تحليل: لماذا أصبحت الانطلاقة تمثّل هاجس السائقين الأكبر في الفورمولا واحد؟

عندما قررت الفورمولا واحد تعديل بعض قوانين الانطلاقة في مسعى للتخفيف من المساعدة التي يتلقاها السائق، لم يكن الكثيرون يتوقعون أن يكون لذلك كبير الأثر على مجريات المنافسة لهذا الموسم.

مع اقتراب معركة اللقب من لحظاتها الأخيرة، بات من الواضح أنّ الصراع على النقاط بين نيكو روزبرغ ولويس هاميلتون قد تأثر بعملية الانطلاقة ربما أكثر من أيّة مرحلة أخرى أثناء السباق.

ما يزيد الطين بلّة أنّ هاميلتون بالذات كان قد امتلك عدة فرص جيدة خلال الفترة التي تلت العطلة الصيفية، لكنّ صدارة ترتيب البطولة انزلقت من بين أصابعه بسبب الصعوبات التي واجهته أثناء الانطلاقة – مونزا وسوزوكا مثالان واضحان على خسارته للمركز الأول بسبب ذلك.

لماذا إذاً، ونحن على مشارف نهاية الموسم ما زالت معركة اللقب تتأثر بالانطلاقة؟

قوانين جديدة

لم يكن روزبرغ وهاميلتون الوحيدين اللذين يعانيان لتقديم أداء ثابت خلال الانطلاقة – فقد عانى ماكس فيرشتابن في سبا، مونزا وسنغافورة كذلك – لكنّ جميع الأعين موجّهة صوبهما لأنهما يتنافسان على الصدارة.

وهو أمرٌ لطالما بذل توتو وولف مدير الفريق كامل جهده لإيضاحه: إنّ انطلاقات مرسيدس تبدو أسوأ بكثير من غيرها نظراً لأنّ جميع الأنظار مصوّبة على سائقي الصف الأول.

"نظامنا معقّد، ربما أكثر من الفرق الأخرى. لكننا في الأضواء على الدوام عند حصول أيّ خطأ" قال وولف.

وأكمل: "لو نظرنا إلى الأداء الحقيقيّ للقابض مقارنة للانطباع العامّ عنه ومن ثمّ قارنا كلّ ذلك بالبيانات، نجد أنّ الانطباع العامّ أسوأ من الأداء الفعليّ وذلك لأننا على الصف الأول".

تحدّ أكبر

رفع الصعوبة أمام السائقين كان الهدف من التعديلات التقنية، الأمر الذي ظهر جلياً أثناء انطلاقة السباقات لهذا الموسم.

بدت التغييرات بسيطة للغاية: يُسمح للسائقين استعمال قابض واحد أثناء الانطلاقة، كما يمنع عليهم الاستعانة بتعليمات المهندسين من المرآب بعد لفة التحمية لمساعدتهم في تعديل أداء القابض.

لم تبدُ تلك التغييرات كبيرة من وجهة نظر هندسية – خاصة عند النظر إلى الطريقة التي أدارت بها فيراري المسألة عن طريق قابض جديد تماماً.

شرح روب سميدلي مدير الأداء لدى ويليامز ذلك، قائلاً: "خلال المواسم الماضية، كنا نستطيع إخبار السائقين بالطريقة المثالية لتعديل القابض في مرحلة معينة".

وأكمل: "عندما تنطفئ أضواء الانطلاقة يقوم السائقون بإرخاء عتلة القابض للنسبة الأولى. وهذا ما يسمح بنقل مثاليّ لنسب السرعة سامحاً للسيارة بالتقدم بسرعة".

وأضاف: "ثمّ، كلّ ما عليهم هو سماع صوت معين في سماعة الأذن ليقوموا بإفلات عتلة القابض الثانية. أي كانوا يتركون قدمهم على الدواسة وهذه هي الانطلاقة ببساطة. لكنّ الأمور الآن مختلفة أكثر بكثير".

مستويات التماسك

كان للتعديلات تلك جانبان اثنان: الانتقال لاستعمال قابض واحد بدل الاثنين يعني أنّه يجب التأقلم مع بداية الانطلاقة التقليدية ومن ثم مرحلة التسارع التالية قبل أن تبدأ العجلات بالدوران.

إضافة إلى ذلك، لم يعد مسموحاً إخبار السائقين بالإعدادات المثالية للقابض – والتي كانت تساعدهم سابقاً في نقل نسب السرعة بشكل مثاليّ بناء على الانطلاقة المبدئية خلال لفة التحمية.

في الوقت الحالي، على السائقين الحكم بأنفسهم حول كمية التماسك على الحلبة – بناء على سطح المسار وحرارة الإطارات.

في حال لم ينجح السائق في تقييم كلّ ذلك بشكل صحيح، إما سينطلق بشكل بطيء أو ستدور إطاراته حول نفسها أكثر من اللازم – وفي كلتا الحالتين سيخسر المراكز مع الاقتراب من المنعطف الأول.

لقد أصبحت الانطلاقة – كما يراها فيليبي ماسا – مجالاً تصنع فيه التفاصيل الصغيرة كلّ الفارق – وهناك قلة قليلة فقط من السائقين يمتلكون الأفضلية والقدرة على التعامل المثاليّ مع ذلك.

"سابقاً، كان المهندسون هم من ينطلق بالسيارة فعلياً. كان يتمّ تعديل القابض كل ما عليك فعله هو تشغيل السيارة" قال سائق ويليامز.

وأكمل: "يتابع المهندس مستويات تماسك الإطارات ومن ثم يقول «استعمل الوضعية رقم 5» لأنه يعتقد أنها الطريقة الأمثل – حينها ستحصل على التماسك المثالي".

وأضاف: "إضافة إلى ذلك، فأنت تستعمل قابضين اثنين، ما يعني أنه من الصعب الخطأ. أما الآن، فقد تغيّر كلّ شيء لأنك تمتلك قابضاً واحداً".

وتابع: "عليك الاعتماد على التعديل اليدويّ بشكل أكبر مقارنة بالمواسم السابقة، كما لا يمكنك معرفة مستويات التماسك على خط الانطلاق. إذ عليك توقعها بنفسك".

وضمن معرض تعليقه على السبب وراء الانطلاقات الخاطئة، قال فالتييري بوتاس زميل ماسا: "إما أنك لم تتمكن من الحصول على حرارة كافية للإطارات الخلفية أثناء لفة التحمية، وبالتالي ستعاني من دورانها حول نفسها، أو أنّ القابض نفسه سيعمل بطريقة مختلفة بعض الشيء في ظروف حرارة مختلفة".

وأكمل: "عندما تتدرّب على الانطلاقة خلال لفة التحمية، فهذا يرفع من الحرارة، وهذا ما يمكن أن يغيّر من عمله بشكل طفيف – لذا فإنّ المسألة تعتمد على القابض. إذ لا يعمل بالطريقة نفسها 100 في المئة بشكل ثابت".

وتابع: "أو أنك تخطئ في الحسابات. إذ قد تعتقد أنّ مستويات التماسك أقلّ مما هي بالفعل على الحلبة".

واختتم: "هناك الكثير من الأمور التي قد تسير بشكل خاطئ. عليك الحفاظ على البساطة. حاول أن تشعر بالتماسك، أن تحلّل لفة التحمية وكمية التماسك التي يمكن أن تحصل عليها أثناء الانطلاقة".

تضارب أداء عمل القابض

تلك الإشارة إلى تضارب أداء القابض هو أمرُ تمّ ذكره مرات عدّة من قِبَل مرسيدس – والتي لطالما سعت إلى حلّ مشاكل انطلاقاتها منذ انطلاقة هاميلتون الضعيفة في أستراليا والتي كلّفته غاليًا.

يُذكر أيضاً أنّ ريد بُل علمت مساء يوم السبت في سنغافورة أنّ القابض في سيارة فيرشتابن لم يكُن يعمل بشكلٍ جيّدٍ كما هو متوقّع – بيد أنّ طلبهم تغييره من الاتّحاد الدولي للسيارات "فيا" تمّ رفضه كون القابض لم يكُن مكسورًا.

تضارب عمل القابض في سيارة مرسيدس صعّب مهمة كلٍّ من هاميلتون وروزبرغ لمعرفة الوقت المثالي الذي يكونا فيه بحاجةٍ إلى موازنة القابض والإسراع في الانطلاقة – كون طريقة عمل القابض في إحدى الانطلاقات قد لا تكون ذاتها عند الانطلاقة التالية. وكأنّك في كلّ مرةٍ تتقدّم خطوةً نحو المجهول.

تعي مرسيدس أنّ التوصّل لحلٍّ دائمٍ لمشكلة قابض سيارتها ليس أمرًا يُمكن تحقيقه خلال مجريات الموسم، إذ يعني ذلك أنّه مهما حاول كلٌّ من هاميلتون وروزبرغ العمل على تحسين الأمور، سيبقى هناك دائمًا مجالٌ للخطأ.

قام الفريق بالطّبع بكلّ ما بوسعه في محاولةٍ لمساعدة سائقَيه، حيث تضمّن ذلك نظرةً علمية حول كيفية وضع أصابع السائقَين على دوّاسة القابض وأين تقع الندوب على قفّازاتهما.

من جهته أضاف وولف في هذا الصّدد قائلًا: "نظام القابض الذي منحناهما إيّاه ليس مثاليًا. من الصعب التعامل مع القابض بالطريقة الصحيحة، إذ عمل السائقان عليه واتّجهنا في حلولنا إلى حدّ تغيير تصميم القفازات لإرخائه (القابض)".

وأردف: "قام أحدهم حتّى بدراسة طول إصبع نيكو الأوسط من أجل نقطة الإمساك بالقابض وكيفية حياكة القفّاز".

وتابع: "يتمحور الأمر حول كيفية إرخائه وتسريع دورات المحرّك. ومن ثَمّ فهناك العامل العشوائي في أن تقوم بكلّ ذلك بشكلٍ صحيح إذ أنّه ليس أمرًا يسيرًا مع القابض".

من الواضح أنّ مرسيدس لا تمتلك بعد نظامًا مُحصّنًا إذ أنّ قابضًا أفضل سيتواجد فقط في سيارة 2017.

لذا فكلّ الأمور تُشير إلى احتمالية أن نشهد لحظاتٍ حاسمة في البطولة خلال ثوانٍ من انطفاء الأضواء ضمن السباقات الختامية لهذا الموسم – والتي تبدأ بسباق أوستن عطلة نهاية هذا الأسبوع – وعلى الأرجح إحباطات أخرى لهاميلتون أو روزبرغ.   

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
قائمة السائقين فيليبي ماسا , لويس هاميلتون , ماكس فيرشتابن , نيكو روزبرغ , فالتيري بوتاس
قائمة الفرق مرسيدس , ريد بُل ريسينغ , ويليامز
نوع المقالة تحليل
وسوم وولف