تحليل: كيف طغت تأدية روزبرغ المثاليّة على سباق هاميلتون

قدّمت جائزة أوروبا الكبرى تبايناً واضحاً بين تأدية نيكو روزبرغ وزميله لويس هاميلتون، إذ سطع نجم الأوّل بينما عانى الآخر من الأخطاء والمشاكل. يقوم موقعنا «موتورسبورت.كوم» بتحليل مجريات عطلة نهاية الأسبوع في باكو.

لم يسر سباق جائزة أوروبا الكبرى كما كان متوقّعاً بعد الحوادث التي شهدتها حلبة باكو خلال يومي التجارب والتصفيات فضلاً عن سباقين تخلّلتهما الحوادث ضمن سلسلة الجي بي 2.

لم يتوقّع أحدٌ مشاهدة السباق الرئيسي لعطلة نهاية الأسبوع من دون دخول سيارة الأمان ولو لمرّة واحدة أو حتّى اعتماد نظام سيارة الأمان الافتراضيّة، بل أنّ الأعلام الصفراء تمّ التلويح بها في مرّات قليلة عند توقّف سيارة إلى جانب المسار بسبب مشكلة ميكانيكيّة.

ومع عدم وجود أيّ حدث يقلب استراتيجيّات الفرق رأساً على عقب ولا إعادة انطلاقة لمنح فرصة للسيارات التي في الخلف لتجاوز المتصدّرين، كان السباق عبارة عن جولة استعراضيّة بالنسبة لروزبرغ.

وقال بادي لوي المدير التقني لفريق مرسيدس لموقعنا «موتورسبورت.كوم»: "لم نكن نتوقّع أن يكون مجرّد إكمال السيارتين للسباق أمراً سهلاً بعد أن شاهدنا أحداث سباق الجي بي 2".

وتابع: "لديّ نظريّة حول ذلك: شاهد السائقون سباق الجي بي 2 وكلّ تلك الحوادث وقال كلٌ منهم في نفسه «طالما أنّني سأتمكّن من إكمال السباق فبإمكاني الحصول على الكثير من النقاط!» وذلك ما دفعهم إلى عدم المخاطرة".

كان سباقاً مثالياً لروزبرغ، بعيداً عن مشكلة المحرّك البسيطة التي واجهها وحلّها سريعاً، إلّا أنّ زميله هاميلتون واجه مشكلة مماثلة وتطوّرت لتكون إحدى أبرز النقاط في السباق.

وأشار لوي إلى أنّ الوضع كان ضبابياً بالنسبة لروزبرغ قبل انطلاق السباق كون أحداً لم يكن بوسعه توقّع ما قد يحدث.

صحيحٌ أنّ منافسه هاميلتون سينطلق من المركز العاشر، لكن بالنظر إلى انطلاقة سباق كندا فإنّ تواجد سيباستيان فيتيل في المركز الثالث على الجهة النظيفة من المسار كان مصدر قلقٍ كبير بالنسبة لروزبرغ، لكنّه تمكّن من تقديم انطلاقة نظيفة في نهاية المطاف وحافظ على صدارته.

ومع خلوّ المسار أمامه، بدأ الألماني بالابتعاد في الأمام موسّعاً الفارق أمام ملاحقه دانيال ريكاردو بثانية واحدة في كلّ لفّة في مرحلة أولى قبل أن يتقدّم أكثر بعد معاناة الأسترالي مع إطاراته ما دفعه لإجراء توقّفه في اللفّة السادسة.

نتيجة لذلك وجد فيتيل المساحة خالية أمامه لكنّه لم يكن قادراً على القيام بأيّ شيء لإيقاف زحف روزبرغ والاقتراب منه. انتظر سائق مرسيدس إجراء الجميع توقّفاتهم قبل أن يُغيّر إطاراته في اللفّة الـ 21 متفوّقاً بأكثر من 20 ثانية عن أقرب ملاحقيه.

كان القسم الثاني من السباق مختلفاً بعض الشيء، إذ لم نشاهد تقدّماً كبيراً في صدارة روزبرغ أمام كيمي رايكونن في مرحلة أولى وزميله فيتيل في مرحلة ثانية بعد أن تبادل ثنائي فيراري المراكز.

بل أنّ أفضليّة روزبرغ تقلّصت بالفعل بسبب الزحام في بعض الأحيان. كما أنّه كان بطيئاً للغاية في اللفّة الـ 31 ليخسر 3.1 ثانية دفعة واحدة، لكنّه استجاب سريعاً وسجّل أسرع لفّة في السباق حينها ليُواصل تقدّمه عابراً خطّ النهاية أمام فيتيل بفارق 16 ثانية.

جعل روزبرغ السباق يبدو سهلاً، لكنّ ذلك يعود لقيادته الرائعة، وهو ما احتاجه تماماً بعد خيبات الأمل التي واجهها خلال السباقات الثلاثة الماضية.

رُبّما كانت النتيجة لتكون مختلفة لو أنّ هاميلتون لم يُعانِ خلال التجارب التأهيليّة وانطلق من الصفّ الأوّل بدل المركز العاشر.

بالرغم من ذلك واجه هاميلتون صعوبات جمّة لتقديم وتيرة سريعة ولا يُمكن إرجاع ذلك إلى مشكلة المحرّك التي واجهها فحسب.

قدّم هاميلتون أداءً قوياً يوم الجمعة مسجّلاً أسرع الأزمنة بالرغم من تعبيره عن شكوكه حول المسار بعد اختباره لفترة قصيرة في جهاز المحاكاة في براكلي. صحيحٌ أنّه خرج عن المسار في بعض المناطق، بشكلٍ مماثلٍ للجميع، لكن كان ذلك جزءاً من عمليّة تعلّم خبايا المسار.

لكنّ البريطاني لم يكن مرتاحاً يوم السبت خاصة عند الكبح، كما تذمّر من أنّ تغييرات أجراها الفريق (على السيارتين) لم تعمل لصالحه.

تسبّب ذلك في ارتكابه الكثير من الأخطاء في التجارب التأهيليّة، قبل أن تنتهي حصّته بعد حادثه الذي كان سوء تقديرٍ منه للمنعطف الـ 11.

وقال هاميلتون بعد السباق: "لم أقم بتغيير أيّ شيء. كان أمراً ما توجّب على الفريق تغييره على السيارتين. لا يُمكنني الإفصاح عنه، لكنّ السيارة أصبحت أسوأ عند الكبح لذلك لم يكن بوسعي الضغط على المكابح كثيراً. واصلت السير إلى الأمام عند المنطقة الآمنة في عدّة مناسبات".

وبالنظر إلى قوانين خطّ الحظائر المغلق، كان عليه أن يُواصل استخدام السيارة بنفس الاعدادات خلال السباق أي أنّه اتّجه إلى يوم الأحد وهو يعلم أنّه سيقود سيارة غير مرتاحٍ بداخلها.

تقدّم ليس سهلاً لهاميلتون

بالنظر إلى أفضليّة وتيرة مرسيدس، كان الجميع يتوقّع أن يتقدّم هاميلتون بقوّة خاصة أنّ المسار يُوفّر الكثير من فرص التجاوز.

لم يتقدّم البريطاني أيّ مركزٍ خلال اللفّة الأولى لكنّه تمكّن في الثالثة من تجاوز دانييل كفيات أوّلاً وماكس فيرشابتن ثانياً حيث بدأ الأخير يُعاني مع إطاراته. كما كسب مراكز إضافيّة نتيجة إجراء السائقين الآخرين توقّفاتهم  قبل أن يُغيّر إطاراته في اللفّة الـ 15.

وفي الوقت الذي انتهت فيه سلسلة التوقّفات وعودة دانيال ريكاردو للتوقّف مرّة أخرى في اللفّة الـ 23، بات هاميلتون يحتلّ المركز الخامس مع بقاء 28 لفّة على نهاية السباق ما يُعتبر نظرياً فترة كافية لإحراز المزيد من التقدّم، لكنّ ذلك لم يحدث.

وبعد لفّات قليلة من تقدّمه إلى المركز الخامس سمع الجميع محادثةً بينه وبين مهندسه بيت بونينغتون عبر اللاسلكي حيث كان هاميلتون يتذمّر من نقص طاقة محرّكه ويعاني لحلّ المشكلة، بل أنّه كان منزعجاً من القيود الجديدة التي تفرضها القوانين لما يُسمح بقوله.

وقال لوي: "واجه روزبرغ نفس المشكلة التي اعترضت هاميلتون، أي كانت هناك مشكلة في السيارتين من ناحية إعدادات إدارة الطاقة".

وأضاف: "تجب إدارة الطاقة الموجّهة من وإلى خارج البطاريّة في النظام الهجين. هذه عمليّة تتمّ بشكلٍ أوتوماتيكي لتخفيف العبء عن السائق".

وتابع: "هناك قدرٌ معيّنٌ من الطاقة يُمكن استخدامه في كلّ لفّة وقدرٌ معيّنٌ يُمكن استرجاعه عند الكبح".

وأكمل: "لذلك لا تُريد استخدام قدرٍ من الطاقة لا تستطيع الحفاظ عليه بشكلٍ ثابت في لفّات السباق، نتيجة لذلك يتوقّف النظام الهجين عن توفير الطاقة عند نهاية الخطّ المستقيم بطريقة سلسة بحسب الطاقة التي بوسعه استرجاعها في جميع نقاط الكبح".

وواصل شرحه بالقول: "كما قلت سابقاً فهي عمليّة أوتوماتيكيّة. لكن من خلال وضعٍ معيّن في الإعدادات والذي استخدمناه، يُمكن تشويش تلك العمليّة الأوتوماتيكيّة التي لنقل أنّها لم تكن تعمل بالطريقة الصحيحة".

وأردف: "كانت تتسبّب في تراجع طاقة السيارة بشكلٍ مبكّر لأنّ النظام كان يعتقد بشكلٍ خاطئ أنّه لم يعد لديه قدرٌ كافٍ من الطاقة ممّا هو متاحٌ فعلاً. لذلك كان يتوقّف عن توفير الطاقة بشكلٍ مبكّرٍ على الخطّ المستقيم. كانت هذه الحالة تقتصر على وضعٍ معيّنٍ للمحرّك".

لكن ما فاجأ مرسيدس أنّها لم تواجه هذه المشكلة يوم الجمعة أثناء محاكاتها للسباق.

وازداد الوضع تعقيداً بالنظر إلى قيود محادثات اللاسلكي التي تمنع الفريق من إعلام السائق بما يجب تغييره على المقود.

وقال لوي: "واحدة من المشاكل التي نواجهها تتمثّل في عدم قدرتنا على إخبار السائق «انتقل من الوضع ألف إلى الوضع باء وسيكون كلّ شيء على ما يرام»".

وأضاف: "سمح لنا الاتّحاد الدولي للسيارات، بعد أن طلبنا إذنه، بإخبار السائق أنّ المشكلة تتعلّق بالوضع الحالي للمحرّك، على سبيل المثال «مشكلتك بسبب اعتمادك الوضع ألف» أي بعبارة أخرى «يجب عليك الانتقال إلى أيّ وضعٍ آخر غير الذي تستخدمه الآن»".

وتابع: "الأمر كما لو أنّ عليك حلّ لعبة الكلمات المتقاطعة أثناء القيادة حول حلبة ضيّقة بسرعة 350 كلم في الساعة. لحسن الحظّ أنّ روزبرغ تمكّن من حلّ اللعبة في نصف لفّة فقط".

وأكمل: "لكن لسوء الحظّ بالنسبة لهاميلتون فقد تطلّب منه ذلك 15 لفّة...".

رُبما لعب انتقال روزبرغ إلى "وضع الاشتباه" قبل وقتٍ قصيرٍ من معاناته من ضعف الطاقة، حيث استنتج بنفسه أنّ ذلك قد يكون السبب. في المقابل كان هاميلتون يستخدم ذلك الوضع منذ فترة طويلة.

لم يتمكّن هاميلتون من حلّ المشكلة إلّا عند اللفّة الـ 41 ولم نعلم ذلك إلّا بعد أن تمكّن فجأة من تسجيل أسرع لفّة في السباق خلال اللفّة الـ 42 وهو ما تمكّن مهندسه من ملاحظته سريعاً.

وقال هاميلتون: "لم أكن أعلم سبب المشكلة بالضبط، لم أعلم إن كنت قد ارتكبت خطأً ما تسبّب في ضعف طاقة المحرّك".

وأضاف: "بدأ الفريق بضبطٍ ما في وضع التشغيل أي أنّني كنت أستخدمه منذ البداية. قمت بتعطيل أمرٍ ما ولم يتغيّر أيّ شيء وأعدت تشغيله ولم يتغيّر أيّ شيء كذلك. في النهاية قمت بتعطيله وعادت قوّة المحرّك قبل عشر أو تسع لفّات من نهاية السباق".

حلّ المُشكلة بوقت مُتأخّر جداً

المُشكلة هو أنّ الحلّ أتى بوقتٍ مُتأخرٍ للغاية، إذ حاول هاميلتون إيصال سيارته إلى خطّ النهاية والمحافظة على وحدة طاقته في اللّفات الأخيرة من السباق.

وقال: "لقد قمت بالتخفيض من طاقة مُحركي كوني كنت أبتعد بفارق 14 ثانية عن السيارة التي كانت أمامي، كما أني كنت أتقدم بفارق 13 ثانية عن السيارة التي كانت تلاحقني. لديّ عددٌ أقلّ من المُحركات مُقارنةً بروزبرغ، لذلك قمت بتخفيض طاقته في اللّفات السبع الأخيرة".

وقد طغى موضوع إعدادات مُحرك مرسيدس على تغطية وسائل الإعلام بعد السباق، إذ قال لوي معلقاً على ذلك: "للأسف لم يكن هناك ما يكفي من الأحداث في السباق. لذلك تحدث الجميع عن إعدادات مُحركنا".

ومع ذلك، أوضح لوي بأنّ هذه المُشكلة كلّفت البريطاني 0.2 ثانية في اللّفة الواحدة ما يعني 3 ثواني على مدار السباق على اعتبار أنه عانى منها خلال 15 لفة من اللّفات الـ51 الإجماليّة.

ولكن من المُؤكّد بأنه خسر قليلاً من إيقاعه كونه حوّل تركيزه إلى مقود السيارة والتواصل مع الفريق إذ يرى هاميلتون بأنّ هذه المُشكلة أعاقته بقدرٍ أكبر مما يقوله الفريق.

حيث قال: "إنني واثق للغاية أن الفارق كان أكبر في البداية حيث كنت أعاني... شعرت وكأنني فقدت السرعة".

وأكمل: "لاحظت في البداية أنني أفقد السرعة على المقطع المستقيم ومن ثم بدأت أعاني في التجاوز".

وأضاف: "في النهاية، أكملت لفة سريعة حين عاد المحرك للعمل بالطاقة القصوى... الفريق يقول أن الفرق لم يكن كبيراً لكنني سجلت ثاني أسرع لفة، لذا من الواضح أن الفارق كان كبيراً".

صحيحٌ بأنه تمكّن من تسجيل لفة سريعة عندما حُلّت مُشكلته، ولكن ببساطة سيارته لم تكن بسرعة سيارة زميله روزبرغ.

"عندما حُلّت المشكلة تمكّن هاميلتون من تسجيل لفة سريعة، ولكن في اللّفة التالية عاد إلى وتيرته السابقة" قال لوي، ثم تابع قائلاً: "بالنسبة لي، سبب عدم صعوده إلى منصة التتويج غير متعلق بما حدث له".

وأكمل: "قد يكون ذلك لعب دوراً مساهماً، ولكن يجب عليك تحليل السبب وراء غياب وتيرة هاميلتون في السباق مقارنةً بالوتيرة التي أظهرها في التجارب الحرة اليوم الجمعة، وهو ما نجح روزبرغ في إظهاره".

وأضاف: "تعرّض لهذه المُشكلة في السباق، ولكنها لم تكن المشكلة الوحيدة. قلقي الرئيسي الفعلي خلال السباق كان حيال اختفاء وتيرة السيارة من أجل التقدّم في الترتيب".

وأكمل: "السيارة لم تكن سريعة بما فيه الكفاية في نهاية المطاف. لقد تقدّم من المركز العاشر إلى الخامس، ولكن هذه كانت كُلّ الوتيرة التي حظينا بها لليوم".

في النهاية، إنّ إعدادات المُحرك كانت مسألة مُحبطة لمرسيدس، ولكنها لم تكن بمثابة الكارثة على الإطلاق. وفي حين أنها أثّرت على سباق هاميلتون، إلّا أنه لا يجب أن نغفل عن الأداء الرائع الذي حقّقه فريق مرسيدس.

"أنا سعيدٌ لوصول السيارتين إلى نهاية السباق" قال لوي، ثم أكمل: "لقد كسبنا 5 نقاط على صعيد بطولة الصانعين. قام روزبرغ بعملٍ رائع طوال الأسبوع".

قد يبدو الفارق في باكو أكبر ممّا كان عليه في كندا، ولكن القيام بعمل مثالي هو ما يحتاجه هاميلتون وروزبرغ في هذه الأيام.

فازت مرسيدس في السباقات الثلاثة الأخيرة عبر سيارة واحدة، ولكن السيارة الأخرى أنهت السباقات في المراكز السابع، والخامس، والخامس. وبالتالي لم يعد هناك هامشٌ للخطأ.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة أوروبا الكبرى
حلبة شوارع باكو
قائمة السائقين لويس هاميلتون , نيكو روزبرغ
قائمة الفرق مرسيدس
نوع المقالة تحليل