تحليل: لماذا قد يحدّد كلٌّ من بوتاس ورايكونن نتيجة معركة اللقب لموسم 2017؟

مع بدايةٍ قوية لموسم 2017 من الفورمولا واحد والفارق الضئيل بين الفائزين، أصبحت التوقعات حيال البطولة متقاربةً للغاية. ما يعني أن أداء السائق الثاني في كلٍّ من فريقَي فيراري ومرسيدس سيكون حاسمًا.

لن تتكرّر أحداث موسم 1986 للفورمولا واحد كلّ عام، عندما كان ثنائي فريق ويليامز البريطاني نايجل مانسيل والبرازيلي نيلسون بيكيه يقتنصان النقاط من بعضهما البعض، حين ساعد انفجار للإطارات في شوارع آديلايد على منح الفرنسي آلان بروست لقب بطولة العالم خلف مقود سيارة مكلارين الأقل قوة. ما يثبت صحة الحكمة التقليدية.

غالبًا ما يشار إلى ذلك الموسم كدليلٍ داعم لاستراتيجية أيّ فريق يقوم بتعيين سائق أول يحظى بالأولوية وسائق ثانٍ يلعب دور المساعد. وبينما كان سائقا فريق ويليامز يخوضان معركةً ثنائيةً بينهما، لعب الفنلندي كيكي روزبرغ دور المساند لبروست في فريق مكلارين وذلك خلال الموسم الأخير له في الفورمولا واحد.

ولكنّ ما يجري في 2017 يهدّد صحّة هذه النظرية التي تحاول تجسيد استراتيجية السائق الأول والثاني كحلّ شامل يعطي دائمًا مردودًا جيدًا في جميع السباقات على اختلاف ظروفها.

استثمار كامل الإمكانيات

في حال استمرت المنافسة على اللقب ما بين مرسيدس وفيراري محتدمةً لبقية الموسم، فإنّ على الفريقين الاستفادة القصوى من كامل الأسلحة التي يمتلكانها. ما يعني بأن الفنلنديّين فالتيري بوتاس وكيمي رايكونن سيحددان هوية الفائز باللقب العالمي.

وضمن صراع محتدم على اللقب قد يُحسَم بفارق نقاطٍ قليلةٍ فقط، فإنّ تأثيرهما قد يكون كبيرًا للغاية على مصير البطولة في حال بقيا ضمن دائرة المنافسة.

خلال الجولات الثلاث الأولى لم يتمكن كيمي ولا بوتاس من خطف أيّة نقاطٍ من أمام زميليهما في الفريق. ولو حصل ذلك، فإنهما كانا ليتسببان لهما بالمزيد من المشاكل، إذ خسر فيتيل الوقت خلف رايكونن في سباق الصين، فيما علق هاميلتون خلف بوتاس في سباق البحرين.

وهذا هو السبب الذي دفع توتو وولف مدير فريق مرسيدس للتصريح بعد سباق جائزة البحرين الكبرى بأن "قواعد الاشتباك" المملة (والتي يبدو بأنها تدعى الآن بـ "نيّة التسابق") ستتضمن إجراءات لمنع أي سائقٍ من حجز الآخر. ولكن، ليس من أجل السبب الذي يعتقده الجميع.

ومع تواجد بعض التفاصيل الدقيقة التي تحدد السباقات - حيث اعتمد جميع من فاز بأوّل ثلاث جولات من هذا الموسم على القرارات الاستراتيجية وسيارات الأمان التي أثرت على المراكز – فقد ازدادت أهمية السائق الثاني ضمن الفريق.

فقد يتمكن من إفساد سباق الفريق الخصم وأن يخطف بعض النقاط من أمامه، ولكن من المهم ألّا يؤخّر السائق الآخر في الفريق. وهنالك فَرق ما بين ضمان هذه المهمة، وما بين الحكم على أحدهما بلعب دور السائق الثاني بشكل دائم.

ولا تتعلق هذه المهمة فقط بمنح الأفضلية لأحد السائقين على الآخر. إذ وعلى مدار الموسم، من المحتمل أن يتصدّر بوتاس أو رايكونن المشهد العامّ. وفي هذه الحالة سيكون من المهمّ للسائق الذي ينافس على اللقب أن يستطيع زميله حصد أكبر عدد من النقاط.

وسيكون من الأفضل لهاميلتون أن ينهي السباق ثالثًا خلف بوتاس الفائز وفيتيل في مركز الوصافة على أن ينهي هو السباق في المركز الثاني خلف فيتيل وأمام بوتاس – وهو الفارق ما بين خسارة ثلاث نقاط لصالح فيتيل إذا أنهى خلف بوتاس أو خسارة سبع نقاطٍ إن كان هو الوصيف خلف فيراري الفائزة. إذ لطالما تحدّد مصير اللقب بفوارق أقلّ من هذه.

ولكي نبني تصورًا موسعًا عن هذا المثال، لنفترض جدلًا بأن فيتيل يتصدر أمام هاميلتون وبوتاس، ولكنّ الأخير يتمتع بوتيرةٍ أسرع، وسُمح للفنلنديّ بتجاوز هاميلتون والانطلاق لمهاجمة فيتيل ولكنه أخفق في هذه المهمة، فإنّ سائقي مرسيدس وببساطة يمكنهما تبادل المراكز لاحقًا. بالطبع في هذه الحالة، فإنّ المهمة ستزداد صعوبة في حال اضطرّ بوتاس للتعامل مع سيارتَي فيراري.

مهمة السائق "الثاني"

لذا ستتمحور مهمة السائق "الثاني" حول تقليل الأضرار التي ستلحق بزميله الذي ينافس على اللقب، مع مضاعفة الأضرار التي تلحق بالفريق الآخر. ومن أجل أن يتاح للفريق استغلال أقصى فرصة ممكنة، فإنه من المهم للغاية ألّا يعيق السائق الأبطأ في أية نهاية أسبوع زميله الأسرع. ولكي تؤتي هذه الخطة ثمارها، يتعيَّن في بعض الأحيان الاستعداد لمنح الأفضلية للسائق الذي قد ينهي البطولة في مركزٍ أبعد عن اللقب.

ومن المهم للسائقين أن يساهموا في ذلك أيضاً، لأنك إن كنت سريعًا بما يكفي فإنّ ذلك ينعكس عليك بالإيجاب. وأكبر مثالٍ على هذا هو ما حصل مع فريق ويليامز خلال موسم 2014 في سباق ماليزيا، حيث أججّت الحظيرة البريطانيّة الخلاف حول أوامر الفريق عندما حاولت الطلب من سائقها البرازيلي فيليبي ماسا السماح لبوتاس بالتجاوز خلال تواجدهما في المركزين السابع والثامن ضمن المراحل الأخيرة من السباق.

بدا ذلك الطلب معقولاً، حيث كان البريطاني جنسن باتون سائق مكلارين يحتلّ المركز السادس بينما لم يكن باستطاعة ماسا تجاوزه، لذا كان المنطقي أن يسمح لبوتاس بتجاوزه.

لكن للأسف، كانت اللغة التي استخدمها الفريق مع ماسا فجّة بعض الشيء حين أوضح أن بوتاس أسرع منه، في تكرارٍ لحادثة سباق جائزة ألمانيا الكبرى في 2010 عندما كان في صفوف فيراري (وكانت أوامر الفريق محظورة آنذاك، بينما كانت مسموحةً في 2014) مما كان له صدىً سلبي، بينما اعترض ماسا عليه.

ولم تساعد ردة فعل الفريق على ذلك بعد السباق، فحاولت كلير ويليامز نائب مدير الفريق رسم خطٍ ما بين أوامر الفريق والقرارات الاستراتيجية، لكن خطوتها تلك كانت غير منطقية. ولحسن الحظ تبع ذلك تفسيرٌ مقنع حول مسؤوليات الفريق في مثل هذه الحالات.

إذ قالت ويليامز: "أميل لأن أصف هذه الأمور بأنها تعليمات وقرارات استراتيجية، ونعتها بأنها أوامر فريق ينطوي على كمٍ من المفاهيم السلبية التي لا أعتقد بأنها موجودة".

وأضافت: "نحن فريق سباقات يتعيَّن عليه تسجيل أقصى قدرٍ ممكنٍ من النقاط في بطولة الفرق، كما يعرف سائقانا ذلك ويتفهمانه".

وأكملت: "كفريق، هذه هي القرارات التي سنتخذها من أجل ضمان تسجيل أكبر قدرٍ ممكنٍ من النقاط. وهدفنا يتمحور حول حصد العدد الأقصى الممكن منها والسماح لسائقينا بالتنافس على الحلبة".

إنه موقفٌ منطقيٌّ للغاية، وهنالك فارقٌ كبيرٌ بين ما قامت به فيراري في جائزة النمسا الكبرى في 2002، عندما رفع البرازيلي روبنز باريكيللو قدمه عن دواسة الوقود عند المنعطف الأخير ليمنح زميله الألماني مايكل شوماخر الفوز على طبقٍ من ذهب، على الرغم من أن الفريق الإيطالي كان يمتلك أفضليةً كبيرة على صعيد النقاط – وبالتالي تحديد النتيجة مسبقًا – حيث أصدر أوامر لعَكس نتيجة السباق.

ربما يلقي البعض بالانتقادات، ولكن ذلك سينعكس أيضاً على ما يمكن تسميته نوايا التسابق لدى مرسيدس التي ترغب في استخدام أوامر الفريق عندما يكون ذلك مناسبًا. على الأرجح سيستفيد هاميلتون من ذلك، ولكنّ السهام الفضية ستستعملها أيضًا لمنع البريطاني من تهديد سباق بوتاس في حال كان الأخير يمتلك الأفضلية، وهذا هو القرار المنطقي لاتخاذه.

أخذ العبر من المواسم السابقة

بالنظر إلى آخر المنافسات على لقب البطولة، فإنّ موسم 2012 يعتبر حالةً رائعة لدراستها. إذ تمكن فيتيل من التغلب على الإسباني فرناندو ألونسو في معركة اللقب بفارق ثلاث نقاط بعد جولةٍ نهائيةٍ شابها التوتر على حلبة إنترلاغوس البرازيلية.

تحصل أشياء مثيرة للاهتمام عندما تُشكّل عاملًا مؤثرًا على أدوار زميلك في الفريق. وإذا ألغيت النقاط التي أحرزها مارك ويبر الذي قاد سيارة ريد بُل الثانية، فإن ألونسو كان سيحرز اللقب بفارق خمس نقاط. ولو لم يكن هنالك ويبر أو ماسا لأحرز ألونسو اللقب أيضاً بفارق ثلاث نقاط.

وبينما كان لدى فريق ريد بُل سيارة أفضل من فيراري في 2012، فإن الفارق ما بين فيتيل وويبر وصل إلى 0.173 بالمئة (استنادًا على معدل أسرع لفة في نهاية الأسبوع). وبالمقارنة نجد بأن الفارق ما بين ألونسو وماسا وصل إلى 0.410 بالمئة.

يمكن التوصل إلى نتيجةٍ مقنعةٍ للغاية: في موسمٍ بطوليّ لألونسو، لو كان لديه سائقٌ ثانٍ قريبٌ إليه كما كان ويبر بالنسبة لفيتيل. ولو حظي بمثل هذا الزميل لكان باستطاعته أو ربما كان ليفوز بالفعل باللقب، لأنّ منافسه الرئيسي كان ليخسر المزيد من النقاط.

وعلى نحوٍ مثير، كان موسم 2010 شبيهًا بذلك، ومرةً أخرى إذا ألغينا دور زميلي ألونسو وفيتيل، فإن اللقب كان سيذهب إلى ألونسو. هذا على الرغم من أن ويبر سبّب الكثير من المشاكل لفيتيل في ذلك الموسم.

أهمية الإدارة التفاعلية

الخلاصة في حديثنا هذا هو أنه عندما يكون لدى أحد الفرق أفضليّة واضحة، فإن وجود سائقٍ ثانٍ قوي هو أمرٌ جيدٌ تمامًا. وعندما تكون المنافسة متقاربة، يصبح من الضروري أن يكون لدى الفريق سيارة ثانية ضمن لعبة المنافسة على اللقب. وينبغي أن يكون السائق الثاني جيدًا، كما تنبغي معاملة السائق الآخر والتصرف معه وكأنه مساوٍ للسائق الأول في جميع الظروف باستثناء تلك الحالات التي يعيق فيها زميله بشكلٍ مباشر.

ولهذا تحتاج فيراري لأن يرفع رايكونن من مستواه، بينما كان بوتاس قادرًا على التواجد ضمن أول مركزين – حيث أحرز المركز الأول على شبكة الانطلاق في البحرين وتصدر السباق، كما كان قريبًا من تجاوز فيتيل واختطاف الصدارة في المرحلة الثانية، إضافة إلى فوزه بسباق روسيا - الذي أنهاه هاميلتون رابعًا - ليحرم فيتيل من نقاط ثمينة، بينما كان رايكونن أقل فاعلية. إذ تحتاج فيراري لتغيير هذا الأمر، وبالرغم من أنّ إمكانيات رايكونن ليست موضع شكّ، لكنّ أداءه خلال السنوات الأخيرة لا يوحي بذلك.

تتحدث فرق الفورمولا واحد عن الاستفادة القصوى من كل أداة، والمنافسة حتى آخر جزءٍ من الثانية وإنفاق مبالغ طائلة من أجل الحصول على أفضل حزمةٍ ممكنة. وفي عملية تغيير مشهد السباقات يصبح تواجد سائق ثانٍ فعّال أمرًا ذا أهميةٍ كبيرةٍ للغاية. ومن الحماقة عدم الاستفادة من ذلك، حتى لو كانت هنالك مخاطرة بأن يأخذ سائقا الفريق النقاط من بعضهما البعض.

أما بالنسبة لمخاطر هذه الاستراتيجية، فإنها تتمحور في نهاية المطاف حول قدرة السائق الثاني في الفريق على الرفع من مستوى أدائه وإزاحة قائد الفريق. وساعة التوقيت لا تكذب، إذ من السخافة التفكير في أن الفرق ستفضل السائق الأبطأ على مدار الموسم، حتى لو حصل ذلك في حالاتٍ نادرة.

ومهما يحصل، فإن أفضل خطة لكلٍّ من مرسيدس وفيراري تتمثّل في معاملتهما المتساوية لسائقيهما ومضاعفة مساهمتهما. ومن غير الممكن غضّ النظر عن الضرر الكبير الذي يمكن لكلّ سائق "رديف" إلحاقه بالفريق المنافس.

في هذا الموسم، لن يكون بإمكان فيراري ولا مرسيدس تحمل حالة مماثلة لتلك التي وجد فريق مكلارين نفسه فيها عام 1986. ولكي يكون لديهما سائقٌ ثانٍ "فعّال" فإنّ على السائق "الآخر" في الفريقٍ أن يكون أكثر من مجرد داعمٍ من بعيد. وللقيام بذلك جيدًا، لا يمكن التشديد بشكل مفرط على مركز "السائق الثاني".

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
قائمة السائقين كيمي رايكونن , لويس هاميلتون , سيباستيان فيتيل , فالتيري بوتاس
قائمة الفرق مرسيدس , فيراري
نوع المقالة تحليل
وسوم بوتاس, رايكونن, فيتيل, فيراري, مرسيدس, هاميلتون