تحليل: لماذا لم يتمكّن هاميلتون من اللحاق بروزبرغ بعد انطلاقته الضعيفة

حدّدت الانطلاقة الضعيفة التي قدّمها لويس هاميلتون من المركز الأوّل معالم سباقه في جائزة إيطاليا الكبرى، لكنّ البريطاني كان عاجزاً بعد ذلك عن اللحاق بزميله نيكو روزبرغ. يشرح لكم موقعنا "موتورسبورت.كوم" سبب ذلك.

خلطت انطلاقة هاميلتون الضعيفة الأوراق في سباق مونزا وأضافت لمسة غير متوقّعة على فترة ما بعد الظهر. لكن سرعان ما تبيّن أنّها مجرّدة لمسة عابرة، إذ كانت وتيرة مرسيدس قويّة بمستوىً سمح لبطل العالم بالعودة إلى المركز الثاني دون عناء كبير.

وبوصوله إلى تلك المرحلة كان روزبرغ قد ابتعد في الصدارة بفارقٍ كبير. وبالنظر إلى قيادتهما لنفس السيارة واتّباعهما لذات الاستراتيجيّة فلم يكن أمام البريطاني أيّة طريقة لإغلاق الفجوة مع غريمه التقليدي في السنوات الأخيرة.

وفي حين أنّ الوضع كان مثيراً بعض الشيء خلال اللفّات الافتتاحيّة، إلّا أنّ انطلاقة هاميلتون الضعيفة حرمتنا من رؤية المنافسة المباشرة بين ثنائي البيت الواحد. لن نعلم مطلقاً لصالح من كانت ستحسم المعركة المباشرة بينهما لو قدّم البريطاني انطلاقة طبيعيّة.

سيطرت مرسيدس على مجريات المواسم الثلاثة الأخيرة بمستويات متفاوتة بين جميع السباقات، لكنّنا توجّهنا نحو سباق السبت ونحن ندرك مدى تقدّمها على بقيّة منافساتها، إذ عبر ثنائي الفريق إلى القسم الثالث من التجارب التأهيليّة مستخدمين الإطارات الليّنة "سوفت" ليؤكّدا بذلك أنّهما سيتّبعان استراتيجيّة التوقّف الوحيد بالانتقال إلى التركيبة المتوسّطة وإكمال السباق على متنها.

في المقابل كان التزام منافسي السهام الفضيّة باستخدام التركيبة "فائقة الليونة" يعني توجّههم نحو اتّباع استراتيجيّة التوقّفين كون مجال الإطارات الحمراء لا يسمح لهم بإجراء توقّف وحيد.

كان ثلاثة سائقين آخرين من ركب الصدارة قادرين على بدء السباق باستعمال الإطارات الليّنة في سبا-فرانكورشان، كما أشار تقارب الأزمنة حينها إلى أنّ مرسيدس لن تكون في مواجهة مهمّة سهلة في سباق الأحد إلى أن وقعت حادثة المنعطف الأوّل.

حاولت ريد بُل العبور إلى القسم الثالث في مونزا مستخدمة التركيبة الصفراء، لكنّها فشلت في ذلك، تاركة هاميلتون وروزبرغ وحيدين في تلك الاستراتيجيّة. لكن حتّى في معسكر السهام الفضيّة كانت هناك بعض علامات الاستفهام حول ما إذا كانت تلك هي الاستراتيجيّة المثاليّة.

وقال بادي لوي المدير التقني لفريق مرسيدس لموقعنا «موتورسبورت.كوم»: "أعتقد أنّنا شعرنا أنّ هناك إمكانيّة كبيرة بامتلاكنا للوتيرة الكافية للقيام بذلك. لكنّك لا تعلم فعلياً ما سيحدث حتّى توجّهك إلى الحلبة ورؤية موقعك يوم الجمعة وفي التجارب الحرّة الثالثة أيضاً، حينها يكون بوسعك اتّخاذ قرارك النهائي إن كنت تتمتّع بفارق كافٍ".

وأضاف: "لكن تواصل النقاش حول ما إذا كان ذلك الخيار المناسب حتّى القسم الثاني من التجارب التأهيليّة، إذ كان أمامنا خيار استخدام الإطارات فائقة الليونة".

ويعود خيار مرسيدس في بلجيكا بتجنّب الإطارات فائقة الليونة يوم السبت إلى حقيقة عدم شعورها بالارتياح مع تلك التركيبة وعمرها القصير للغاية. لكن بالانتقال إلى إيطاليا كان ذلك الخيار نتيجة الاستراتيجيّة ومحاولة تفادي إجراء توقّفٍ إضافي.

وقال لوي في هذا الصدد: "في الحقيقة إذا نظرت إلى وتيرتنا يوم الجمعة، فقد كانت الإطارات فائقة الليونة الأفضل بالنسبة إلينا. كانت لدينا أفضليّة كبيرة بالمقارنة مع الجميع عند محاكاة اللفّات الطويلة. زاد ذلك من صعوبة النقاش: كانت إطارات رائعة بالنسبة إلينا، لكنّنا اخترنا عدم استخدامها خلال السباق!".

وأضاف: "تمحور الأمر حول إطالة الفترتين من أجل القيام بتوقّفٍ واحد هنا، دائماً ما كان استخدام التركيبة فائقة الليونة والأخرى المتوسّطة لاحقاً صعباً للغاية من أجل التوقّف مرّة واحدة".

وتابع: "خسارة التوقّف هنا كبيرة للغاية، أي أنّ إجراء توقّفين يستهلك الكثير من الوقت إذ بإمكانكم أن تتخيّلوا أنّه أثناء تواجدكم في المرآب فإنّ السيارات الأخرى تعبر على الخطّ المستقيم بسرعة 350 كلم/س. لكنّنا توقّعنا أن يتّبع عددٌ أكبر من السائقين تلك الاستراتيجيّة حتّى باستخدام الإطارات فائقة الليونة أكثر ممّا تبيّن في ما بعد".

هاميلتون يسير نحو المجهول

إحدى الأسباب وراء استخدام التركيبة المتوسّطة لفترة طويلة من السباق تعود لعدم استخدام هاميلتون إيّاها في التجارب الحرّة، إذ كان يملك مجموعة واحدة وكان دور روزبرغ لاختبارها يوم الجمعة اتّباعاً لسياسة مرسيدس.

نتيجة لذلك حصل هاميلتون على أوّل شعورٍ له على متن الإطارات المتوسّطة عند خروجه من خطّ الحظائر بعد إجراء توقّفه خلال السباق، لكنّ لوي أصرّ على أنّ ذلك لم يكن عائقاً أمام البريطانيّ.

حيث قال في هذا الخصوص: "ليس الأمر كذلك حقاً، في نهاية المطاف يجب عليك إنجاز الكثير من العمل المسبق على متن الإطارات الثلاثة يوم الجمعة، لا يُمكنك القيام بذلك مع سائقيك. لا توجد خسارة كبيرة من ذلك، يعلم السائقون كيفيّة العمل مع كلّ تركيبة ويتأقلمون. قمنا بذلك سابقاً في العديد من المناسبات".

وتابع: "يرغبان دائماً بتجربة التركيبة الأكثر ليونة يوم الجمعة، وتقوم بعد ذلك باقتسام العمل بينهما. ليست مسألة مهمة للغاية. نحتاج لذلك العمل من أجل البيانات، ليس الأمر كما لو أنّ السائقين بحاجة للتدرّب".

لكن تغيّر كلّ شيء مع الانطلاقة السيّئة التي شهدت تقدّم خمس سيارات كانت خلفه على شبكة الانطلاق بحلول المنعطف الأوّل. وجد البريطاني نفسه أمام عملٍ لم يكن بانتظاره.

بداية العودة

تجاوز هاميلتون منافسه دانيال ريكاردو سريعاً، لكن تطلّب منه الأمر عشر لفّات لتجاوز فالتيري بوتاس والتقدّم إلى المركز الرابع. تستخدم ويليامز محرّكات مرسيدس وكان الفنلندي يستفيد في البداية من الإطارات فائقة الليونة التي لم تدم في نهاية المطاف مثل إطارات هاميلتون الليّنة.

وحال بلوغ إطاراته آخر عمرها تراجعت وتيرته، لكنّ هاميلتون خسر وقتاً إضافياً ثميناً إلى أن تمكّن من تجاوزه على الخطّ المستقيم. بالعودة إلى الأمام كان المسار خالياً أمام روزبرغ وكان بوسعه التحكّم في وتيرته، ليقوم برفعها في الوقت ذاته الذي علق فيه هاميلتون خلف سيارة ويليامز.

إذ خلال اللفّة السادسة كان الفارق بين ثنائي مرسيدس 6.5 ثانية، لكن بحلول اللفّة الـ 11 التي تمكّن خلالها هاميلتون من تجاوز منافسه الفنلندي، تضاعف الفارق ليصل إلى 12 ثانية، أي أنّ تلك كانت مرحلة مهمّة من عمر السباق خسر فيها البريطاني الكثير من الوقت بالمقارنة مع زميله.

لكن عوض تقليص الفارق بعد خلوّ المساحة أمامه، إذ كانت سيارتا فيراري بعيدتين، ازداد الفارق إلى 14 ثانية في مرحلة أولى قبل أن يتراجع إلى 12 مع اقتراب فترة التوقّفات.

لم تعد فيراري تمثّل خطراً عند تلك النقطة إذ اتّضح أنّها تتّبع استراتيجيّة التوقّفين، بالرغم من أنّه بالتوجّه إلى السباق كانت مرسيدس غير واثقة بالكامل ممّا إذا كانت فيراري ستتّبع تلك الخطّة.

"استفدنا من الإطارات الليّنة" قال لوي، وأضاف: "افترضنا أنّ جميع من سيتعيّن علينا منافستهم سيتّبعون استراتيجيّة التوقّف الوحيد أيضاً، أي أنّ الأمر تمحور حول محاولة التغلّب عليهم من خلال حقيقة استخدامنا الإطارات الليّنة وليس الفائقة الليونة التي تسمح لنا بقطع مسافة إضافيّة".

وتابع: "كنّا جميعنا متساوين، لكن انقلبت الأمور لصالحنا بعد ذلك إذ اتّبع الجميع استراتيجيّة التوقّفين في نهاية المطاف".

أجرى روزبرغ توقّفه في اللفّة الـ 24 قبل أن يتبعه هاميلتون بعد لفّة واحدة. قلّص البريطاني الفارق قليلاً مع الانتقال إلى التركيبة المتوسّطة ليصل إلى 9.6 ثانية عند مرحلة ما، لكن لم يكن بوسعه التقدّم أكثر.

بعد ذلك عاد الفارق ليتّسع قليلاً وكان من الواضح أنّ الأمور تحت سيطرة روزبرغ.

وقال لوي: "أعتقد أنّ هاميلتون حاول اللحاق بروزبرغ عندما انتقل إلى التركيبة المتوسّطة. لكنّ المرحلة التي شاهدتم استسلامه فيها كانت عند قطعه المنعطف المزدوج. كان بوسعكم ملاحظة اكتفائه بالمركز الثاني عند تلك النقطة".

اعترف هاميلتون أنّ الفارق كان كبيراً للغاية ما يصعّب اللحاق بروزبرغ، حيث قال: "كان الفارق 15 ثانية عند مرحلة معيّنة، تمكّنت من تقليصه إلى 9 أو 10 ثوانٍ أو شيء من ذاك القبيل. لكن كان الفارق كبيراً للأسف لتقليصه بالإطارات التي كانت لدينا".

وأضاف: "كان عليّ إكمال السباق من دون توقّفٍ إضافي. لم يعد السباق مع روزبرغ بل أصبح سباقاً لضمان بقائي أمام السيارات الأخرى التي خلفي وعدم خسارة المزيد من النقاط".

ويعكس وضع البريطاني في سباق الأحد ما أصبحت تعيشه الفورمولا واحد في الحقبة الحاليّة، إذ أنّ معظم التركيز ينصبّ على الإطارات. وعندما تعتقد بأنّك تملك الوتيرة الكافية للحاق بأحدهم يُصبح الأمر مزعجاً.

وقال هاميلتون: "كان بوسعي مواصلة السير على تلك الوتيرة التي كنت عليها. رُبّما كان ذلك ليقلّص الفارق إلى 6 ثوانٍ. لكن لا يزال ذلك غير كافٍ للفوز بالسباق".

وأضاف: "لغلق فجوة 15 ثانية يجب عليك أن تكون أسرع بعدّة أعشارٍ من الثانية في اللفّة الواحدة، ثلاثة إلى أربعة ربّما. ستتآكل إطاراتك في نهاية المطاف".

هل كان بوسعه الضغط أكثر واللحاق بمنافسه الألماني؟

قال هاميلتون حيال ذلك: "رُبّما كنت لألحق به وربّما لا، لكن بالتأكيد حتّى لو لحقت به لما كانت الإطارات في حالة جيّدة لتجاوزه حينها. في حال كنت خلفه بـ 8 ثوانٍ في البداية فكنت لأقلّص الفارق آنذاك".

وتابع: "كنت لأمارس بعض الضغط عليه حينها وأكون في موقعٍ أفضل ربّما. لكنّ 15 ثانية فارقٌ كبير، فارقٌ كبيرٌ لتقليصه بالنظر إلى الإطارات اليوم".

سيطرة روزبرغ

كان روزبرغ يسير بالوتيرة التي يحتاجها فحسب، إذ في حال تقلّص الفارق فسيستجيب مباشرة بتسريع وتيرته لإعادة الوضع لما كان عليه.

وقال لوي: "لا تقلّلوا من شأن روزبرغ. لقد قام بعملٍ رائعٍ بإدارة إطاراته للإبقاء على سيارته قويّة باتّباع استراتيجيّة التوقّف الوحيد. كان غلق المكابح لمرّة واحدة ليهدم تلك الاستراتيجيّة".

من جانبه قال هاميلتون: "قدّم روزبرغ سباقاً رائعاً. لم يرتكب أيّ خطأ وقام بما يجب عليه القيام به. حالما تتقدّم إلى الصدارة هنا يكون الوضع واضحاً وبسيطاً: عليك إبقاء السيارة على المسار. لكن بالتراجع إلى المركز الخامس فقد استهلكت إطاراتي كثيراً من أجل العودة إلى الأمام وتجاوز السيارات الأخرى".

وتابع: "عندما أخبروني أنّ الفارق بيننا 15 ثانية...فقد كان ذلك عبارة عن الخطّ المستقيم الخلفي بأكمله. لم يكن بوسعي رؤية روزبرغ من المنعطف الـ 10 وحتّى الـ 11. كلّ ما توجّب عليه القيام به هو مماثلة بعض أزمنتي، وقام بذلك بالفعل".

وأضاف: "لو كان لدينا تماسكٌ أفضل وكان بوسعي الضغط مثل التجارب التأهيليّة لفّة تلو الأخرى، لكن الوضع لم يعد كذلك منذ فترة طويلة...".

لن يعلم أحدٌ ما كانت ستؤول إليه المنافسة بين ثنائي البيت الواحد لو حصل هاميلتون على انطلاقة طبيعيّة، أو حتّى تراجع خلف روزبرغ فقط في اللفّة الأولى. كان هاميلتون يتمتّع بأفضليّة واضحة على مدار اللفّة الواحدة، لكنّ روزبرغ أصرّ على أنّ لديه فرصة أفضل في السباق مهما كان السيناريو الذي سيقع.

وقال الألماني: "عندما كنّا بصدد محاكاة السباق في التجارب يوم الجمعة بدت وتيرتي قويّة حقاً. شعرت بأنّني جيّدٌ على الأقل، علمت أنّ بوسعي الضغط على هاميلتون في السباق في كلتا الحالتين، سواءً كان هو في الصدارة أم خلفي، علمت أنّ لديّ فرصة للفوز وتأكّد ذلك اليوم بطبيعة الحال، لذلك كان شعوري جيّداً حيال وتيرة السباق".

وأضاف: "كما كان شعوري جيّداً بخصوص وتيرة التجارب التأهيليّة، لكنّ هاميلتون حظي بأفضل أيّامه هذا الموسم يوم السبت، وعندما يحصل على أفضل أيّامه يكون من الصعب التغلّب عليه".

رُبّما لم يكن سباق مونزا أكثر السباقات إثارة، وربّما محبطاً للمشجّعين الذين رغبوا برؤية فيراري تضغط على مرسيدس على الحلبة الإيطاليّة.

لكن بالنظر إلى جدول ترتيب البطولة، 250 نقطة لهاميلتون مقابل 248 لروزبرغ مع بقاء سبع جولات على النهاية، إلى جانب الحلبات المقبلة التي عادة ما تقدّم سباقات مثيرة ويكون للمنافسين الآخرين دورٌ أكثر أهميّة بالمقارنة مع سباق مونزا، فلا يُمكن اعتبار المنافسة منتهية بعد.

وقال لوي: "يشعر البعض بالمزيد من الثقة بالتوجّه إلى هذا المسار. هذه حلبة متطلّبة للطاقة وكنّا أقوياء عليها في العام الماضي. لكنّني لا أتوجّه إلى أيّ سباقٍ واثقاً من أيّ شيء، ما عدا توجّهنا إلى الحلبة وبذل أقصى جهودنا".

وتابع: "كما تعلمون، يُمكن لأيّ شيء أن يحدث في هذه الرياضة، ولا يوجد مثالٌ أفضل من سباق سنغافورة العام الماضي حيث سارت الأمور على نحو خاطئٍ للغاية بالنسبة إلينا".

واختتم: "إحدى أهمّ نقاط الكبرياء للفريق تكمن في العودة إلى هناك والقيام بالأمور على النحو الصحيح هذه المرّة. ينصبّ تركيزنا الآن على اختبار ما إذا كانت تحليلاتنا صحيحة أم لا...".

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة إيطاليا الكبرى
حلبة مونزا
قائمة السائقين لويس هاميلتون , نيكو روزبرغ
قائمة الفرق مرسيدس
نوع المقالة تحليل

المنطقة الحمراء: ما هو الأهمّ حالياً