تحليل: كيف يُمكن لفيتيل وفيراري إنقاذ موسمهما

انتهى سعي سيباستيان فيتيل المحموم لإبقاء منافسيه خلفه خلال انطلاقة سباق جائزة سنغافورة الكبرى للفورمولا واحد بكارثة، وأصبح لزامًا عليه الآن إظهار نفس الروح الهجومية لما تبقى من هذا الموسم لكي يحافظ على آماله بإحراز لقب البُطولة.

اعتقدنا جميعنا بأن الفكرة التي اقترحها بيرني إكليستون قبل ست سنوات في استخدام مرشاتٍ مياه لإضافة بعض الحماسة للسباق لم تكن ذات فائدة، لكن أظهر سباق جائزة سنغافورة الكبرى بأنه يمكن لزخةٍ من المطر أن تضيف حماسةً لسباق فورمولا واحد.

كما ثبت لنا مجددًا صحة القول المأثور "لا يمكنك الفوز بالسباق عند المنعطف الأول"، بل قد تخسره هناك بالتأكيد. وذهبت فيراري لأبعد من ذلك عندما خسرت السباق قبل أن تصل سيارتاها إلى المنعطف الأول.

نعلم أن التجاوزات على حلبةٍ كـ "مارينا باي" شبه مستحيلة مع الجيل الحالي من سيارات الفورمولا واحد، وبأنه من الأسلم أن ينطلق السائق من المقدمة عندما يكون المسار مبللًا، ولكن في بعض الأحيان عليه إعطاء الأولوية للبقاء في السباق من أجل المنافسة خلال المراحل التالية منه.

وربما كان لويس هاميلتون ليضحك بصوتٍ عالٍ لو وصل إلى المنعطف الثالث ورأى السلوك الغريب لسيارتي فيراري. ولعلّه اعتقد للوهلة الأولى أنّ كل حظوظه السعيدة قد حضرت للتو – خصوصًا عندما نستذكر حديثه بعد التجارب التأهيلية عن حاجته لـ "معجزة" لكي يحدّ من الأضرار التي لحقت بآماله في إحراز اللقب العالمي.

بعد الحادثة، كل ما كان عليه فعله هو تمالك نفسه وإبقاء سيارته بعيدةً عن الحواجز الجانبية إلى أن يشاهد العلم الشطرنجي، ولم تكن بالمهمة السهلة. لكن، وكما رأينا في الماضي، لم يقلق البريطاني من الظروف الجوية المبللة والمتقلبة. وبالتأكيد كان من الصعب على فيتيل مشاهدة ذلك، مدركًا تلك الفرصة الكبيرة التي أهدرها.

رأينا سابقًا تصرفات فيتيل العنيدة بعض الشيء، على سبيل المثال في سباق باكو عندما كانت سيارة الأمان على المسار، واصطدم بسيارة هاميلتون. وتكرّر ذلك خلال يوم الأحد مجددًا –إذ لم يجازف خلال هذه المحاولة بنقاط بطولة السائقين وحسب، بل – وهو الأهم – خاطر بفقدان دعم العديد من المشجعين الإيطاليين.

في الحقيقة، كان من الأفضل له تقييم الوضع. يعرف بأن السائق الذي بجواره هو ماكس فيرشتابن وبأنه ليس من أولئك السائقين الذين يستسلمون بسهولة أثناء التوجه للمنعطف الأول، وعليه كان يجدر بالألماني أن يفسح له بعض المجال. ولكنه بدلًا من ذلك أغلق المنفذ أمامه، وأمسى وقوع الحادث أمرًا حتميًا مع وجود الفنلندي كيمي رايكونن على الجهة الأخرى لفيرشتابن.

بالتأكيد لم يكن ذلك خطأ رايكونن، لأنه وببساطة كان يستغل انطلاقة فيتيل وفيرشتابن البطيئة نوعًا ما، وعندما اضطر الأخير للتوجه لليسار والتراجع قليلًا لكي لا يصطدم بفيتيل، اصطدم الإطار الخلفي الأيمن من سيارة الفنلندي بالإطار الأمامي الأيسر لنظيره الهولندي.

"في بعض الأحيان عليك إعطاء الأولوية للبقاء في السباق من أجل المنافسة خلال المراحل التالية منه"

ونتج عن التفاف سيارة ريد بل اندفاعها نحو سيارة فيتيل، ما ألحق أضرارًا بالفتحات الجانبية ومشعاع التبريد ليُجبر فيتيل على الخروج من السباق جراء نزيف السوائل من سيارته الجريحة.

الأمر المقلق هو أن أنف سيارة فيتيل قد تحطم عندما اصطدم جانب السيارة بالجدار. وربما أنه لم يكن ليخرج من السباق لو أن سيارته استدارت واتجهت نحو الجدار على الجهة الأخرى من الطريق، لأنّ المقدمة تحتوي بنيةً للاصطدام، لذا يتطلب هذا الأمر فحصًا دقيقًا وتصحيحه على الفور.

كما كان من السيئ رؤية الإسباني فرناندو ألونسو عالقًا في خضم هذه الفوضى. لقد كان مجرد متفرجٍ بريء ولم يكن أمامه أيّ مفرّ، وحصل سوء الحظ هذا على حلبةٍ ربما كانت حزمة مكلارين–هوندا لتقدم نتائج طيبةً عليها.

هنالك الكثير من الأمنيات، "لو" و"لكن" و"ربما"، ولو اختار فيتيل التقيّد بخيار البقاء مع القبول بالتنازل عن الصدارة لفيرشتابن، فإنه كان على الأرجح سيحصد 18 نقطةٍ على الأقل. وربما كان هاميلتون لينهي السباق خلفه.

ولكنّ سائق مرسيدس صاروخٌ فعال في مثل هذه الظروف، لقد أظهر بها أنه لا يشق له غبار في السباق بطريقة أشارت إلى أنه حتى ولو لم يرثِ الصدارة بسبب تلك الحادثة، لربما كان ليفوز به في جميع الأحوال؟

وبعد هذه الهزة العنيفة، كيف يمكن لفيراري وفيتيل استعادة توازنهما؟

الحقيقة أنه لم يبقَ لدى فيراري شيئٌ لتخسره، لأنها ارتكبت خطأً "فادحاً" أدى لخسارةٍ مؤكدة في سنغافورة.

لذا ينبغي الدفع بأعمال تطوير السيارة لأقصى حد، ويتوجب على فيتيل ورايكونن القيادة بشكلٍ لم يقوما به من قبل، وعليهما أن يكونا هجوميَين خلال انطلاقات السباقات على أمل أن يبتعدا عن الجميع بهذه الطريقة. كان يجدر بفيراري استغلال تلك الأفضلية التي حصلت عليها في سنغافورة على أتمّ وجه، خصوصًا أن بعض الحلبات التي تستضيف السباقات المقبلة تناسب سيارة مرسيدس أكثر.

ربما لم تغيِّر فيراري من أسلوبها كثيرًا بالنظر إلى حقيقة أنه كانت لدى مرسيدس أقوى سيارة على عددٍ أكبر من الحلبات، إذ أن عليها أن تكون هجوميةً بالفعل داخل الحلبة وخارجها لتفوز.

كما يمكن لفيراري أن تستفيد من دخول ريد بل ضمن جوقة المنافسين، وبشكلٍ مثالي في المنافسة مع مرسيدس. إذ يمكن للفريق النمساوي أن يغير من قواعد المنافسة على لقب البطولة من خلال سلب النقاط من أمام فيتيل أو هاميلتون. وتقتصر مهمة دانيال ريكاردو وزميله فيرشتابن على محاولة تحقيق أفضل نتيجةٍ ممكنة في أي سباق، لذا لن يستسلما بسهولة.

كما كان من الجيد رؤية بعض الفرق الصغيرة والسائقين يحصلون على مردود جيِّد بعد يومٍ صعب في سنغافورة، حيث تمكنت 12 سيارة فقط من إنهاء السباق مع خروج ثلاثة من أفضل السائقين على الفور، كان لقانون البقاء الكلمة العليا في ذاك اليوم.

يعتبر إنهاء الإسباني كارلوس ساينز الابن السباق رابعًا، والمكسيكي سيرجيو بيريز خامسًا، والبريطاني جوليون بالمر سادسًا، والبلجيكي ستوفيل فاندورن سابعًا دليلًا على أن هؤلاء الشباب كانوا في مكانهم المستحقّ بين أفضل السائقين. ولو امتلكوا الأدوات المناسبة لاستطاعوا تأدية مهامهم على أتمّ وجه. ولكن كان الأمر محزنًا بالفعل بالنسبة للألماني نيكو هلكنبرغ، حيث كان شعلةً متوقدةً طوال اليوم، ولكنّ ناره انطفأت بسبب "اختناق" صمام الهواء على سيارة رينو.

الأمر الوحيد الذي أكدته التجارب التأهيلية في سنغافورة هو أنه ما يزال لمرسيدس اليد العليا عندما يتعلق الأمر بالمحرك. ولعلها معلومةٌ نعرفها جميعًا، ولكن إذا نظرتم إلى جولتي موناكو وهنغارورينغ - وكلتاهما حلبتان بطيئتان – فإنّ مستخدمي محركات مرسيدس الآخرين لم يكونوا سيئين بالمقارنة مع أدائهم المعتاد.

ولكن في سنغافورة – التي تعتبر حلبة بطيئة – تراجعت سيارات فورس إنديا وويليامز على شبكة الانطلاق مقارنةً بأدائها المعتاد بنفس هامش تراجع مرسيدس.

"ربما ما تزال لدى فيتيل فرصة، ولكنّ خيار فيراري الوحيد هو أن تكون هجوميةً لأقصى حد"

تطلق مرسيدس العنان لمحركاتها عندما يتعلق الأمر بالحلبات السريعة، ويكون لها قصب السَبق أمام فيراري ورينو. فيما تصبح سيارات فيراري وريد بل وحتى رينو مصدر إزعاجٍ لمرسيدس على الحلبات البطيئة، حيث تزداد أهمية الهيكل بعض الشيء على حساب المحرك.

وفيما يتعلق بريد بل، فإنه لا يمكنك أبدًا تجاهلهم. تعمل سيارتهم من الناحية الانسيابية جيدًا في أوضاع ضبط مختلفة، إذ يمكنهم خفض درجة الارتكازية على حلبات تتطلب ارتكازية مرتفعة مع تقديم أداءٍ جيد - خصوصًا مع الإطارات الجديدة في التجارب التأهيلية، ونعرف جميعًا بأنه إذا تأهلت في مركزٍ جيد مع هذه السيارات فإنها ستجعل التجاوزات صعبةً جدًا خلال السباق، وعليه يمكن لسيارتي ريد بل تشكيل تهديدٍ في أي مكان.

من المتوقع أن تلائم حلبات سيبانغ الماليزية وسوزوكا اليابانية وأوستن الأمريكية سيارة مرسيدس، ولكنّ هذا لا يعني بأن فيراري ستكون في ورطة، بل إنّ الأمر يتعلق فقط بطبيعة الحلبات السريعة جدًا والتي يفترض بأنها تناسب قاعدة العجلات الطويلة للسهام الفضية، فضلًا عن تلك الكمية الصغيرة الإضافية من الطاقة التي يمكن لمرسيدس اعتصارها من محركها.

وفيما يتعلق بالحلبات الباقية، مكسيكو سيتي المكسيكية وإنترلاغوس البرازيلية وأبوظبي الإماراتية، يبدو أن الاحتمالات ستكون مفتوحةً هناك، إذ يمكن لريد بل أن تحشر نفسها بين مرسيدس وفيراري خلال السباقات الستة المتبقية.

وإذا تمكنت فيراري من العودة للمنافسات بعد كابوس سنغافورة، فسنشهد سباقات رائعة حتى التلويح بالعلم الشطرنجي على حلبة مرسى ياس.

وليس هنالك مبالغة في الحديث عن الأضرار التي لحقت بمساعي فيتيل للظفر باللقب من خلال تأخره بمقدار 28 نقطة عن هاميلتون، عوضًا عن بضع نقاط أو حتى أن يكون متقدمًا ببضع نقاط. إذ أن مرسيدس لا تستكين، ومن عادتها السعي لتحقيق مزيدٍ من التفوق خلال السباقات المتبقية.

والخيار الوحيد المتبقي أمام فيراري هو الضغط لأقصى حد مع خطة هجومية وأن تغامر بكل ما لديها، حينها قد يكون أمام فيتيل فرصة.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
قائمة السائقين سيباستيان فيتيل
قائمة الفرق فيراري
نوع المقالة تحليل