة في حال لم تكن هنالك قيودٌ مفروضة. وفي حال تعيّن عليك فرض قيود على هذه الأشياء، عندها يتوجّب عليك امتلاك نظام عقوبة من نوعٍ ما.

يُشار إلى أنّ مرسيدس تملك سجلًا نظيفًا إلى حدٍّ كبير عندما يتعلّق الأمر بعقوبات المحرّك. فخلال الموسم الأوّل لحقبة القوانين الجديدة، عندما كان يُسمح باستخدام خمس وحدات طاقةٍ لكلّ سائق، لم تتلقّ مرسيدس ولو عقوبة واحدة.

من الجدير بالذكر كذلك أنّه خلال الأعوام التي تلت حقبة المحرّكات ذات الثمانية أسطوانات بسعة 2.4 لتر السابقة، وصل عدد المحرّكات المسموح بها في الموسم الواحد إلى ثمانية لكلّ سائق. بيد أنّ تلك المحرّكات تجمّد إنتاجها خلال السنوات الستّ الأخيرة من تلك الحقبة، ما كان يعني عدم إجراء تغييرات، تطويرات وعدم اعتماد قطع جديدة.

بوسعك المجادلة بكلّ تأكيد حول ما إذا كان هيكل العقوبات الحالي صحيحًا، أو العمر المطلوب من علبة التروس ومكوّنات المحرّك، بيد أنّ هنالك حاجةً قانونيّة لذلك النظام. إذ أنّ إلغاء القيود من على أحد الجوانب سيزيد من النفقات، كما أنّه من دون عقوباتٍ كهذه، سيتوسّع الفارق بين من يملكون (الفرق المصنعيّة والمستقلة الكبيرة مثل ريد بُل) وبين من لا يملكون (بقيّة الفرق)، وهذا أمرٌ يرفضه الجميع كذلك.

عندما يتعلّق الأمر بقوانين كهذه، نادرًا ما يكون الوضع عادلًا. نعم، من المحبط أن يؤثّر أمرٌ ما، نادرًا ما يرتبط بالسائق، على معركته على لقب البطولة. (لكنّ ذلك لا ينفي أنّ هنالك العديد من علب التروس توجّب تغييرها بسبب الحوادث والاصطدامات)، لكن في نهاية المطاف يبدو الأمر هو ذاته كأيّة مشكلة متعلّقة بالموثوقيّة. فلطالما كان ذلك جزءًا من سباقات الجائزة الكبرى.

لذا فإن الخروج بقانون عقوباتٍ على الفرق في بطولة الصانعين، أو التخلّص من القيود المفروضة على المحرّك وعلب التروس تمامًا، سيُمثّل خطوة متهوّرة. كما أنّ ذلك سيُقلّل من قيمة البطولة التي تخوضها الفرق.

تخيّل كيف سيكون شعورك كعضو في الفريق عندما تكون هنالك مكافأة إضافيّة قائمة على المركز الذي أنهى به الفريق تتمثّل في جائزة مالية يتمّ التضحية بها لمساعدة سائقٍ واحد في معركته على لقب بطولة السائقين؟

فصل السيارة والسائق يُعدّ فكرة جيّدة، لكنّها مُضحكة كذلك. فسائقون مثل فرناندو ألونسو يمكن أن يعانوا لسنواتٍ بسبب تواجدهم داخل سيارة مكلارين، إذ أنّه من المحبط بالنسبة لنا من نتابع سباقات الجائزة الكبرى أن نرى قدراته ومهاراته تضيع هباءً بهذا الشكل. لكنّه استفاد كذلك من بعض السيارات الجيّدة في مسيرته.

إنّها دورة الحياة التي تتأرجح بينها داخل الفورمولا واحد. فعدم استطاعتك فصل السيارة عن السائق تُمثّل مشكلة أبدية في رياضة السيارات، لكنّها كذلك إحدى عوامل الجذب بها. فالأمر يتمحور كما يقولون حول "الإنسان والآلة" إذ أنّ ذلك التداخل بين التقنية والحواس الحية يُمثّل أهمّ عنصرٍ داخل تلك المنظومة.

نعم، في بعض الأحيان يكون الوضع غير عادل. نعم، قد يتسبّب ذلك في تشويه بعض الأمور. لكن وكما شرحنا بالأعلى، في حالة عقوبات شبكة الانطلاق، هذا هو الثمن الذي يتعيّن دفعه.

بطريقةٍ مثالية، يحتاج مصنّعو المحرّكات إلى تقديم سجلات موثوقيّة مُحسّنة. حينها، لن يكون ما تحدّثنا فيه موضع نقاشٍ من الأساس.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
قائمة السائقين أنطونيو جيوفينازي , فرناندو ألونسو , باسكال فيرلاين
قائمة الفرق مرسيدس , مكلارين , ريد بُل ريسينغ
نوع المقالة تحليل