تحليل: لماذا كانت مخاطرة هاميلتون في الاستراتيجيّة لتفشل

طلب لويس هاميلتون من فريقه مرسيدس اتّباع استراتيجيّة مختلفة أثناء السباق من أجل التغلّب على زميله نيكو روزبرغ خلال جائزة البرازيل الكبرى، لكن كما يوضّح آدم كوبر، لم يكن ذلك ليصبّ في صالح بطل العالم.

ربّما لم تكن جائزة البرازيل الكبرى السباق الأكثر امتاعاً خلال هذا الموسم من بطولة العالم للفورمولا واحد، حيث من البديهي ألا نحظى بسباقٍ مثير لم يتضمّن دخول سيارة الأمان أو تساقط الأمطار كما لم يشهد سوى انسحاب سيارة واحدة.

مع ذلك، قدّم سباق إنترلاغوس بعض اللحظات المثيرة، يعود الفضل في ذلك إلى ماكس فيرشتابن، كما اتّضح أنّ فيراري وسيباستيان فيتيل على وجه الخصوص كانا أقرب من مرسيدس أكثر من أيّ سباق "طبيعي" هذا الموسم ما يبشّر بمستقبل أكثر تنافسيّة.

لقد ساهم حضوره في إبقاء أبطال العالم على أهبة الاستعداد، كما أعطى لمسة إضافيّة على ما كان من المنتظر أن يكون معركة اعتياديّة بين ثنائي مرسيدس. كان فيتيل قريباً بما فيه الكفاية لجعل مرسيدس تستجيب لما يقوم به.

كان السباق بمثابة معركة القطّ والفأر بين روزبرغ وهاميلتون، على الأقلّ إلى حين تراجع البريطاني خلال اللفّات الأخيرة من عمر السباق بعد أن اقتنع أنّه ليس بوسعه التقدّم إلى الصدارة.

بطل العالم لم يخفِ احباطه على جهاز الراديو، وكما كان عليه الحال في المكسيك، أثار ذلك ضجّة بعد تشكيكه في استراتيجيّة الفريق.

لم يُرد هاميلتون إجراء توقّف احترازي في السباق الماضي، حيث كانت مرسيدس تتمتّع بفارق كبيرٍ في الصدارة يخوّلها القيام بذلك. لكنّه كان يطالب هذه المرّة بأيّة خطّة بديلة تمكّنه من خطف الصدارة من براثن زميله روزبرغ.

كما شاهدنا خلال المواسم الماضية بالنسبة للمعارك بين ثنائي مرسيدس، كانت التجارب التأهيليّة والانطلاقة تلعبان دوراً جوهرياً. بعد خسارته الصدارة على الانطلاقة في اليابان والولايات المتّحدة الأمريكيّة، قام روزبرغ بعملٍ جيّدٍ في المكسيك والبرازيل، لذلك علم هاميلتون مباشرة أنّه سيواجه سباقاً صعباً.

لكنّه كان مباشرة خلف زميله طوال الفترة الأولى فقد كان متخلّفاً بـ 1.5 ثانية عندما أجرى روزبرغ توقّفه الأوّل عند اللفّة الـ 13. الألماني خسر بعض الوقت عندما أفسح المجال أمام مواطنه فيتيل، لكنّ ذلك لم يؤثّر كثيراً كون هاميلتون حظي بتوقّفٍ بطيء في اللفّة التالية.

وقال بادي لوي لموقعنا «موتورسبورت.كوم»: "هناك أفضليّة بحوالي ثانية على الأقل في حال أجريت توقّفك قبل منافسك بلفّة. لذلك كان هاميلتون سيخسر وقتاً إضافياً في جميع الأحوال".

بدأ الوضع يصبح أكثر إثارة خلال الفترة الثانية على متن الإطارات المتوسّطة. بعد عدّة لفّات، قلّص هاميلتون الفارق إلى 0.5 ثانية، حيث بقي يتأرجح بين 0.4 و0.8 ثانية في اللفّات التالية. كما تمّ إعلام روزبرغ : "هاميلتون يحاول جاهداً"، حيث كان ذلك ربّما رسالة مشفّرة للألماني.

كان روزبرغ يدير السباق عند تلك النقطة حيث كان يضغط فقط إلى القدر الذي يحتاجه حيث كان يتوقّع أن يجري هاميلتون توقّفاً آخر فقط. علم السائقان أنّ عليهما إطالة عمر الإطارات.

وقال لوي حيال ذلك: "ربّما كانت هناك بعض اللحظات أثناء السباق حيث كان روزبرغ يرزح تحت ضغط كبيرٍ من هاميلتون".

وأضاف: "لكنّني أعتقد أنّه كان يدير وتيرته معظم فترات السباق بشكلٍ عام. علم أنّ استراتيجيّة توقّفين تتطلّب إطالة عمر الإطارات، لذلك لم يكن هنالك داعٍ للحصول على فارق خمس ثوانٍ إذا كان بإمكانه إدارة السباق بفارق ثانية ونصفٍ فقط. اقترب هاميلتون كثيراً عند إحدى النقاط، أليس كذلك؟ لم أكن لأعلم سبب ذلك من خلال مشاهدة السباق في التلفاز فقط".

فزع هاميلتون؟

في تلك الأثناء، طلب هاميلتون من فريقه بعد مرور حوالي 20 لفّة: "لن يطول عمر إطاراتي على هذا النحو" ليجيبه فريقه بعد عدّة دقائق: "مستويات التآكل تبدو منخفضة على جميع السيارات بما في ذلك نحن".

لكنّ الإطارات بدأت تمثّل مشكلة بسبب بقائه لفترة طويلة خلف روزبرغ. بدا أنّ بطل العالم دخل مرحلة الهلع حيث أخبر فريقه: "من المستحيل السير خلف سيارة أخرى هنا". بالنظر إلى أنّ حلبة إنترلاغوس معروفة بكثرة التجاوزات عند المنعطف الأوّل فهل كانت تلك تعليقات عادلة من بطل العالم؟

وقال لوي في هذا الصدد: "لأكون صادقاً لا أعتقد أنّ الأمر صعب بصورة خاصة هنا، أعتقد أنّه كان يقدّم تعليقات يقوم بها أيّ سائق يعجز عن تجاوز السيارة التي أمامه. كان بإمكانكم رؤية مدى اقترابه من روزبرغ إذ يعدّ ذلك طبيعياً بما أنّهما على نفس السيارة".

وأضاف: "أنت تحتاج إلى أداء إضافي لتتمكّن من تجاوز السيارة التي أمامك. كانت هناك الكثير من التجاوزات أثناء السباق، رأيتم كيف تمكّن هاميلتون من تجاوز رايكونن، في حال كنت أسرع من السائق الذي أمامك بحوالي ثانية في اللفّة فيمكنك التجاوز هنا".

من جهته واصل هاميلتون حواره مع الفريق حيث قال: "هل يمكنكم تغيير استراتيجيّتي رجاءً؟ أنا أسرع منه لكن لا يمكنني الاقتراب كثيراً".

أخبره الفريق بأنّ الخيار الوحيد أمامه هو إطالة الفترة الثانية من السباق من أجل الحصول على فارق في عمر الإطارات مع روزبرغ خلال الفترة الأخيرة. بعد ذلك مباشرة، تراجع هاميلتون إلى الخلف قليلاً ليرتفع الفارق إلى ثلاث ثوانٍ.

كانت خطّة مرسيدس تقضي بالتوقّف مرّة لمرّة أخيرة قرب اللفّة الـ 40 لكنّ تلك الخطّة ذهبت أدراج الرياح. أجرى فيتيل توقّفه الثانية عند اللفّة الـ 32 منتقلاً إلى الإطارات الليّنة، كانت مخاطرة عدوانيّة أكّدت انتقاله إلى استراتيجيّة ثلاث توقّفات.

قرّرت مرسيدس اتّباع ما قام به الألماني بالانتقال إلى الخطّة البديلة أي ثلاثة توقّفات، بالرغم من مواصة سائقيها استخدام الإطارات المتوسّطة. نتيجة لذلك تبخّرت خطّة هاميلتون بالبقاء لفترة أطول من أجل الحصول على فترة قصيرة بعد توقّفه الثاني.

وقال لوي في هذا الخصوص: "خسرنا كلّ ذلك بسبب استراتيجيّة فيتيل. عندما قام بتوقّفه الثاني دخلنا حينها ضمن نطاق استراتيجيّة التوقّفات الثلاثة".

في جميع الأحوال، لن نعلم مطلقاً ما إذا كان هاميلتون سيجعل تلك الخطّة تصبّ في صالحه بالنظر إلى أنّه كان يعاني مع إطاراته أصلاً.

أجرى روزبرغ توقّفه في اللفّة الـ 33 في حين توقّف هاميلتون بعده بلفّة بعد أن أخبره الفريق الجملة الشهيرة "إنّه وقت المطرقة".

وقال لوي: "حالما انتقل فيتيل إلى استراتيجيّة ثلاثة توقّفات، حيث كنّا نمتلك فارق يخوّل لنا إدارة خطّته بشكلٍ آمن، كان من الآمن أن نقلّد ما قام به. كانت هناك مخاطرة صغيرة بصعوبة تجاوز رايكونن بالنسبة لهاميلتون، لكن كما شاهدنا تمكّن من القيام بذلك مباشرة".

وكما هو معتاد، كان روزبرغ حريصاً على الحصول على بعض المعلومات حول زميله حيث قال: "ماذا حدث لهاميلتون في نهاية الفترة، هل تآكلت إطاراته؟"، وجاءه الجواب: "أجل، أجل، لم يكن بوسعه الإبقاء على وتيرته".

في حال كان هاميلتون قد تراجع بشكلٍ متعمّدٍ في محاولة منه لإطالة عمر إطاراته، فسيندم على ذلك عند تلك النقطة حيث يعني تغيير الاستراتيجيّة عدم حصوله على أيّة مكاسب. بدل ذلك، توجّب عليه العمل مجدّداً لتقليص فارق تلك الثواني الثلاث مع روزبرغ.

فيتيل يدخل المعادلة

خلال اللفّة الـ 45 تمكّن هاميلتون من خصم ثانية كاملة من الفارق بينه وبين زميله الألماني، بدا أنّه سيلحق به سريعاً، لكنّ فيتيل لعب دوراً مهماً مرّة أخرى وتوجّب على مرسيدس الاستجابة مجدّداً.

بعد فترة قصيرة على متن الإطارات اللينّة، أجرى سائق فيراري توقّفه في اللفّة الـ 47 وتوجّب على مرسيدس التوقّف عند تلك النقطة حيث أجرى روزبرغ وهاميلتون توقّفيهما الأخيرين تباعاً.

توجّب على الفريق التفكي ملياً، كما كان الأمر مماثلاً بالنسبة للسائقَين حيث بدا ذلك واضحا عندما سأل روزبرغ حيال هاميلتون: "هل توقّف؟"، ليجيبه مهندسه: "أجل، توقّف هاميلتون وهو خلفك بثانيتين" قبل أن يضيف لاحقاً: " إنّه يحاول جاهداً (نفس الرسالة مجدّداً)، سيكون تآكل إطاراته مماثلاً لإطاراتك في حال أبقيت على نفس الوتيرة".

لم يكن أيٌ من السائقين جاهزاً لإضاعة الوقت. سجّل روزبرغ أسرع توقين في السباق خلال اللفّة الـ 51 حيث بلغ 1:15.136 دقيقة لكن سرعان ما حطّمه هاميلتون مسجّلاً 1:14.832 دقيقة في أولى لفّاته بعد التوقّف. بقي ذلك التوقيت أسرع لفّة في السباق، لكنّ الفارق تقلّص إلى 1.2 ثانية في مرحلة أولى قبل أن يبلغ 0.8 ثانية بعد ذلك بقليل وبدا أنّنا على أعتاب معركة ثنائيّة حتّى النهاية.

تبعثرت الأمور قليلاً عندما خسر هاميلتون بعض الوقت أثناء تجاوزه رومان غروجان بلفّة كاملة، حيث أغلق مكابحه ما تسبّب في تسطّح إطاره الأمامي الأيمن.

بعد ذلك بقليل أخبر فريقه أنّه تسبّب في ضرر للغطاء السفلي لسيارته ملقياً اللوم على الحفف الجانبيّة. أخبره الفريق: "البيانات الانسيابيّة تبدو عاديّة، لا توجد أيّ مشكلة"، لكن بدا أنّه غير مرتاحٍ حيث بدأ الفارق يتّسع مع بقاء حوالي عشر لفّات على النهاية.

هاميلتون يقبل الخسارة

"أعتقد أنّ هاميلتون تقبّل عدم قدرته على المنافسة على الصدارة لذلك تراجع قليلاً واكتفى بالمركز الثاني" قال لوي.

ارتفع الفارق في النهاية إلى 7.7 ثانية وهو ما لا يعكس حقيقة وتيرة هاميلتون. حقيقة تواجد فيتيل على بعد 6.4 ثانية كانت دليلاً على عدم مخاطرة مرسيدس من ناحية الاستراتيجيّة.

كان من المثير رؤية ثنائي مرسيدس يواصلان معركتهما بعد السباق أمام وسائل الإعلام حيث قال روزبرغ: "كنت أملك وتيرة أفضل من هاميلتون هذا اليوم لذلك لم يكن بوسعه تجاوزي حيث كان الفارق في النهاية ستّ ثوانٍ".

ليجيب هاميلتون بعد لحظات: "على عكس ما قاله روزبرغ، كنت مباشرة خلفه في إحدى فترات السباق لكنّني لم أتمكّن من تجاوزه. لم أكن قادراً على الاقتراب بما فيه الكفاية في اللحظات الأخيرة كما أحرزت أسرع لفّة في السباق، لذلك من الواضح بأنّني كنت أمتلك وتيرة سريعة..."

كانت تلك تعليقات رائعة من سائقين على مستوىً عالٍ من التنافسيّة. كما كان من المثير سماع بعض التشكيك من هاميلتون في الاستراتيجيّة حيث قال: "توقّع الفريق أن يطول عمر الإطارات أكثر ممّا كانت عليه وهو ما لم أكن متأكّداً منه قبيل انطلاق السباق، إذ تبيّن فيما بعد أنّها لن تدوم..."

بعبارة أخرى، كان هاميلتون بصدد تقديم رسالة مشفّرة أنّه يمتلك أحياناً معرفة أفضل من الفريق. من الممكن أن لا نعتبر ذلك أفضل ما يمكن قوله بالنظر إلى أنّ الفريق ساعده على الفوز ببطولتين متتاليتين.

كما يجب النظر إلى طريقة إدارة مرسيدس للاستراتيجيّات بين سائقيها وهو ما ساهم في بعض الإحباط من جهة هاميلتون خلال السباقات الأخيرة.

يواجه الفريق مهمّة صعبة للقيام بالأمور المناسبة من دون تفضيل أحد سائقيها على الآخر لتقديم معركة نزيهة ليشاهدها العالم بأسره، لكنّ الاعتقاد السائد في معظم الأحيان أنّ أحد السائقين مُنع من الحصول على فرصة تجربة شيء مختلفٍ للتغلّب على منافسه.

وقال لوي حيال هذا الموضوع: "أعتقد أنّ الموضوع أكثر بساطة من ذلك، هنالك في بعض الأحيان استراتيجيّة بديلة ونتحدّث عن ذلك صباح الأحد. أفضل مثال على ذلك يكون باستخدام استراتيجيّة إطارات ليّنة - قاسية - ليّنة أو ليّنة - ليّنة - قاسية أو شيء مشابه لذلك بدل القيام بعدد مختلفٍ من التوقّفات".

وأضاف: "في حال كان ذلك متاحاً للسائق الذي يحتلّ المركز الثاني في معركة ثنائيّة نوضّح ذلك بشكلٍ مسبق، حينها نقوم بتغيير استراتيجيّة السائق الثاني لإعطاء كليهما فرصة الفوز بالسباق من خلال الاستفادة بالوتيرة الأسرع. نظرياً تكون الاستراتيجيّة البديلة أسوأ من الاستراتيجّة الأساسيّة، بدل ذلك كنّا لنعطيها للسائق الذي في الصدارة".

ثمّ تابع: "لكنّك تحاول إعطاءهما الفرصة للحصول على الوتيرة الأسرع. لكنّ استراتيجّة التوقّفات الثلاث كانت أبطأ بعشر ثوانٍ. يمكن لهاميلتون أن يطلب ما يشاء، لكنّه كان يعلم ذلك، لم يكن الأمر يستحقّ المخاطرة".

واختتم: "لو كنّا متقدّمين بـ 40 ثانية عن فيتيل لقبلنا بتلك المخاطرة، لكنّ الوضع كان مختلفاً إذ كان عليه تجاوز ثنائي فيراري".

هل ستتواصل هذه القصّة في أبوظبي؟ بالتأكيد، يمكن لهاميلتون أن يجعل الأمور أسهل بالنسبة إليه من خلال خطف قطب الانطلاق الأوّل...

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة البرازيل الكبرى
حلبة انترلاغوس
قائمة السائقين لويس هاميلتون , نيكو روزبرغ
قائمة الفرق مرسيدس
نوع المقالة تحليل