تحليل: كيف دفعت استراتيجيّة مرسيدس بهاميلتون لإيجاد طريقة لتجاوز روزبرغ

لا يُمكن غضّ الطرف عن أنّ حادثة لويس هاميلتون ونيكو روزبرغ جذبت اهتمام الجميع خلال جائزة النمسا الكبرى، لكن كانت هناك أمور أخرى تجري منذ المراحل الأولى للسباق وساهمت في بلوغ الحادثة الأخيرة التي جمعت ثنائي البيت الواحد.

أعادت عطلة نهاية الأسبوع الماضي للأذهان ما حدث في عدّة سباقات أخرى، وليس مجرّد الجدل الذي أُثير نتيجة الحادثة التي جمعت ثنائي مرسيدس في اللفّة الأولى من سباق برشلونة.

للسباق الرابع على التوالي منذ انسحابهما في إسبانيا، تمكّنت سيارة مرسيدس من الفوز بالسباق بينما أكملت الأخرى خارج مراكز منصّة التتويج، إذ احتلّت السيارة الثانية المركز السابع، والخامس، والخامس، والرابع توالياً.

يُثبت ذلك أنّه عندما لا تسير الأمور بشكلٍ مثالي على سيارة دبليو07 فإنّ المنافسين قريبون بما فيه الكفاية لاستغلال ذلك.

تعقيد الوضع

بشكلٍ مماثلٍ لانتصاريه الآخرين في موناكو ومونتريال هذا الموسم، توجّب على هاميلتون تقديم فترات حاسمة خلال السباق من خلال إطالة عمر الإطارات بشكلٍ خيالي، تلك كانت مهمّته هذه المرّة: إطالة عمر التركيبة بالغة الليونة "ألترا سوفت" التي انطلق على متنها.

واجهت مرسيدس بعض المشاكل الجذريّة مع تلك التركيبة خلال التجارب الحرّة الثالثة يوم السبت، إذ كان سائقاها قادرين على إكمال عددٍ قليلٍ من اللفّات قبل أن يطغى حادث انكسار نظام تعليق سيارة روزبرغ على ما حدث بالنسبة للإطارات.

بالرغم من ذلك فإنّ تسجيل ثنائي مرسيدس أزمنتهما خلال القسم الثاني من التجارب التأهيليّة على إطارات "ألترا سوفت" كان يعني التزامهما باستخدام تلك التركيبة خلال الفترة الأولى من السباق.

وبعد نهاية التجارب التأهيليّة سألنا هاميلتون إن كان قلقاً حيال الانطلاق على متن التركيبة التي تبدو ضعيفة، خاصة أنّ سائقي فيراري وريد بُل سجّلوا أسرع أزمنتهم في القسم الثاني على الإطارات فائقة الليونة "سوبر سوفت" التي تتمتّع بعمرٍ أطول.

فأجاب هاميلتون: "لم تكن صبيحة اليوم (السبت) جيّدة. لم أُكمل عدداً كبيراً من اللفّات على إطارات ألترا سوفت. كان من المفترض أن أُكمل 10 لفّات لكنّني قمت بأقلّ من ذلك بكثير. الأمر يبعث على القلق بكلّ تأكيد. ستكون درجات الحرارة منخفضة غداً، أي قد تتغيّر النتيجة بالكامل من ناحية الإطارات المستخدمة".

وأضاف: "لكنّني تعلّمت الكثير من ذلك. هناك الكثير من التغييرات التي بوسعي إدخالها على أسلوب قيادتي لجعل الإطارات تدوم لفترة أطول. سأُحاول تطبيق ذلك غداً. لكن من يدري كم ستدوم إطارات سوبر سوفت؟ في النهاية فإنّ منافسي الأبرز، وهو روزبرغ، على متن نفس تركيبة الإطارات مثلي. يعني ذلك أنّنا سنكون في نفس الوضع وآمل أن أتمكّن من جعل الإطارات تدوم...".

ضرورة القيام بذلك ازدادت صبيحة الأحد عندما أعلمه الفريق بأنّ الاستراتيجيّة الأساسيّة تتمثّل في إكمال السباق عن طريق توقّفٍ وحيد أي أنّ عليه بشكلٍ مثاليٍ إكمال 23 لفّة على إطارات ألترا سوفت.

بالتوجّه إلى السباق توجّب على هاميلتون تقديم انطلاقة جيّدة، وقام بذلك هذه المرّة، إذ ساعدته في ذلك انطلاقة نيكو هلكنبرغ الضعيفة من المركز الثاني. كان البريطاني قادراً على تحديد وتيرته المناسبة والتركيز على حماية إطاراته لضمان بلوغه هدف عدد اللفّات على إطارات "ألترا سوفت".

كانت الظروف الجويّة أكثر برودة وصبّت في صالحه، لكنّ التحدّي الذي واجهه هاميلتون ظهر جلياً بعد أن بدأت معاناة هلكنبرغ مع التركيبة بالغة الليونة وتراجع سائق فورس إنديا في الترتيب سريعاً ليُجري توقّفه خلال اللفّة الثامنة.

وبعد ذلك بلفّتين فقط توقّف روزبرغ الذي تقدّم من المركز السادس إلى الثالث خلف هاميلتون ورايكونن.

في المقابل واصل هاميلتون السير على الحلبة لـ 11 لفّة إضافيّة ليُجري توقّفه في اللفّة الـ 21 أي أقل بلفّتين فقط من هدفه الأساسي قبل انطلاق السباق.

إذاً لماذا التوقّف المبكّر لروزبرغ؟

"تدهورت حالة إطارات روزبرغ، لذلك توجّب علينا نقله مباشرة إلى استراتيجيّة التوقّفين" قال بادي لوي المدير التقني لمرسيدس لموقعنا «موتورسبورت.كوم».

وأضاف: "كنّا نراقب هاميلتون طوال الوقت وكان لا يزال يبتعد عن ملاحقيه لذلك تركناه على الحلبة للحفاظ على جميع الخيارات سواءً إجراء توقّفٍ واحدٍ أو اثنين. كما كنّا نريد ضمان تغطية فيراري التي بدا أنّها ستتوقّف مرّة واحدة. كما اتّضح فيما بعد فقد تمكّنا من إبقاء هاميلتون على الحلبة حتّى اللفّة الـ 21 وهو مجالٌ جيّدٌ لإجراء توقّفٍ وحيد".

وبشكلٍ مثيرٍ للاهتمام، عندما سألنا روزبرغ إن كان عانى من تدهور حالة إطاراته خلال الفترة الأولى، ربّما بسبب الزحام ومنافسة السيارات الأخرى بينما كانت المساحة خالية أمام هاميلتون، نفى الألماني وجود أيّة مشاكل.

"كان لديّ حوالي 70 بالمئة من المطاط في إطاراتي، كان بإمكاني مواصلة السير لفترة طويلة" قال روزبرغ، وأضاف: "لم يكن هناك فارق. كان قراراً حيال الاستراتيجيّة لمحاولة البقاء أمام الجميع وخطّطنا للانتقال إلى توقّفين".

مهما كانت القصّة الحقيقيّة وراء إطارات روزبرغ، إلّا أنّ ذلك لا يمنع أنّ هاميلتون قام بعملٍ رائعٍ للحفاظ على إطاراته.

وقال بطل العالم: "هناك أساليب قيادة مختلفة يُمكن اتّباعها للعناية أو استهلاك أو حتّى تدمير الإطارات. دمّرت إطاراتي في التجارب الحرّة من خلال اختبارٍ أسلوبٍ معيّن. لكنّني تعلّمت الكثير في الليلة الماضية، أعني الخطوط ومتى يجب عليّ رفع قدمي عن دوّاسة الوقود وأين عليّ الحفاظ على إطاراتي. وقمت بذلك أيضاً صبيحة اليوم".

وأضاف: "بدا أنّ ذلك يعمل بشكلٍ جيّد. كانت الخطّة الأساسيّة، التي اتّبعتها، تقضي بالتوقّف مرّة وحيدة في اللفّة الـ 23. عندما أخبروني بذلك قلت أنّه من المستحيل أن أبلغ 23 لفّة إذ أنّني قمت بأربع لفّات فقط يوم السبت. لكن بالنظر إلى الحرارة المنخفضة فقد كان بوسعي قطع مسافة أطول. لكنّني سعيدٌ بالطريقة التي اعتنيت من خلالها بإطاراتي. ليست مفاجأة فقد قمت بذلك في عدّة سباقات أخرى...".

من جانبه قال لوي: "قام بعملٍ رائع. من خلال تركيبة من التحضير الجيّد والحرارة المنخفضة فقد استطاع الحفاظ على إطاراته في حالة جيّدة. لكن لم يكن الأمر مماثلاً بالنسبة لروزبرغ، لا أعلم سبب ذلك".

فصل الاستراتيجيّتين

عندما أجرى هاميلتون توقّفه عاد خلف روزبرغ وكان كلاهما على الإطارات الليّنة. بدا أنّه خسر كلّ شيء، لكنّ الفريق كان ينوي حينها أنّ على روزبرغ فقط التوقّف مرّة أخرى بينما يُواصل هاميلتون سباقه حتّى النهاية. كان الفريق يتّبع أفضل استراتيجيّة وهي الفائزة.

"كان لويس متقدّماً في الأمام، وبدت استراتيجيّة التوقّف الوحيد الأفضل بالنسبة للمتصدّر" قال توتو وولف مدير قسم رياضة السيارات في مرسيدس.

وأضاف: "كنّا متأكّدين إلى أيّ مدىً ستواصل فيراري البقاء على الحلبة، وما إذا كانت ستتّبع استراتيجيّة توقّفٍ وحيد وهو ما قامت به بالفعل. رُبّما قامت بإطالة الفترة أكثر من اللازم بالنسبة لفيتيل".

وتابع قائلاً: "لذلك أبقينا هاميلتون على الحلبة. كانت أزمنته تنافسيّة بالمقارنة مع سيارتي فيراري اللتين كانتا خلفه ولم نهتمّ كثيراً لخطر روزبرغ وثنائي ريد بُل كون ثلاثتهم كانوا على استراتيجيّة توقّفين".

لكنّ مجرى السباق قد يتغيّر في أيّة لحظة، وبعد فترة سيارة الأمان، ومع خروج فيتيل من المعادلة، أدّت حسابات الفريق لإجراء تغيير في الاستراتيجيّة.

وقال لوي: "مع تجاوزنا لفترة سيارة الأمان ورؤية وتيرة السيارات بدا واضحاً أنّ استراتيجيّة التوقّفين التي يتّبعها روزبرغ ستجعله يتغلّب على هاميلتون في جميع الحالات. أي بالرغم من أنّ لويس كان في الخلف وقادراً على إكمال السباق بتوقّفٍ وحيد، إلّا أنّ سباقه انتقل إلى توقّفين وتوجّب عليه منافسة روزبرغ وجهاً لوجه".

وأضاف: "الفارق بين الاستراتيجيّتين لم يكن واضحاً عند بداية السباق. من الواضح أنّك تودّ دائماً منح الاستراتيجيّة الأفضل للسائق الذي في الأمام".

من جانبه قال وولف: "غيّرنا رأينا عند مرحلة معيّنة وشعرنا أنّ استراتيجيّة التوقّفين كانت أكثر أماناً لإكمال السباق. لذلك قمنا بالانتقال إليها وهو ما وضع هاميلتون خلف روزبرغ.

تسريعٌ متأخّرٌ للوتيرة

كان هاميلتون خلف روزبرغ بثانية واحدة فقط عندما دخل لتغيير إطاراته مجدّداً في اللفّة الـ 54. قال له مهندسه العبارة الشهيرة "حان وقت المطرقة" ويُقصد بذلك أنّ عليه الضغط إلى أقصى الحدود. لكنّ توقّفه كان بطيئاً بعض الشيء فضلاً عن ارتكابه بعض الأخطاء في لفّة خروجه إذ كان على الإطارات الليّنة "سوفت" التي تتطلّب بعض الوقت لبلوغ مجال عملها المثالي.

تلك الأجزاء الثمينة التي أضاعها أثبتت نجاعتها بالنسبة لروزبرغ الذي توقّف في اللفّة التالية وعاد إلى الحلبة أمام هاميلتون ببعضٍ من الأريحيّة.

كان أمامه 16 لفّة حتّى النهاية وفي حال كان هاميلتون سيُحقّق الفوز فسيتوجّب عليه تجاوز زميله على المسار.

لم يفهم هاميلتون لِمَ توجّب عليه التوقّف مجدّداً وكان مرتبكاً بعض الشيء أثناء تواجده خلف روزبرغ لبعض اللفّات.

واعترف البريطاني قائلاً: "لم أستوعب بشكلٍ جيّدٍ تواجدي في ذلك الموقع. قمت بكلّ شيء طُلب منّي وبعدها طُلب منّي التوقّف مجدّداً والانتقال إلى الخطّة البديلة في وقت كنّا فيه على استراتيجيّتين مختلفتين. كان سيتوّقف مرّتين، بل أنّ الفريق أخبرني بذلك منذ البداية «روزبرغ يتّبع استراتيجيّة توقّفين»، لذلك علمت أنّه سيتوقّف مجدّداً. كانت إطاراتي في حالة جيّدة وانتقلت فجأة إلى استراتيجيّة توقّفين ما يعني أنّني كنت أتّجه للعودة خلفه".

وأضاف: "لم أستوعب ذلك جيّداً ولا أزال كذلك، أنا متأكّدٌ من أنّ الفريق سيشرح لي ذلك لاحقاً. حاولت تجاوز المسألة وقلت في نفسي أنّ أمامي سباقاً للفوز به، توجّب عليّ تسريع وتيرتي ومحاولة تجاوزه حتّى لو أخذ منّي ذلك كلّ نفسٍ ودقّة قلب، سأبذل كلّ ما في وسعي وعلى الأقل سأعلم في النهاية أنّني بذلت أقصى ما أستطيع...".

إحدى أبرز الجوانب إثارة في القسم الأخير تمثّلت في استخدام ثنائي مرسيدس تركيبتين مختلفتين من الإطارات، إذ في حين كان هاميلتون على مجموعة من الإطارات الليّنة، استخدم روزبرغ مجموعة من الإطارات فائقة الليونة "سوبر سوفت" وبدا هاميلتون قلقاً عبر جهاز التواصل اللاسلكي عندما سأل عن سبب الخيارات المختلفة.

في الحقيقة كان لديه الخيار الأفضل كما أكّد لوي: "الإطار الليّن كان الأفضل، لكن لم تكن لدينا مجموعة من الإطارات الليّنة لروزبرغ".

قد يبدو ذلك غريباً، لكن هناك تفسيرٌ بسيطٌ لذلك. عادة ما تطلب مرسيدس مجموعة واحدة من الإطار الأقسى المتاح لأحد سائقيها واثنان للآخر. أياً من كان لديه مجموعتان يستخدم إحداهما يوم الجمعة.

كان هاميلتون من لديه مجموعتان هذه المرّة، لكنّ الأمطار تساقطت يوم الجمعة ولم يقم بعددٍ كبيرٍ من اللفّات عليها، أي أنّه كان بوسعه الحفاظ عليها للسباق.

"تمتّع هاميلتون بالأفضليّة هذا الأسبوع من خلال مجموعة إضافيّة من الإطارات الليّنة بالمقارنة معي والتي عادة ما يتمّ استخدامها خلال التجارب الحرّة" قال روزبرغ، وأضاف: "لكن بسبب الأمطار كان قادراً على الحفاظ عليها للسباق، مثّل ذلك أفضليّة كبيرة بالنسبة إليه في السباق، وهو ما كنت أعيه جيّداً".

وأضاف: "كان ذلك أحد الأسباب الرئيسيّة التي مُنح من خلالها فرصة في النهاية، لكنّني أتقبّلها بالكامل كونها مقاربة عادلة من الفريق. كان محظوظاً بتوافر مجموعة إضافيّة من الإطارات الليّنة".

في المقابل كان بحوزة روزبرغ مجموعة جديدة من إطارات سوبر سوفت، إذ لم يستخدمها خلال التجارب الحرّة الثالثة نتيجة حادثه، بينما لم يكن لدى هاميلتون أيّة مجموعة من تلك التركيبة، وذلك يُلخّص سبب اعتماد إطارات مختلفة لكلٍ منهما في الفترة الأخيرة.

أضاف ذلك بُعداً آخر للمنافسة بينهما حتّى خطّ النهاية، كما توجّب عليهما تجاوز ماكس فيرشتابن الذي توقّف لمرّة وحيدة وتقدّم إلى الصدارة بعد توقّف ثنائي مرسيدس، لكنّه لم يكن يملك الوتيرة الكافية على إطاراته المتآكلة للبقاء في الأمام.

تطلّب الأمر لفّتين إضافيّتين بالنسبة لهاميلتون لتجاوزه، كما كان الفارق بينه وبين روزبرغ بين مدٍ وجزر نتيجة زحام السيارات المتأخّرة.

مع اقتراب نهاية السباق كان هاميلتون خلف روزبرغ مباشرة، وكان الأخير يُدرك أنّ إطاراته اقتربت من نهاية عمرها قبل أن يزداد الوضع تعقيداً بسبب مشكلة في مكابح سيارته.

وقال لوي حيال ذلك: "تآكلت مكابحه بشكلٍ كبير. كنّا ضمن القيود التي تفرضها القوانين لمحاولة إخباره بكيفيّة إدارة المشكلة. لكنّ مكابحه تعطّلت في اللفّة الأخيرة وانتقلت إلى ما نسميه «الوضع غير الفعّال»، أي أنّ نظام الكبح عبر السلك لم يعد يعمل. تخسر قوّة المكابح وبعضاً من الطاقة المسترجعة".

كان هاميلتون ضمن حدود نظام "دي آر إس" خلال اللفّات الأخيرة، لكنّه لم يحصل على الزخم الأفضل إلّا عندما عبر روزبرغ على الحفف عند المنعطف الأوّل من اللفّة الأخيرة ليقترب منه ويسير إلى جانبه من الجهة اليُسرى عند دخول المنعطف الثاني.

ما حدث بعد ذلك قصّة أخرى...

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة النمسا الكبرى
حلبة ريد بُل رينغ
قائمة السائقين لويس هاميلتون , نيكو روزبرغ
قائمة الفرق مرسيدس
نوع المقالة تحليل