تحليل: كيف حوّلت هوندا وحدة الطاقة إلى آلةٍ لهزيمة مرسيدس

تصدّرت ريد بُل ترتيب بطولة العالم للسائقين والفرق للمرة الأولى في حقبة المحركات الهجينة للفورمولا واحد بعد النجاح الباهر المُحقق في جائزة موناكو الكبرى.

تحليل: كيف حوّلت هوندا وحدة الطاقة إلى آلةٍ لهزيمة مرسيدس

إنّ التقدّم الذي أحرزته الحظيرة النمساويّة هذا العام وضعها في معركةٍ مشتعلةٍ على اللقب مع مرسيدس وقد جاء ذلك بشكلٍ أساسي من خلال التعاون المشترك مع مزوّد المحركات الياباني.

أصبحت بدورها هوندا أيضًا متصدّرة لترتيب بطولة الصانعين في الفورمولا واحد للمرة الأولى منذ العام 1991.

وبرهنت التأدية التنافسية لوحدة طاقة هوندا هذا الموسم مدى التحوّل الكبير الذي عمل عليه الصانع الياباني لاسترداد هيبته ومكانته التي اهتزت بشكلٍ دراماتيكي في حقبة المحركات الهجينة مع فريق مكلارين، حيث باتت هوندا في الوقت الحالي على قدم المساواة مع مرسيدس من حيث القوة وهذا الأمر بحد ذاته إنجاز رائع.

كانت هوندا منفتحة تمامًا بشأن نوع التغييرات التي أدخلتها على وحدة الطاقة الحالية وهنا نلقي نظرة على بعض التفاصيل وسبب أهميتها بشكلٍ خاص.

يَكمن محرك الاحتراق الداخلي المُعاد تصميمه في قلب وحدة الطاقة الجديدة مع إجراء العديد من التغييرات التي لا تساعد فحسب في تحسين كفاءة الاحتراق الداخلي بل أيضًا في تقليل الحجم الكلي للوحدة.

الأهم من ذلك هو طلاء الأسطوانة الجديد الذي تم تطويره بواسطة قسم الدراجات النارية في هوندا والذي أطلق عليه تسمية "طلاء كوماموتو" نسبةً للمصنع الذي تم تطويره فيه.

في حين أنّ طلاء غلاف الأسطوانة ليس فكرة جديدة في عالم المحركات، لكنّ ذلك لا يعني عدم إمكانية إحراز تقدمٍ في هذا المجال لاسيما عند تطبيق الأفكار والتقنيات من مجال السرعة العالية لدوران محركات الدراجات النارية على مشروعٍ آخر.

يُساعد طلاء الأسطوانة الجديد على تقليل مستويات الاحتكاك ودرجات الحرارة الأمر الذي سمح لقسم محركات الفورمولا واحد في هوندا بإعادة التفكير في المعايير المُتبعة لتصميم كتلة المحرك، حيث بات ممكنًا الآن تشغيل المحرك بقوةٍ أكبر لفترةٍ أطول.

مساحة الاسطوانة في

مساحة الاسطوانة في "آر أيه620 اتش" بالمقارنة مع "آر أيه621 اتش"

تصوير: ماثيو سمرفيلد

كان لهذا الأمر تأثير كبير حيث تمكّن فريق التصميم من تقليل الحجم الكلي لمحرك الاحتراق الداخلي. لم يؤد ذلك فحسب إلى وضعٍ منخفضٍ للعمود المرفقي لتحسين مركز الثقل بل تزامن أيضًا مع تصميم أكثر إحكامًا مما أدى إلى قيام الفريق بتعديل درجة تجويف الأسطوانة.

سمح هذا التعديل بشكلٍ أساسي لهوندا بتحريك الأسطوانات بالقرب من بعضها البعض من دون الخوف لاحتمال تعرضها لأيّ ضررٍ وقد نتج عن ذلك أيضًا رأسًا أضيقًا وأقصرًا للأسطوانة بحد ذاتها.

كما نرى في الرسم التوضيحي (أعلاه) فإنّ تقريب الأسطوانات من بعضها البعض يعني أيضًا إمكانية تقليل الحجم الكلي لرأس الأسطوانة.

انتهز فريق التصميم هذه الفرصة أيضًا للتعامل مع كتلة محرك الاحتراق الداخلي وشكلها الهندسي حيث تم استبدال نموذج "آر آي 620 أتش" الذي كان يحتوي على ترتيب أيسر أمامي (الصورة أعلاه إلى اليسار) بنموذج "آر آي 621 أتش" الذي يتمتع بترتيب أيمن (الصورة أعلاه إلى اليمين).

وقد سمح ذلك بإعادة تجميع بعض عناصر وحدة الطاقة وملحقاتها مع تغيير التوازن الكلي بالوقت نفسه.

أغطية رأس أسطوانات المحرك

أغطية رأس أسطوانات المحرك

تصوير: هوندا

خضع غطاء رأس الأسطوانات أيضًا لتعديلٍ جذري نتيجة التغييرات التي طرأت في الأبعاد على رأس الأسطوانة. يتضح هذا الأمر عند مقارنة غطاء رأس الأسطوانات في نموذج "آر آي 620 أتش" مع النموذج "آر آي 621 أتش" في صورة أصدرتها هوندا في وقت سابقٍ من هذا العام.

التشابه الوحيد بين الأغطية في النموذجين هو إطار التثبيت لوحدة الطاقة والتي تم تحديد مواقعها بحسب ما تنصّ عليه القوانين التقنيّة.

بإلقاء نظرةٍ على غطاء رأس الأسطوانات من طرفٍ واحدٍ (الصورة أدناه) يمكننا ملاحظة أنّ الشكل لا يختلف فقط بين مواصفات النموذجين نظرًا لكيفية تركيبهما على الرأس بل تم تقليل التباعد بين الكامات بشكل كبير أيضًا مما أدى إلى تغيير في تموضع الصمامات.

 

 مقارنة بين مسافتي الكام على وحدة طاقة هوندا

مقارنة بين مسافتي الكام على وحدة طاقة هوندا

تصوير: ماثيو سمرفيلد

من الواضح أنّ تغيير زاوية الصمامات يُغيّر بدوره زاوية التدفق إلى الأسطوانات أيضًا والتي من المحتمل أن يتم تحقيقها من خلال إجراء المزيد من التعديلات على تصميم الصمامات ومنافذ الدخول والخروج.

يبقى الأهم من ذلك أنّ كل هذه التعديلات أدت إلى ارتفاع نسبة الانضغاط داخل المحرك مما سيؤدي حتمًا إلى تغيير في تصميم رأس المكبس أيضًا.

 ترتيب الصمامات على وحدة طاقة هوندا

ترتيب الصمامات على وحدة طاقة هوندا

تصوير: ماثيو سمرفيلد

 إنّ التغييرات الهادفة لزيادة نسبة الانضغاط وكفاءة الاحتراق الداخلي لها جانب سلبي حيث يتم تقليل كمية طاقة العادم التي يتم إنشاؤها مما يؤدي إلى استرداد طاقة كهربائية أقل عبر جهاز استعادة الطاقة الحرارية "أم جي يو-أتش" مما يترك بوضوح نقصًا بكفاءة وحدة الطاقة الهجينة.

لمواجهة ذلك أعادت هوندا أيضًا تصميم جوانب من شاحنها التوربيني مع وجود قسم آخر داخل الشركة في متناول اليد لتقديم الدعم مرة أخرى.

بعد أن ساعدت قسم المحركات في الفورمولا واحد عندما قرر الاعتماد على ضاغط وتوربين أكبر حجمًا تم تثبيتهما بشكل خارجي في العام 2017 كانت "هوندا جيت" الفرع المتخصص بصناعة الطائرات لدى هوندا في وضع مثالي للمساعدة في مراجعة شكل دافعات الشاحن التوربيني وتعويض انخفاض حجم التدفق داخله.

تغيير الاتجاه

لقد غطينا لحد الآن كيفية قيام هوندا بذلك ولكن علينا أن نسأل الآن لماذا...

لماذا شعرت هوندا بأنّها مضطرة لتعديل تصميم وحدة الطاقة خاصةً وأنّها اقتربت بالفعل من مستوى أداء مشابهٍ لمرسيدس في عام 2020؟

تكمن الإجابة في كيفية قيام وحدات الطاقة السابقة للصانع الياباني بوضع المزيد من الأعباء على استعادة الطاقة الكهربائية ونشرها مما أدى نتيجة لذلك إلى التخلي عن بعض من كفاءة الاحتراق الداخلي.

أدت التوجيهات التقنيّة الصادرة عن الاتحاد الدولي للسيارات قبل موسم 2020 وخلاله إلى إفساد هذه الاستراتيجيات وإلغاء أي مكاسب في الأداء كان من الممكن تحقيقها من خلال برنامج تطوير مستقبلي يركز عليها فقط.

على هذا النحو قرّرت هوندا بالفعل تقديم وحدة طاقة جديدة لعام 2021 وقبل أن تختار تأجيل الخطة عكست إجراءاتها وسرّعت بتقديم التصميم الجديد.

 سيمنحها ذلك فهمًا أكبر لتصميم وحدة الطاقة الجديدة قبل إدخال وقود "ايه 10" في العام 2022 والتي تواصل العمل عليها مع ريد بُل على الرغم من انسحابها الوشيك من الفورمولا واحد نهاية هذا الموسم.

إنّ أبرز النتائج الكبيرة لتقليص حجم وحدة الطاقة وخفض مركز جاذبيتها هو الأداء الذي تم اكتسابه على جانب الهيكل ولذلك أهمية أكبر نظرًا للتجميد الجزئي المفروض على التطوير هذا الموسم.

وقد ساعد هذا الأمر من دون أدنى شك كل من ألفا تاوري وريد بُل على إحراز تقدم مقارنة بالموسم الماضي وأدى بدوره إلى تضييق الخلفية في كلتا السيارتين.

 تمكّنت نتيجة لذلك الأقسام المسؤولة عن الانسيابيّة الهوائيّة من الاستفادة من التوضيب المُحكم لوحدة الطاقة الجديدة والتي يبدو أنّ متطلبات تبريدها أقل.

ماكس فيرشتابن، ريد بُل

ماكس فيرشتابن، ريد بُل

تصوير: صور موتورسبورت

 بات بالإمكان إجراء مقارنات مع عودة هوندا إلى البطولة في العام 2015 حيث تحققت أخيرًا ادعاءات مكلارين في ذلك الوقت بتصميم خلفية السيارة "بحجم الصفر".

وبينما اعتقد الكثيرون أنّ الصانع الياباني قد يُخفّض من دفعه للتطوير بعد تقليصه للفجوة مع مرسيدس العام الماضي كان العكس تمامًا هو الصحيح حيث عملت هوندا بجد لكي تتجاوز فيراري ورينو في طريقها إلى هدفها النهائي.

التطوّر التاريخي

لم يكن دفع هوندا إلى الأمام بدون معاناة على الرغم من أنّ وحدة الطاقة مرت بالعديد من التحولات على مر المواسم.

تميّزت وحدة طاقة "أر أي 615 أتش" بترتيب مُنفصل للشاحن التوربيني مُماثل لذلك الذي ابتكرته مرسيدس قبل عام واحد فقط ولكن من أجل الحفاظ بقدر الإمكان على تصميم مُحكم لوحدة الطاقة تم وضع الضاغط والتوربين أيضًا داخل حدود "في" للمحرك.

وفي الوقت نفسه، فإنّ مدخل الهواء المُنخفض والمُشعب ذي النمط اللوغاريتمي ليست سوى اثنتين من الميزات البارزة الأخرى التي تم تصميمها للحفاظ على وحدة الطاقة الصغيرة قدر الإمكان من أجل مساعدة مكلارين في سعيها للحصول على خلفية أضيق وأكثر فاعلية من الناحية الانسيابيّة الهوائيّة لسيارتها.

شكّل تصميم "أر أي 616 أتش" تطورًا عن سابقه حيث كانت هوندا مُقيّدة بما يمكن أن تغيّره فيما يتعلق بهندسة وحدة الطاقة في حين سعت جاهدة لمراعاة أهداف شريكتها مكلارين.

مع ذلك ومن أجل تحقيق المكاسب اعتمدت هوندا مُشعب العادم التقليدي متعدد الفروع. تم أيضًا توسيع مدخل الهواء وازداد الحجم لمعظم جوانب وحدة الطاقة بشكل طفيف من أجل أن تتمتع بموثوقية أفضل؛ المشكلة الرئيسية التي كان يعاني منها الصانع الياباني خلال الموسم الأول.

 وحدة طاقة هوندا 2015 - 2018

وحدة طاقة هوندا 2015 - 2018

تصوير: ماثيو سمرفيلد

شهد عام 2017 قيام هوندا بإجراء أول تغيير جذري لها في التصميم حيث حاولت حل بعض العيوب الرئيسية لتصميمها الأولي.

احتفظت هوندا بنهج التوربينات المُنقسمة ولكن عوضًا عن وضعها بالكامل داخل حدود "في" للمحرك انتقلت إلى تصميم أكثر توافقًا مع مرسيدس حيث يتم تركيب التوربين والضاغط على طرفي المحرك.

أعطى ترتيب نمط "الفطيرة" كما هو متعارف عليه هندسيًا مساحةً أكبر لهوندا فيما يتعلّق بتصميم التوربو ولكنّه تسبب أيضًا في المزيد من المشاكل الهندسية حيث كان لا بد من إعادة تصميم عمود التوصيل وجهاز استعادة الطاقة الحرارية لمراعاة المسافة الأكبر بين التوربين وضاغط.

تم تغيير تصميم غرفة الاحتراق الداخلي في هذا النموذج كما كان واضحًا أيضًا رؤية التعديل الذي طرأ على مدخل الهواء ونظام العادم. حتى مع هذه التغييرات الجوهرية بقيت وحدة الطاقة لعام 2017 ضعيفة بالفعل في إجمالي إنتاج الطاقة مقارنة بسابقتها والتي أصبحت القشة التي قصمت ظهر البعير في علاقة الصانع الياباني مع مكلارين.

بالرغم من ذلك وحتى مع انخفاض الطاقة الإجمالية المُنتجة كان هذا التغيير ضروريًا حيث وصل التصميم السابق إلى طريقٍ مسدود. أثبت انتقال هوندا إلى تزويد فريق تورو روسو بالمحركات أنّه كان نقطة التحوّل للصانع الياباني في حقبة المحركات الهجينة.

القسم الخلفي من سيارة سكوديريا تورو روسو

القسم الخلفي من سيارة سكوديريا تورو روسو "اس.تي.آر13"

تصوير: جورجيو بيولا

استمرت هوندا في النموذج الجديد لوحدة الطاقة "أر أي 618 أتش" على نفس النهج التصميمي المُتبع في الموسم السابق مع الكثير من التغييرات تحت غطاء المحرك وإعادة التصميم المعتاد لمدخل الهواء ونظام العادم.

وفي الوقت نفسه عملت هوندا وتورو روسو على جانب التثبيت أيضًا حيث قدمت الأولى تنازلات من حيث تغيير موقع أنابيب التعزيز بينما قامت تورو روسو بتثبيت مُبرّد على شكل السرج فوق وحدة الطاقة بطريقةٍ مماثلةٍ لما فعلته مكلارين في السنوات السابقة.

كان من المُقرر أن يكون نموذج "أر أي 619 أتش" أول وحدة طاقة من هوندا يتم تركيبها على أكثر من فريق واحد وفي حين أن العلاقة مع تورو روسو كانت جيدة فإنّ وجود ريد بُل سيجلب معه ثقلًا أكبر من التوقعات.

شهد النموذج "أر أي 619 أتش" والنموذج "أر أي 620 أتش" الذي تلاه على قدرة هوندا في التقاط البيانات واستخدامها لتحقيق التقدم المنشود من حيث القدرة الحصانية وموثوقية وحدة الطاقة قبل إجراء التغييرات الرئيسية التي تم ذكرها بالفعل لعام 2021.

المشاركات
التعليقات

ملفات فيديو ذات صلة

كالوم إيلوت يشعر أنه "في موقع جيّد جدًا" حال بروز فرصة الصعود إلى الفورمولا واحد

المقال السابق

كالوم إيلوت يشعر أنه "في موقع جيّد جدًا" حال بروز فرصة الصعود إلى الفورمولا واحد

المقال التالي

فترة الحجر سمحت بأخذ مزيدٍ من آراء السائقين حيال لعبة الفورمولا واحد الإلكترونية 2021

فترة الحجر سمحت بأخذ مزيدٍ من آراء السائقين حيال لعبة الفورمولا واحد الإلكترونية 2021
تحميل التعليقات