تحليل: لماذا لا تُعدّ المناوشات التقنيّة الأخيرة أمرًا جديدًا في الفورمولا واحد

دأبت فرق الفورمولا واحد على اتّهام بعضها بالتحايل على القوانين التقنيّة على مرّ الأعوام. لكنّ ذلك يُوفّر ذريعة رائعة لحلّ أشياء لم تكن مجدية في المقام الأوّل وفق ما كشفه بات سيموندز.

تحليل: لماذا لا تُعدّ المناوشات التقنيّة الأخيرة أمرًا جديدًا في الفورمولا واحد

يجلب كلّ موسمٍ من مواسم الفورمولا واحد جدلًا تقنيًا جديد يحبس اهتمام الفرق، و"فيا" والمشجّعين على حدّ السواء. تمحور الجدل في هذا الموسم حول الأجنحة المرنة، لكن على عكس مواضيع أخرى سابقة، مثل نظام "داس" الخاص بمرسيدس من العام الماضي، فإنّ جدل الأجنحة ليس بالأمر الجديد مطلقًا.

يُمكننا العودة إلى الثمانينات إلى ما يُعرف حينها بالملحق "جاي" في القوانين الرياضيّة، عندما كانت القوانين التقنيّة بأكملها تتكوّن من 11 صفحة مقابل 137 في يومنا هذا. نصّت القوانين حينها على الأنّ الهيكل الخارجي للسيارة يجب أن يكون مثبّتًا بشكلٍ صلب إلى هيكل السيارة ويجب أن يبقى ثابتًا في علاقته بالسيارة.

كان هناك استثناء وحيدٌ في الثمانينات من أجل السماح باعتماد الستائر المنزلقة، لكن حتّى تلك حُظرت لموسم 1981. بحلول العام 1982 فقد تمّ إخراج القوانين من الملحق "جاي" لتُصبح قوانين تقنيّة مستقلّة. كانت تلك بداية عمليّة تدقيق مفصّلة ومعقّدة للقوانين مع مرّ الأعوام.

وفي حين أنّه كانت هناك عدّة تصاميم متعمّدة أو سيّئة التصميم قد أنتجت هياكل انسيابيّة غير صلبة، إلّا أنّ الأمر تطلّب حتّى بداية الألفيّة الجديدة لاعتماد اختبارات إضافيّة لفحص قانونيّة الأرضيّة والأجنحة الأماميّة.

تجدر الإشارة إلى أنّ جميع الهياكل الهندسيّة سيتغيّر شكلها عند تسليط أحمالٍ عليها. يتمّ تصميم بعض المكوّنات وفق متطلّبات القوّة، بينما يتمّ تصميم أخرى وفق متطلّبات الصلابة، لكن يُتفهّم بأنّ المصمّمين يختارون بشكلٍ عام أخفّ الهياكل وزنًا التي تفي بمتطلّبات التصميم الفرديّة تلك.

وبالنسبة لتلك الأسطح التي تُؤثّل على الأداء الانسيابيّ للسيارة، فإنّ دراسة الأوزان بعناية ستؤدّي إلى مرونة بعض المكوّنات بشكلٍ كافٍ لتغيير أدائها الانسيابي، أي بعبارة أخرى ستكون لها درجة استجابة مرونة هوائيّة.

الجناح الخلفي لسيارة ريد بُل

الجناح الخلفي لسيارة ريد بُل "آر.بي16بي"

تصوير: جورجيو بيولا

ويتمحور السؤال الحقيقي حينها حول قدرة ذلك التغيّر في الشكل على تعزيز أو تثبيط الأداء العام للسيارة. لا يُعدّ قدر المرونة هو الأهمّ في الحقيقة، بل تأثيرها. ذلك يعني أنّ بعض أجزاء السيارة يُمكن أن تكون مرنة أكثر من أخرى في حال لم تكن نتائج تلك المرونة كبيرة على صعيد الأداء.

بالطبع من الصعب تحديد ذلك. إذ يُتقبّل أن تكون لمقدّمة الأرضيّة بعض المرونة من أجل ضمان عدم تضرّر هيكل السيارة عند  اصطدامها بالحفف الجانبيّة على سبيل المثال. لكنّ تلك المرونة، في حال عدم التحكّم فيها بعناية، قد تسمح للسيارة بالعمل بارتفاع منخفضٍ عن سطح المسار، وهو ما يزيد من الأداء بشكلٍ فوري.

وفي حين أنّه يُعتقد بأنّ المرونة تُستغلّ إمّا لزيادة الارتكازيّة أو خفض الجرّ، فإنّ هناك تأثيرات أخرى ذات فعاليّة عالية أيضاً. إذ تعوّدنا على رؤية استخدام مُركّبات مختلفة في مقدّمة الرفرفات من أجل القدرة على تحسين تغيّر شكلها عند تزايد الأحمال على سرعة عالية.

يسمح ذلك بإعداد السيارة من أجل التقليل من ضعف الاستجابة للانعطاف على سرعة عالية، بالتزامن مع التعويل على تغيّر التوازن الانسيابي من خلال الرفرفات المرنة من أجل الحفاظ على استقرار السيارة في المنعطفات السريعة. تطلّب الأمر عدّة أعوام قبل اعتماد اختبارات أكثر صارمة لإيقاف هذا السلوك.

انطلق الجدل الحالي بعد الاشتباه في ميلان بعض الأجنحة الخلفيّة إلى الخلف من أجل خفض الجرّ. لا يُعدّ ذلك بالأمر الجديد في الحقيقة.

فرضت "فيا" قيودًا صارمة على ذلك في 2004، وذلك عبر تقديم اختبارات سحبٍ إلى الخلف على الجناح الخلفي. وبشكلٍ مثيرٍ للسخرية فإنّ توجيهًا تقنيًا أصدرته "فيا" حينها أجاب على عددٍ من الأسئلة طرحها نيكولاس تومبازيس، الذي كان كبير المهندسين الانسيابيين في مكلارين حينها وأصبح الآن المسؤول عن الشؤون التقنيّة لسيارات المقعد الأحادي صُلب "فيا".

هناك العديد من الطرق التي يُمكن اتّباعها من أجل بلوغ هذا الهدف واستغلال القوانين إلى أقصى حدودها، ولا يُعدّ ذلك غشًا، بل ذلك سبب تلقّي المدراء التقنيين لتلك الرواتب لفعله. لذا في حال كانت بنية السطح الأساسي للجناح الخلفي مرنة نسبيًا وتجعل الجناح يميل إلى الخلف على سرعة عالية لمحاكاة تأثير نظام "دي آر اس" (لكن بدرجة أقلّ بشكلٍ واضح) فحينها في حال اجتاز ذلك الجناح كلّ الاختبارات، فذلك يعني أنّ تلك البنية قانونيّة.

نيكولاس تومبازس

نيكولاس تومبازس

تصوير: صور موتورسبورت

في حال اعتماد آليّة مثل النوابض المحمّلة مسبقًا داخل دعامة الجناح على سبيل المثال بغرض توفير مقاومة حتّى سرعة معيّنة قبل أن تتغيّر زاوية هجوم الجناح، فحينها قد لا يُعتبر ذلك الجناح قانونيًّا.

يسمح التطوّر التكنولوجي هذه الأيّام على صعيد هياكل المُركّبات المستخدة على صعيد ألياف الكربون وطبقاته بالحصول على قدر الصلابة المناسب الذي يطلبه المصمّمون، لكنّ قدر تلك الصلابة هو الذي يُسلّط عليه الضوء دائمًا. من شبه المستحيل أن يُجازف فريقٌ بشطب نتيجته من خلال محاولة "إخفاء أداة" داخل تجميع الجناح.

سهّلت الكاميرات عالية الدقّة والسرعة على السيارات والمزوّدة بتقنيّات تثبيت الصور مهمّة الفرق المُتّهِمة وصعّبت مهمّة الأخرى المُتّهَمة، كما أنّ متطلّبات "فيا" الأخيرة بوضع أهداف ظاهرة على الأجنحة لقياس مرونتها من خلال مقاطع الفيديو سهّلت العمليّة.

لا يُعدّ جدل مرونة الأجنحة في 2021 بالأمر الجديد، ولن يكون الأخير في تاريخ البطولة بالتأكيد، إذ أنّ العقول الباهرة في الفورمولا واحد ستسعى دائمًا لإيجادٍ طرقٍ لاستخراج المزيد من الأداء مع الحفاظ على قانونيّة التصاميم في ذات الوقت.

المشاركات
التعليقات
ماسي: "فيا" ستتعامل مع السباق القصير مثل أي جائزة كبرى اعتيادية

المقال السابق

ماسي: "فيا" ستتعامل مع السباق القصير مثل أي جائزة كبرى اعتيادية

المقال التالي

شوماخر: عادتي في خط الحظائر المغلق "كتاب مفتوح" أتعلّم منه

شوماخر: عادتي في خط الحظائر المغلق "كتاب مفتوح" أتعلّم منه
تحميل التعليقات