تحليل: كيف ساعدت ريد بُل فيرشتابن على تحقيق فوزه المثير في الفورمولا واحد

مثّل فوز ماكس فيرشتابن بجائزة إسبانيا الكبرى خلال مشاركته الأولى مع ريد بُل إنجازاً خيالياً، إذ أنّ إدراك أهميّته سيتطلّب بعض الوقت. يقوم موقعنا "موتورسبورت.كوم" بتحليل مجريات سباق برشلونة وكيف أصبحت آمال الهولندي حقيقة.

صحيح أنّ خروج سيارتي مرسيدس نتيجة اصطدامهما خلال اللفّة الأولى فتح الباب أمام الهولندي الشاب، لكن توجّب عليه أيضاً التغلّب على ثنائي فيراري وزميله دانيال ريكاردو.

ولو افترضنا جدلاً أنّ ثنائي مرسيدس واصلا السباق وابتعدا في الأمام، لحصلنا على تلك المعركة الحماسيّة على المركز الثالث وكان فيرشتابن ليستحقّ الفوز بها بكلّ تأكيد.

ما زاد حماسة السباق اتّباع استراتيجيّتين مختلفتين، حيث قام فريقا ريد بُل وفيراري بفصل استراتيجيّتي سائقيهما بين توقّفين وثلاثة توقّفات.

دائماً ما سينتج عن ذلك أنّ من يتوقّف مرّتين سيكون متواجداً في الأمام على المسار خلال المراحل الأخيرة من السباق بينما سيكون من أجرى ثلاثة توقّفات في الخلف بصدد اللحاق بالمتصدّر.

سيكون بحوزتهم إطارات أجدد لكن سيتوجّب عليهم في المقابل تجاوز السيارات الأخرى التي اكتفت بتوقّفين. لكنّنا نعلم جميعاً أنّ ذلك ليس بالمهمّة السهلة على حلبة برشلونة حتّى مع وجود فارقٍ في السرعة.

وكان ذلك ما أشارت إليه بيريللي بالفعل بعد انتهاء التجارب التأهيليّة حيث أكّدت أنّه في حين أنّ استراتيجيّة الثلاثة توقّفات ستكون الأسرع، إلّا أنّ صعوبة التجاوز على الحلبة ستدفع بمعظم السائقين إلى التوقّف مرّتين فقط.

وكانت تلك الطريقة التي فاز من خلالها فيرشتابن بالسباق، بالرغم من أنّ المواعيد التي اتّبعها لإجراء توقّفاته كانت مختلفة عن التي اقترحتها بيريللي.

في حين أنّ مزوّد الإطارات اقترح إجراء توقّفين في اللفّة 20 و40 على أن تُستخدم الإطارات المتوسّطة للـ 26 لفّة الأخيرة من السباق، إلّا أنّ فيرشتابن توقّف في اللفّة 12 في مرحلة أولى واللفّة 34 ليكمل نتيجة لذلك فترة ماراثونيّة بلغت 32 لفّة على الإطارات المتوسّطة.

وجاءت تلك التوقّفات المبكّرة بالرغم من دخول سيارة الأمان إلى الحلبة لثلاث لفّات ما يسمح نظرياً للسائقين بإطالة عمر إطاراتهم.

الانطلاقة النظيفة والمهمّة

إذاً كيف تمكّن فيرشتابن من الفوز بالسباق؟ تمثّلت مهمّته الأولى في تقديم انطلاقة جيّدة والبقاء بعيداً عن المشاكل، ليست تلك بالمهمّة السهلة بالنظر إلى أنّ إجراءات الانطلاقة مختلفة على سيارة ريد بُل، بالرغم من أنّه يملك معرفة سابقة بوحدة طاقة رينو من العام الماضي.

ومع خروج ثنائي مرسيدس مباشرة من الصورة، تقدّم الهولندي إلى المركز الثاني خلف ريكاردو. كما قدّم إليه زميله السابق في تورو روسو كارلوس ساينز معروفاً بتجاوز ثنائي فيراري.

فبعد ضعف تأديتها خلال التجارب التأهيليّة وتفوّق ريد بُل عليها، حظيت الحظيرة الإيطاليّة بفرصة لتعويض ذلك لو قدّم سائقاها لفّات أولى قويّة للغاية، لكنّ ذلك لم يحدث. إذ بعد أن خرجت سيارة الأمان، خسر ثنائي فيراري بعض الوقت أثناء محاولتهما تجاوز ساينز، ما سمح لثنائي ريد بُل ببناء أفضليّة جيّدة ومهمّة للغاية خلال الفترة الأولى من السباق.

أجرى متصدّر السباق ريكاردو توقّفه عند اللفّة الـ 11 واستجاب فيرشتابن ورايكونن بعد ذلك بلفّة، حيث كانت الخيارات الاستراتيجيّة لا تزال مفتوحة أمام ثلاثتهم.

لكنّ فيتيل بقي على الحلبة حتّى اللفّة الـ 15 وبدا أنّه يقترب من مجال اتّباع استراتيجيّة توقّفين فقط، إلّا أنّ الأمر لم يكن كذلك كما تبيّن في ما بعد. كان الفريقان منهمكين في تقييم الخيارات المتاحة أمامهما فضلاً عن تخمين ما سيقوم به كلٌ منهما، ليعمد كلاهما إلى فصل استراتيجيّتي سائقيهما.

وقال كريسيتيان هورنر مدير فريق ريد بُل: "من الواضح بأنّنا علمنا أنّ لدينا فرصة للحصول على نتيجة قويّة بعد اصطدام نيكو روزبرغ ولويس هاميلتون عند المنعطف الثالث".

وأضاف: "تمتلك فيراري سيارة تنافسيّة للغاية هذا العام، كان من الصعب دائماً إبقاء سيارتيها خلفنا، كانت وتيرتها أفضل في الهواء النقيّ بكلّ تأكيد".

وتابع: "لكن من الواضح بأنّ التجاوز ليس سهلاً على هذه الحلبة، لذلك قرّرنا فصل استراتيجيّة سائقينا، إذ لم يكن من الواضح بعد التوقّف الأوّل أيّ الاستراتيجيّتين ستكون الأسرع. شعرنا أنّ فيتيل كان الأسرع على الحلبة حينها عندما كانت المساحة خالية أمامه، كان السؤال حينها كيف سنتمكّن من التغلّب على فيتيل؟ شعرنا من وجهة نظرنا كفريق أنّ فصل استراتيجيّتي سائقينا سيمنحنا كلا الخيارين، إذ لم يكن الأمر واضحاً عند تلك النقطة".

وأكمل: "علمنا أنّ استراتيجيّة التوقّفين ستترك من سيتّبعها عرضة للكثير من الضغط عند نهاية السباق بالنظر إلى تآكل الإطارات".

فصل الاستراتيجيّات

مع علمنا الآن بالطريقة التي جرت وفقها الأمور فمن السهل القول بأنّ ريكاردو لم يحصل على الخيار المناسب من جهة ريد بُل بالنظر إلى أنّه كان متصدّر السباق وانتهى به المطاف في المركز الرابع آخر رباعي الصدارة. في الحقيقة حصل الأسترالي على ما كان يُعتقد حينها أنّه الخيار الأفضل للفوز بالسباق.

وقال هورنر حيال ذلك: "كان بإمكاننا رؤية وتيرة فيتيل عندما تجاوز ساينز وكانت المساحة خالية أمامه إذ كانت سرعته أعلى منّا بكثير. الطريقة الواضحة التي يُمكنهم من خلالها تجاوزنا كانت باعتماد ثلاثة توقّفات".

وأضاف: "توجّب علينا اتّخاذ قرارٍ تكتيكي عند تلك النقطة: هل نحاول التغطية على فيتيل من خلال إحدى سيارتينا، أي التي اعتقدنا أنّها تتمتّع بأفضل فرصة للفوز بالسباق وهي سيارة ريكاردو المتصدّر لذلك قرّرنا التوقّف ثلاث مرّات. كما يبدو أنّ فيراري اتّخذت قراراً مماثلاً عند تلك النقطة أيضاً".

أحد المصادر من فريق ريد بُل أشار إلى أنّ ريكاردو كان يستهلك إطاراته بشكلٍ مكثّف ما ساعد على تبرير اعتماد استراتيجيّة الثلاثة توقّفات، بالرغم من أنّ هورنر نفى ذلك.

وقال البريطاني: "اعتقد أنّ وتيرة سائقينا كانت متشابهة كما أنّ حرارة إطاراتهما متقاربة للغاية أيضاً. كان خياراً استراتيجياً بحتاً، ليس الأمر واضحاً من وجهة نظر الفريق، حيث كان التآكل والحرارة أعلى اليوم. لذلك قرّرنا فصل استراتيجيّتي سائقينا من منظورنا كفريق".

كان ريكاردو متقدّماً بـ 1.1 ثانية فقط عن فيرشتابن عندما توقّف للانتقال إلى الإطارات الليّنة في اللفّة الـ 28 ليلتزم بذلك باستراتيجيّة ثلاثة توقّفات ما دفع فيتيل لتغطيته في اللفّة التالية.

في المقابل، دخل فيرشتابن في مجال استراتيجيّة توقّفين عندما  قام بتغيير إطاراته في اللفّة الـ 34 من خلال مجموعة أخرى من التركيبة المتوسّطة ليتبعه رايكونن بعد ذلك بلفّة. كان أمامهما 32 و31 لفّة توالياً على تلك الإطارات حتّى نهاية السباق، لكنّهما كانا يدركان التحدي الذي سيواجهانه.

وقال فيرشتابن: "حالما أجرينا توقّفنا أدركت أنّنا سنواصل حتّى نهاية السباق. لم أضغط كثيراً خلال اللفّات الأولى من تلك الفترة. كنت أعلم أنّ فيراري أسرع منّا بقليل لكنّني سمحت له بالاقتراب، وبدأت بإدارة الفارق منذ ذلك الحين".

المعركة الأخيرة

لم يكن الأمر يقتصر على رايكونن فحسب، إذ أنّ فيتيل وريكاردو لا يزالان في المعركة عند تلك النقطة. أجرى فيتيل توقّفه الثالث في وقتٍ مبكّر للغاية حيث أكمل 8 لفّات فقط على الإطارات الليّنة وقام بتغييرها في اللفّة الـ 37.

كان ذلك بعد لفّتين فقط من توقّف زميله الذي يتّبع استراتيجيّة التوقّفين. قرّرت ريد بُل عدم الاستجابة مباشرة ليواصل ريكاردو السير على الحلبة لستّ لفّات إضافيّة حتّى اللفّة الـ 43 من عمر السباق لينتقل إلى الإطارات المتوسّطة، كان يعلم أنّه لن يخسر مركزه فحسب وإنّما قدراً كبيراً من الوقت لصالح فيتيل، حيث اتّضح أنّه خسر سبع ثوانٍ كاملة.

لكنّ إطاراته في المقابل كانت أجدد بستّ لفّات من فيتيل. أي أنّ فترة كلّ سائقٍ على مجموعة إطاراته الأخيرة كانت كالتالي: فيرشتابن 32، ورايكونن 31، وفيتيل 29 وريكاردو 23.

لم تكن لدى فيتيل أفضليّة كبيرة من ناحية عمر الإطارات بالمقارنة مع ثنائي الصدارة، أمّا ريكاردو الذي كان يملك سرعة إضافيّة في جعبته فقد علق خلف سيارة فيتيل.

وقال هورنر: "أجرت فيراري توقّفها الأخير في وقتٍ مبكّرٍ لمحاولة منح فيتيل أفضليّة موقعه على المسار. توقّف ريكاردو بعده بخمس أو ستّ لفّات لمنحه إطارات أجدد، لكن لم يكن فيتيل قادراً على الاقتراب من ثنائي الصدارة بسرعة كما اعتقدنا، اتّضح أنّنا سنواجه بعض المتاعب في تلك الفترة الأخيرة".

وأضاف: "لو تمكّن ريكاردو من تجاوز فيتيل في وقتٍ مبكّر لكانت لديه أفضليّة كبيرةٌ في الأداء بالمقارنة مع فيرشتابن ورايكونن. من السهل قول ذلك الآن بعد أن انتهى السباق".

وتابع: "لم يكن من السهل معرفة أيّ الاستراتيجيّتين أسرع عند تلك النقطة من السباق. شعرنا أن فيتيل هو منافسنا الأساسي وأنّ علينا التغلّب عليه عن طريق ريكاردو".

في حين أنّ الأسترالي حاول تجاوز فيتيل، إلّا أنّ سائق فيراري كان قادراً على إبقائه خلفه أثناء الحفاظ على إطاراته، بينما وجد رايكونن نفسه عالقاً خلف فيرشتابن، لكنّ المتصدّر كان قادراً على إدارة الفارق بالرغم من الضغط الكبير الذي كان يرزح تحته. كان لدى سائق ريد بُل سرعة كافية للبقاء أمام منافسه من فيراري.

وقال هورنر: "من الواضح أنّنا اعتمدنا مستوىً أقلّ من الارتكازيّة هنا. لم نستخدم ما تسمونه مقعد القرد (جنيّح «واي150»)، كما لم تكن زاوية هجوم الجناح كبيرة".

وتابع: "بالرغم من ذلك تمكّنا من الحصول على مستوى تماسك جيّدٍ عند الخروج من المنعطف الأخير ما كان يمنح فيرشتابن فارق 0.7 ثانية عند خطّ البداية والنهاية، إذ في حين أنّ رايكونن كان قادراً على استخدام نظام «دي آر اس» والاقتراب منه، إلّا أنّ ذلك لم يكن كافياً لتجاوزه عند المنعطف الأوّل".

وأضاف: "تمكّن فيرشتابن من الحفاظ على إطاراته بشكلٍ رائع وضمان إبقائه القدر الكافي للدفاع عن مركزه أمام هجمات رايكونن خلال اللفّات الخمس أو الستّ الأخيرة".

جعل الهولندي الفوز يبدو سهلاً، لكنّه لم يكن كذلك. كما أشرنا سابقاً فإنّ فيرشتابن حاول حماية إطاراته، حيث يعلم أنّ تلك الفترة الماراثونيّة ستزداد صعوبة قرب نهاية السباق. تمثّل القسم الصعب من المعادلة في دخول الخطّ المستقيم بشكل نظيفٍ وعدم خسارة الزخم.

وقال صاحب الـ 18 ربيعاً: "بكلّ صدقٍ علمت أنّ المهمّة ستكون صعبة للغاية. لكنّك تعلم أنّ عليك التركيز ذهنياً ومحاولة إدارة الإطارات خاصة خلال أوّل عشر لفّات من تلك الفترة".

وأضاف: "لا تضغط على الإطارات بشكلٍ كبير بطبيعة الحال بل تحاول إدارتها، لكنّ القيادة عليها خلال اللفّات العشر الأخيرة من السباق كانت بمثابة القيادة على الجليد. كانت السيارة تنزلق كثيراً، لكن تعلّق الأمر بإدارة الفارق عند المقطع الأخير من الحلبة والحصول على خروجٍ نظيف من المنعطف الأخير. أعتقد أنّ العديد من السباقات تمّ الفوز بها من خلال هذه الطريقة هنا في برشلونة".

كتابة التاريخ

قام الشاب الهولندي بعمله على أكمل وجه! آتى ذلك ثماره وبقي على مسافة من رايكونن.

وقال هورنر: "أعتقد أنّ الوضع كان مشابهاً للقيادة على الجليد. كانت الفترة الأخيرة طويلة للغاية. اعتقدنا أنّ الإطارات ستصل إلى طبقتها الداخليّة في الحقيقة. كنّا نعلم الخطّة التي سنتّبعها عند إجراء توقّفنا الأخير".

وتابع: "كان سعيداً بإبقاء فارق ثانية بينه وبين رايكونن، لكن توجّب عليه أيضاً عدم إغفال تركيزه عن الإطارات، وعدم إغلاق مكابحه أو الدخول إلى المنعطفات بشكلٍ واسع. امتلاك شخصٍ ما ذلك المستوى من الثقة والعزيمة يدلّ دائماً على مستقبل واعد".

وأضاف: "أعتقد أنّ أفضل الجوانب في أدائه كانت هدوءه. من الواضح أنّ لديه قدرات هائلة عندما يقود السيارة. يزداد توتّرنا جميعاً قبل خمس لفّات على النهاية إذ أنّ الإطارات كانت عند حدودها القصوى، وكان رايكونن خلفه مباشرة".

وأكمل: "لكنّه حافظ على هدوئه وقال عبر جهاز التواصل اللاسلكي: «هل بإمكانكم الطلب من تشارلي وايتينغ أن يتعامل مع الأعلام الزرقاء بشكلٍ أسرع؟»".

واختتم حديثه بالقول: "لم يكن هناك أيّ انفعالٍ في صوته ولا أيّ فزع ولا قلق. كان شاباً يتحكّم بشكلٍ كاملٍ بالعمل الذي يقوم به. ذلك ما قام به منذ أن دخل السيارة للمرّة الأولى..."

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة إسبانيا الكبرى
حلبة حلبة برشلونة-كاتالونيا
قائمة السائقين دانيال ريكاردو , كيمي رايكونن , ماكس فيرشتابن , سيباستيان فيتيل
قائمة الفرق فيراري , ريد بُل ريسينغ
نوع المقالة تحليل