تحليل: كيف خذلت "القوة الذهنية" سيباستيان فيتيل في موسم 2017 للفورمولا واحد؟

لا يمكن إحراز أربعة ألقاب في الفورمولا واحد من دون امتلاك مجموعة مهارات تضع السائق في مصاف العظماء. بيد أنّ إحداها خذلت سيباستيان فيتيل عندما كان في أشدّ الحاجة لها هذا الموسم، لهذا السبب تلاشت آماله في المنافسة على اللقب بالفعل.

قد يكون فيتيل "رجل فيراري" في الوقت الحاليّ، كما أنّ طاقم ريد بُل قد لا يوفيه حقه الكافي في الحديث عن صفاته خلال الفترة التي قضاها ضمن صفوف الحظيرة النمساويّة. ولا يُعدّ ذلك أمراً مستغرباً نظراً لأنه أحرز معها أربعة ألقاب متتالية.

لكنّ للقصة وجوهاً أخرى، وكما هو الحال مع السائقين العظماء: ترك فيتيل انطباعاً لا يُنسى لدى فريقه السابق.

حيث قال بول موناغان كبير مهندسي ريد بُل: "يتمتع سيباستيان بقوة ذهنية كبيرة جداً – التزامه منقطع النظير، وكذلك تصميمه؛ لديه فكر ثاقب ولا تفوته شاردة أو واردة. لذا فإنّ صفاته المتكاملة تجعل منه سائقاً جيداً بشكل مذهل".

أما هيلموت ماركو مستشار ريد بُل لرياضة السيارات، فقال: "إنه يمتلك الصفات العامة التي يتحلى بها أيّ سائق عظيم".

وأكمل: "إنه يتحلّى بالتركيز على أدقّ التفاصيل. تتمحور حياته، بشكل أو بآخر، حول التسابق".

الالتزام، التصميم، التركيز والقوة الذهنية: تلك كانت الكلمات التي تصف ميّزات فيتيل. تلك هي الخصال التي ساعدته على تحقيق أربعة ألقاب في الفورمولا واحد، تلك التي حملها معه إلى قلعة مارانيللو ضمن مساعي إعادة فيراري إلى أمجادها الغابرة.

لا يمكن الشكّ على الإطلاق بالتزام فيتيل، وتصميمه وتركيزه طوال هذا الموسم خلال المعركة التي جمعته مع لويس هاميلتون على اللقب.

قدم الألمانيّ أداءً جيداً للغاية خلال أغلب فترات العام. لم يخرج منتصرًا في نهاية المطاف، لكنه نجح بالفعل في إحراز المركز الأول خلال أربعة سباقات على متن ثاني أسرع سيارة لهذا الموسم، إضافة إلى أدائه خلال التصفيات الذي منحه التأهل على صف الانطلاق الأول ضمن ظروف صعبة. كل ذلك كان رائعاً بحقّ.

لكنّ اللافت للانتباه هو الكيفية التي خذلته فيها قوته الذهنية في أكثر اللحظات التي كان يحتاج إليها.

طبع فولاذيّ

يمتلك فيتيل عادةً طبعاً فولاذياً يجعل من المستحيل هزّ ثقته بنفسه – على عكس هاميلتون، الذي ظهر عدة مرات ببعض المواقف الضعيفة خارج الحلبة، قبل أن يهنأ بجوّ أكثر إيجابية بعد رحيل نيكو روزبرغ، خاصة وأنّ البطل المعتزل كان طرفاً أساسياً في المعركة الداخلية ضمن صفوف مرسيدس.

خلال بداية هذا الموسم، بدا فيتيل – ومن جميع النواحي – السائق الذي يمتلك الحزمة المتكاملة.

حيث قال هاميلتون نفسه في تصريح لموقع "موتورسبورت.كوم" قبيل جائزة كندا الكبرى: "كلّ ما أعلمه أنّ فيتيل يسير على طريق إحراز اللقب: مركز أول - ثانٍ - أول - ثانٍ - أول - ثانٍ".

وأكمل: "إنه يتمتع بقوة ذهنية هائلة".

شهد ذلك السباق حدوث ضررٍ على سيارة فيتيل عند الانطلاقة نتيجة منافسته مع ’إعصار’ ماكس فيرشتابن، لكنّ الألماني نجح في التعافي ليحلّ في المركز الرابع. حيث خسر بضع نقاط إضافية لصالح هاميلتون، لكن من دون أية أضرار كبيرة – وبالتأكيد لم يكن اللوم يقع على الألماني ما عدا انطلاقته المتوسّطة.

بعد ذلك، جاءت أحداث سباق باكو. أين كانت قوة فيتيل الذهنية حينها؟ ضمن لحظة غضب غير محسوبة وغياب كامل للانضباط خلف سيارة الأمان، ألقى فيتيل بـ 13 نقطة حاسمة، وعرّض نفسه إلى جلسة استماع من قبل الهيئة الحاكمة للبطولة.

ونظراً لعلاقة فيتيل المتوتّرة مع "فيا" عقب المرة الأخيرة التي فقد فيها أعصابه بشكل كامل خلف المقود خلال سباق المكسيك الموسم الماضي، فإنّ ما حصل في أذربيجان لم يكن ذا تأثير جيد على الإطلاق.

"إنه ألمانيّ، لكنه لا يمتلك القدرة على البقاء هادئاً والتحلي بالتركيز فقط، إنّه إيطاليٌ أكثر خلف مقود السيارة" قال ماركو معلقاً.

وأكمل: "أكثر مما تتوقع من سائق ألماني، خاصة عندما تتكلم مع فيتيل بشكل اعتياديّ. لكنّ ذلك يُظهر مدى الجهد الذي يبذله".

وتابع: "مايكل شوماخر كان يركّز بشكل كبير كذلك، لكنه لم يكن يمتلك ذلك الطبع ’العاطفيّ’ الذي يبدو على سيباستيان أحياناً. لديه تصوراته الخاصة عن الصدق والعدل. لا أودّ القول أنّ ذلك يعتبر نقطة ضعف، لكنه في حال شعر أنّه غير مذنب فإنّه لن يعترف بالخطأ فقط لمجرّد أسباب دبلوماسية".

بكل تأكيد، لم يعترف فيتيل بخطئه مباشرة عقب حادثة باكو. لكن لاحقاً، عندما استدعاه مسؤولو "فيا" إلى باريس للنظر في الأمر، أصدر فيتيل اعتذاراً كتابياً لتسببه "بوضع خطير" عبر أسلوب قيادته ذاك.

لاحقاً خلال الموسم، اعترف بشعوره أنه خذل فيراري في الطريقة التي تصرف بها خلال سباق باكو.

"مما يمكنني رؤيته، أعتقد أنه وفي تلك اللحظة، في خضمّ الموقف، كان بوسعه التصرف بردة فعل كبيرة أو عاطفية" قال دانيال ريكاردو زميل فيتيل السابق ضمن صفوف ريد بُل.

وأكمل: "لكن وفي اللحظة التي تعود فيها مستويات الأدرينالين إلى الوضع الطبيعي، فإنه يتحلى بمقاربة جيدة للغاية حيال الأمور".

وأضاف: "سباق المكسيك خلال الموسم الماضي وجميع ما صاحبه من ضجة – مسألة تعليقاته على اللاسلكي والحادثة – إنني واثق أنه كان واضحاً جداً في كلامه، ومن ثم يقول بما معناه: ’حسناً، ربما سأقوم بإعادة تقييم ما حصل’. إنه شخص عاطفيّ لكنني أعتقد أنّ تلك المشاعر الجيّاشة مردّها شغفه".

وتابع: "إنه أحد أكثر السائقين شغفاً على الحلبة، كما أنني أعلم أنه ’يعيش’ الفورمولا واحد ربما أكثر من أيّ سائق فينا".

الشغف جيد وإيجابي. بل وحتى فإنه مثار إعجاب. لكن وكسائق من الطراز الأول ينافس على معركة اللقب الدقيقة في مواجهة أحد أعظم سائقي الفورمولا واحد على الإطلاق، لا يمكن إفساح المجال للعواطف كي تتسبّب بالتأثير على قراراته خلف المقود.

التحكّم في المشاعر

ينبغي هنا تذكّر "أستاذ" التحكّم في العواطف، جاكي ستيوارت، الذي يرى بأنّ ذلك هو الوضع الذي تحتاج فيه للهدوء ورباطة الجأش أكثر من أيّ وقتٍ آخر. إذ سيكون الاتّزان الذهني هاماً للغاية على وجه الخصوص عند التفكير في كيفية المنافسة التي يخوضها فيتيل على اللقب على متن سيارة أبطأ.

ضمن مثل هذا السيناريو، تتعيّن الاستفادة من كلّ فرصة: موناكو، أذربيجان (عندما واجه هاميلتون مشكلة في مسند الرأس)، المجر وسنغافورة، كلّ تلك السباقات شهدت فرصاً لفيراري كي تفوز وتحصد الكثير من النقاط، إذ أنّ الاستفادة في مناسبتين فقط من أصل أربع ليست أمراً جيّداً بالشكل الكافي.

وهنا يجب أن نتوقّف عند سنغافورة، السباق الذي كان فيتيل ليفوز به، لكنّه عوضاً عن ذلك اصطدم بالحائط، حيث لحقت بسيارته أضرار لا يُمكن إصلاحها بعد ثلاثة منعطفات فقط من الانطلاقة.

كانت كلّ العوامل تصبّ في صالح الألماني للفوز بذلك السباق؛ انطلق من المركز الأوّل، هاميلتون على صفّ الانطلاق الثالث. اختار فيتيل الانطلاق على الغيار الثاني.

لكنّ الخطأ هو الخطأ. جميعنا يقترف الأخطاء، بيد أنّه عوضاً عن التعامل مع الوضع حينها بهدوء وثقة بطل للعالم عدّة مرّات، مُقرّاً بالأمر الواقع والحتمي في أثناء توجّهه للمنعطف الأوّل والبقاء سليماً على الحلبة لخوض القتال في يومٍ آخر – آثر فيتيل الدفاع عن مركزه بعدائيّة بغض النظر عن كل ذلك.

بات موقف فيتيل حيال ما حدث في باكو متناغمًا مع موقفنا، أي أنّه ارتكب خطأً سخيفًا ودفع ثمنه. لا يقع اللوم على أحد سوى نفسه وقدرة مستويات الانسيابيّة الحالية في الفورمولا واحد على إبطاء سيارة بشكلٍ مفاجئ وغير متوقّع من دون الحاجة إلى الكبح.

لكن من المثير للاهتمام أنّه قال بأنّه "ما كان على الأرجح" ليقوم بأيّ أمرٍ مختلف في حال تكرار سيناريو سنغافورة مرة أخرى. إذ يبرّر فيتيل ذلك بأنّه لا يُمكنك الأخذ بالحسبان الانطلاقة العبقرية التي قام بها زميله كيمي رايكونن من صفّ الانطلاق الثاني.

"لقد شاهدت ما حدث عدّة مرّات" قال فيتيل، مُضيفاً: "أتفهّم ما يقوله الناس بأنّ «الأمر برمّته خاطئ!» هل أتّفق مع ذلك؟ ليس بالضرورة، كونه لو وضعت نفسك داخل السيارة، فما مدى الرؤية المتاح لك في المرآة؟ كلّ ما كان بوسعي رؤيته هو ماكس".

وتابع: "لذا في حال فكّرت حينها بوجود شخصٍ آخر، وشخصٍ آخر (بعده)، واستحوذ الأمر على تفكيرك، حسناً، أين ستتوقّف؟".

وأضاف: "حينها يحاول الناس تأويل ذلك - يتطلّب الأمر الكثير من الذكاء في تلك اللحظة حيث خرج بعض السائقين سليمين، بينما يتسبّب الغباء في الحادث. لكن حينها يُمكنك المجادلة حول الحظّ وكيف حدث الأمر برمّته".

وأكمل: "من ثمّ هنالك أسبابٌ أخرى، فقد حظيتُ بانطلاقة متواضعة، بينما قام رايكونن بانطلاقة رائعة. رُغم أنّه، نظرياً، كان من المفترض أن يقوم كيمي بانطلاقة أسوأ من التي حظيت بها، لكنّه تمتّع بتماسكٍ جيّد لسيارته منحه انطلاقة أفضل".

واسترسل: "لذا، وفي نهاية المطاف، إنّها حادثة تسابق. كان أثرها سيئاً للغاية عليّ ومنحتْ لويس سباقاً رائعاً، إذ لم يتعيّن عليه فعل أيّ شيء ليجد نفسه في الصدارة بعد ثلاثة منعطفات. لكن هكذا تسير الأمور في بعض الأحيان".

وأردف: "سيكون من المؤسف لو ضرب ذلك الحظ العاثر فرصك في السباق، لكنّه أمرٌ وارد الحدوث في رياضتنا. في حال حدث وكان لصالحك، فلن تُمضي الكثير من الوقت في التفكير حياله. إذ يتمحور الوضع حول ما إذا كان بإمكانك فعل الكثير بشكلٍ مختلف، وعلى الأرجح لن تكون قادراً على ذلك، كوني لا أعتقد بأنّ حركتي على فيرشتابن كانت مُفرطة في عدائيتها".

وواصل بالقول: "لقد توقّفت في اللحظة التي تعرّضت للصدم فيها كي أمنحه مساحة لدخول المنعطف الأوّل وأقطع المسار عائداً إلى الداخل، لكنّ الأمر لم يصل مُطلقاً إلى تلك المرحلة".

هذا ومن الإنصاف في حق فيتيل، أن نقرّ بأنّه لا يوجد اختلاف كبير في حركته التي قام بها على فيرشتابن في سنغافورة، بالمقارنة مع تلك التي قام بها هاميلتون عليه خلال انطلاقة سباق جائزة الولايات المتّحدة الكبرى الشهر الماضي.

حيث بات من الشائع التوجّه بعدائيّة إلى الجانب الآخر على المسار بهدف تغطية خط التسابق الداخلي بعد الانطلاق من المركز الأوّل، بغضّ النظر عن الأمور الأخرى التي تحدث وحقيقة أنّ السيارة تتسارع بشكلٍ أكبر عندما تكون في خطّ مستقيم بالمقارنة مع ما تكون عليه عندما يكون المقود في وضع الانعطاف ولو قليلًا.

لكنّ هاميلتون كانت لديه القدرة على المجازفة عندما تصدّر البطولة بفارق 59 نقطة. إذ أنّه وعند انطلاقة سباق سنغافورة، كان فيتيل خلف البريطاني بفارق ثلاث نقاط فقط. بعبارة أخرى، كانت كلّ الأمور متاحة على الطاولة، وكان الألمانيّ محصوراً بين خيارات عدائية ومتحفّظة.

الصورة الأكبر

لكنّ التفكير بالمسألة بشكل عام، كان يعني ضرورة منح الأولويّة للانسحاب من المعركة من أجل الانتصار في الحرب لاحقاً. إذ لو أنهى فيتيل سباق سنغافورة ثانياً أو ثالثاً، مع إكمال هاميلتون السباق في المركز الخامس أو الرابع على أقصى تقدير، لكان الألماني قد أغلق الفارق مع البريطاني بنقطتين على أسوأ تقدير.

وعلى المدى القصير، كان فيتيل ليُدرك جيداً أنّ سباق سنغافورة مثّل أحد الفرص الواقعية القليلة المتبقية لفيراري من أجل الفوز بسباقٍ في النصف الثاني من الموسم. إذ يشكّل ذلك ضغطاً من أجل تحقيق الفوز بأيّ ثمن، حيث كانت تلك إحدى المناسبات القليلة التي علمت فيها القلعة الحمراء أنّ بوسعها تسجيل عدد كبيرٍ من النقاط على حساب مرسيدس. «عدم الفوز هنا قد يمنح هاميلتون لقب البطولة الآن».

لكنّ ما قام به فيتيل تحديداً هو عدم وضع خياراته واستراتيجياته بالحسبان في خضمّ تلك اللحظة.

صحيحٌ أنّه لم يكن بوسع الألمانيّ القيام بأيّ شيء أمام مشاكل الموثوقية التي واجهتها فيراري، النقاط الـ 38 التي كان من المحتمل الحصول عليها وتمّت خسارتها بسبب عدم الفوز في ماليزيا واليابان كانت لتذهب أدراج الرياح على أيّة حال.

بيد أنّ خسارة 38 نقطة أخرى، أو 28 على أسوأ تقدير - في حال أكمل فيتيل سباق مارينا باي خلف فيرشتابن ورايكونن - يقع اللوم فيها عليه وحده.

لم يكن ذلك جيداً بالشكل الكافي بالنسبة لبطل عالمٍ أربع مرّات يمتلك مثل تلك الصفات المتميّزة.

كما أنّ ذلك كان أحد الأسباب الكبيرة التي أفضت إلى انتهاء معركة اللقب أبكر بكثيرٍ ممّا كان ينبغي.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
قائمة السائقين سيباستيان فيتيل
نوع المقالة تحليل