تحليل: كيف حرم تفكير ريد بُل "الزائد" ريكاردو من فوزٍ سهل في موناكو

استفاد لويس هاميلتون من خطأ التوقف لدانيال ريكاردو في سباق مونتي كارلو، إلّا أنّ قيادته "الرائعة" سمحت له بتحقيق فوزه الأوّل في موسم 2016. يُحلّل لكم موقعنا لعبة الشطرنج التي طغت على جائزة موناكو الكُبرى.

منح سباق موناكو عُشّاق الفورمولا واحد مُنافسة بغاية الإثارة، إذ وخلافاً لجولة برشلونة، فإننا لم نكن بحاجة إلى رؤية اصطدام ثنائي مرسيدس ببعضهما البعض من أجل توقّع هوية الفائز.

ولكن لا بُدّ لنا أن نُشير بأنّ أداء الأسترالي ريكاردو كان في أفضل مستوياته طيلة أسبوع جائزة موناكو الكُبرى، ولولا توقفه الأخير البطيء لكان الآن بكل تأكيد يحتفل بفوزه في الجولة السادسة من البطولة.

ولكن لا ينبغي لذلك أن ينتقص من أداء هاميلتون الممتاز الذي تمكّن من قلب الأمور لصالحه بعدما خسر الكثير من الوقت وراء زميله نيكو روزبرغ خلال المراحل الأولى من السباق.

ومن المُؤكّد بأنّ تحقيقه لفوزه الـ44 في مسيرته الاحترافيّة جاء في المكان المُناسب.

كان سباق موناكو عبارة عن لعبة الاستراتيجيّات والإطارات، إذ وفي مرحلة مُعيّنة من السباق كانت خمس مجموعات مُختلفة من الإطارات مُستخدمة من قبل السائقين: فول ويت، إنترميديت، سوفت، سوبر سوفت وألترا سوفت. وهذا ما يُشير إلى أنّ ما حدث في موناكو كان غير اعتيادي.

كما كُنّا على الأرجح لنحصل على إثارة مُشابهة لو كان الطقس جافاً لا سيما وأنّ ريكاردو كان سيبدأ سباقه على إطارات "سوبر سوفت"، بينما كان مُنافسوه يستعدون لوضع إطارات "ألترا سوفت".

ولكن عوضاً عن ذلك انطلق السباق خلف سيارة الأمان مع استخدام جميع السائقين لإطارات "فول ويت".

مرّت سبع لفات قبل أن يُعطي تشارلي وايتينغ شارة إخراج سيارة الأمان من الحلبة، لكن، لاحقاً تمّ اعتماد نظام سيارة الأمان الافتراضيّة بعد لفاتٍ قليلة نتيجة للحادث الذي تعرّض له سائق رينو جوليون بالمر – وهو ما أدّى إلى مُعاناة السائقين مع درجة حرارة إطاراتهم.

وفي الواقع، لم يُعانِ أيّ سائق آخر مثل روزبرغ إذ بدأ الألماني بخسارة الكثير من الوقت مُقارنةً بريكاردو الذي حلّق إلى الأمام بسيارته وتمكّن من إيجاد فارقٍ مُريح أمام مرسيدس.

وجد روزبرغ نفسه أمام مُعضلة الحرارة المُنخفضة لمكابح سيارته – والتي حصلت على الأرجح نتيجة تغطية الإطارات بشكل مُفرط في الأجواء الرطبة – ما أدّى إلى عدم إدخال الحرارة المثاليّة إلى إطارات سيارته.

ونتيجةً لذلك فقد الألماني الثقة داخل سيارته إذ لم يتمكّن من الضغط على الحدود القصوى الأمر الذي أبقى حرارة إطاراته باردة وبعيدةً عن القيمة المطلوبة.

وفي أثناء ذلك، وجد هاميلتون نفسه قابعاً في المركز الثالث وراء زميله من دون إمكانيّة القيام بأيّة حركة. أعلم هاميلتون فريقه بالحالة التي وجد نفسه فيها من دون أن يُشير إلى ضرورة عبوره للمركز الثاني.

وقال: "لم أقم بذلك على الإطلاق. نادراً جداً ما طلبت من فريقي أن يسمح لي بتجاوز زميلي. كنت وراء روزبرغ إذ تحدث معي المهندسون وقلت لهم بأني أسرع بكثير منه ولكن من الصعب التجاوز. لا أعرف إذا ما حدث شيء من ذلك".

أوامر الفريق

لدى مرسيدس اتفاقٌ بسيط يُطبّق بين السائقَين في مثل هذه الظروف المُحدّدة. إذا كان القرار من شأنه أن يُحدث فرقاً في النتيجة النهائيّة فعلى السائق الآخر أن يسمح لزميله بالتقدّم عليه.

"كانت المسألة سهلة إذ لدينا هذه القاعدة منذ العديد من السنوات الآن" قال روزبرغ، ثم تابع: "كان من الواضح في ذلك الوقت بأنني لن أكون قادراً على المُنافسة على الفوز مع تلك الوتيرة. لذلك كان من الواضح بأنه يجب منح هاميلتون الفرصة لفعلها".

وأضاف: "طلب مني الفريق أن أرفع من وتيرتي ولكن لم يكن بمقدوري فعل ذلك، وبعد ذلك كان عليّ إفساح المجال لهاميلتون. النتيجة النهائيّة كانت لصالح الفريق".

وأكمل: "كان هاميلتون لا يزال يملك فرصةً للفوز بالسباق، وهو ما حدث بالفعل. كان الأمر واضحاً من الفريق، يجب منح السائق الآخر الفرصة للفوز، كان ذلك مؤلماً بعض الشيء لكنّه كان قراراً بسيطاً حينها".

كما أكّد بادي لوي بأنّ هاميلتون لم يطلب السماح له بالتقدّم للمركز الثاني: "لم يطلب ذلك على الإطلاق. حتى أنه لم يقل بأنّ روزبرغ يُعيقه أو أيّ شيء من هذا القبيل".

تقدّم هاميلتون إلى المركز الثاني مع بداية اللفّة الـ 16 إذ ومع نهايتها بلغ الفارق مع ريكاردو 13.4 ثانية.

أداء الأسترالي كان مثالياً إذ رأى هاميلتون بأنه من الصعب تحقيق تقدّم كبير. تمكّن البريطاني من تقليص الفارق بـ 1.2 ثانية فقط خلال اللّفات الست التالية.

هاميلتون يطيل فترته

كان المتصدّران وباسكال فيرلاين الوحيدين الذين لم يتوقّفوا بعد عند تلك النقطة للانتقال إلى إطارات "إنترميديت"، ومع نهاية اللفّة الـ 23 قرّر ريكاردو إجراء توقّفه تاركاً هاميلتون في الصدارة.

ربّما توقّع جميعنا أنّ هاميلتون سيبقى على الحلبة للفّة أو اثنتين إضافيّتين، لكنّ البريطاني واصل السير وتسجيل أزمنة مقبولة على متن إطارات الأمطار "فول ويت" التي كانت متهالكة حينها، حيث بدا أنّها تُقدّم تأدية مماثلة للتي تقدّمها إطارات "إنترميديت" على السيارات الأخرى.

مثّل ذلك سيناريو غير اعتيادي، بل ربّما فاجأ ذلك فريقه أيضاً حيث قال لوي: "لقد كان ذلك غريباً للغاية".

أوجد ذلك فرصة لهاميلتون وفريقه لاتّباع استراتيجيّة جريئة بالبقاء على المسار إلى حين جفاف الحلبة والانتقال مباشرة إلى الإطارات الملساء من دون الحاجة لاستخدام إطارات "إنترميديت". كان ذلك الخيار الوحيد للحصول على أفضليّة استراتيجيّة بالمقارنة مع ريكاردو.

سيُجري هاميلتون توقّفاً وحيداً نتيجة لذلك بالمقارنة مع اثنين لمنافسه الأسترالي، ومع قيامه بذلك كان ليحتلّ المركز الثاني في أسوأ الأحوال أمام زميله روزبرغ.

"بعد أن تمكّن هاميلتون من التقدّم على روزبرغ كان بإمكانه بناء فارقٍ كبير. لم تكن أمامه أيّة طريقة للحاق بريكاردو كون وتيرتيهما كانتا متشابهتين" قال لوي، وأضاف: "لكنّنا أدركنا عند نقطة معيّنة أنّ بحوزتنا فارقاً يُمكننا العمل من خلاله، لم يكن هناك أيّ خطرٍ من البقاء على الحلبة. كان يُسجّل نفس الأزمنة التي يحرزها روزبرغ".

وتابع: "لم يكن البقاء على الحلبة وانتظار ماذا سيحدث مغامرة. في الحقيقة استقرّ الوضع بعد برهة وكان هاميلتون على إطارات «فول ويت» بنفس سرعة روزبرغ على إطارات «إنترميديت» في الخلف. كان بوسعنا الانتظار حتّى جفاف المسار".

جاءت تلك الاستراتيجيّة من منطقة الفريق، إذ كما أكّد لوي لم يكن الأمر نتيجة اقتراحٍ من هاميلتون بإمكانيّة تطبيقها، حيث قال: "ربّما فكّر هاميلتون بذلك في الوقت ذاته".

وأكمل: "لم تكن هناك محادثات كثيرة. جهّزنا الخطّة من دون أن يُعلمنا هو بشيء. كلّ ما قاله هو «الإطارات في حالة جيّدة، لا أحتاج للتوقّف»".

ريكاردو عالق

مع مواصلة هاميلتون السير على الحلبة من دون توقّف، وجد ريكاردو نفسه عالقاً خلف البريطاني على متن ما يجب أن تكون إطارات أسرع، لكنّه لم يتمكّن من استغلالها بشكلٍ كامل.

أطلق ماركوس إريكسون سلسلة الانتقالات إلى الإطارات الملساء بدءاً من اللفّة الـ 29، حيث تبعه سريعاً كلٌ من باتون، وماغنوسن، وبوتاس وغروجان.

حصلنا حينها على فرصة مشاهدة ثلاثة أنواعٍ من الإطارات على المسار في الوقت ذاته: «فول ويت»، «إنترميديت» وإطارات ملساء بتركيبات مختلفة.

كان لدى هاميلتون الكثير ليخسره أو يربحه عند تلك النقطة بالمقارنة مع الجميع، كما توجّب عليه إجراء توقّفه في الوقت المناسب. دخل بطل العالم إلى خطّ الحظائر لتغيير إطاراته في اللفّة الـ 31 حيث كان متقدّماً بـ 0.7 ثانية عن ريكاردو عند إكمالهما اللفّة السابقة. تمحور كلّ شيء حول لفّة خروجه من خطّ الحظائر ولفّة دخول ريكاردو وأيّ وقتٍ ثمينٍ تتمّ خسارته عند تغيير الإطارات.

وجد هاميلتون الانتقال من إطارات «فول ويت» متآكلة إلى أخرى ملساء جديدة أكثر صعوبة ممّا كان يتوقّعه، حيث كانت لفّة خروجه من خطّ الحظائر بطيئة كما ارتطم بالحفف الجانبيّة لمنطقة المسبح.

في المقابل استفاد ريكاردو من المساحة الخالية أمامه ليسجّل لفّة سريعة، حيث كان الفارق بينهما كافياً ليضمن عودته في الصدارة بفارقٍ كبير.

لا أحد جاهز

لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد وجد ريكاردو المكان خالياً لدى وصوله أمام مرآب فريقه في اللفّة الـ 32، وسط ما تبيّن أنّه تدافعٌ لتحديد مكان الإطارات فائقة الليونة "سوبر سوفت".

امتدّ التوقّف الكارثي ليصل إلى 13.6 ثانية، وحتّى مع خروجه من خطّ الحظائر حينها خسر الأسترالي الصدارة لصالح هاميلتون بفارقٍ ضئيلٍ للغاية، ما يؤكّد قدر الوقت الذي خسره سائق مرسيدس خلال لفّته الأولى على الإطارات الملساء.

"حتّى مع ذلك التأخير فقد كانا جنباً إلى جنب عند المنعطف الأوّل" قال هورنر، وأضاف: "يُظهر ذلك مدى سرعة لفّة دخول ريكاردو وبطء لفّة هاميلتون بعد توقّفه. كان من المحبط بالنسبة لكامل الفريق أن نخسر فرصة الفوز بتلك الطريقة".

قبل التوقف كان المتنافسان قريبين للغاية، وهذا ما بقي على حاله بعد وقفة الصيانة، ومرة أخرى على إطارات مختلفة. سابقاً، كان هاميلتون على إطارات «فول ويت» بينما ريكاردو على «إنترميديت»، أما الآن فأصبحا على إطارات بالغة الليونة "ألترا سوفت" وفائقة الليونة "سوبر سوفت" توالياً، وهذا ما مهّد لقسم ثانٍ مثير من السباق.

كيف ستكون تأديتهما حيث يتوجّب عليهما إكمال 48 و47 لفة على التوالي حتى النهاية؟ وهل كان هاميلتون قادراً على ذلك من دون توقف آخر؟

لوي كان مصراً أن الإطارات بالغة الليونة "ألترا سوفت" هي الخيار المنطقي، حيث قال: "لو فكرنا بالأمر، لوجدنا أنه يجب استعمال أكثر الإطارات ليونة أثناء تلك الظروف الماطرة. ومن المعلوم أن الأمور مختلفة عن الحلبة الجافة، إذ سيستغرق الأمر عدداً كبيراً من اللفات كي تجفّ الحلبة بالكامل".           

في هذه الأثناء لدى ريد بُل، كان لديها متسع من الوقت لدراسة خيارات هاميلتون واتخاذ القرار التالي بناء على ذلك.

منذ يوم الخميس، كانت ريد بُل ترى أن الإطارات بالغة الليونة "ألترا سوفت" لن تعمل كما يجب، وبعد اختبار أوّلٍ للإطارات اللينة، قررت الحظيرة النمساوية تغييرها إلى فائقة الليونة "سوبر سوفت" وهذا بالطبع أدى إلى بعض الارتباك في المرآب.

حيث قال هورنر: "منذ أن رأينا مرسيدس تستعمل الإطارات بالغة الليونة «ألترا سوفت»، وجدنا أن أفضل طريقة لمواجهة ذلك هي استعمال الإطارات فائقة الليونة «سوبر سوفت»".

وبدا لاحقاً أن كلا النوعين متماثلان تقريباً، على الرغم من أن الإطارات اللينة المستعملة من قبل سيرجيو بيريز وسيباستيان فيتيل بدت أفضل من غيرها – وربما كان ذلك صعباً على ريد بُل، إذ في حال بقي الفريق على خياره الأول لإطارات ريكاردو لما وقعت كارثة وقفة الصيانة.

قدم هاميلتون أداء رائعاً لإبقاء ريكاردو خلفه محافظاً على إطاراته في الوقت نفسه، ومع الاقتراب من اللفات الأخيرة بدا واضحاً أن ريد بُل هي من تعاني من انخفاض السرعة ليبدأ الفارق بين السيارتين بالظهور.

حيث قال لوي: "كما بدا حينها، أن إطارات ريكاردو بدأت في الاهتراء أولاً".

وأكمل: "يبدو أنهم يعانون من بعض التحبّب في المقدمة".

وخلال المراحل الأخيرة، بدأ هاميلتون بفقدان الحرارة في إطاراته بالغة الليونة "ألترا سوفت" القديمة، وربما وجد نفسه تحت الضغط. بدلاً من ذلك أخذ بتقييم مشكلة الحرارة بنفسه – عن طريق السير بسرعة أكبر.

حيث قال: "قبل سبع لفّات على النهاية تقريباً، بدأت الضغط، لأن حالة الإطارات بدأت تسوء. لذا كان عليّ الحفاظ على الحرارة ضمن الإطار، خاصة خلال اللفات الخمس الأخيرة".

وأكمل: "حينها، بدأ الفارق بالاتساع بيني وبين دانيال، لذا اعتقدت أنه ضغط في بعض الأماكن، وهذا ما لاحظته. وأخذت أفكر – بما أنه يستعمل إطارات أقسى، لا أعتقد أنه سيصمد طويلاً".

القلق من الأمطار

قبيل انتهاء السباق، بدأت زخّات خفيفة من المطر تهطل حاملة معها المصاعب للجميع. روزبرغ الذي كان يستعمل الإطارات بالغة الليونة "ألترا سوفت" أخذ يعاني حيث خسر مركزه السادس لصالح نيكو هلكنبرغ في اللفة الأخيرة.

هاميلتون بالمقابل أكمل توسيع فارق صدارته حتى عبور العلم المرقّط.

حيث قال: "قلت في نفسي «يا إلهي، أرجو أن يتأخر المطر لفة أو أكثر»، قلتُ ذلك حرفياً في السيارة. بضع لفات أخرى... وأخذت زخات خفيفة بالهطول، ومن ثمّ بدأ المسار يصبح زلقاً".

وأكمل: "لكنني بدأت بالضغط أكثر وذلك لتأمين حرارة كافية للإطارات، لذا كان الوضع جيداً. وفي اللحظة التي عبرتُ فيها العلم المرقط بدأ المطر بالهطول".

ريكاردو لم يكن محظوظاً، لكن قيادة هاميلتون المذهلة أظهرت معدنه الحقيقيّ وسرعته مع إطارات الأمطار القديمة تلك على حلبة بدأت بالجفاف، ومن ثم مع الإطارات بالغة الليونة "ألترا سوفت" القديمة عند نهاية القسم الثاني.

إذ قال البريطاني: "لقد كان سباقاً فريداً من نوعه بالفعل، سباق ماطر، ولكنه سباق عليك أن تقود فيه وفقاً لإحساسك".

واختتم: "يتعلق الأمر بإحساسك بالإطارات، المكابح، الحرارة، معرفة المسار، الحدود القصوى، والتأكد من أنك على الجانب الصحيح دوماً. هذه الأمور هي التي حدّدت معالم السباق. لقد كنتُ على الحدود القصوى طوال اليوم".

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة موناكو الكبرى
حلبة مونتي كارلو
قائمة السائقين دانيال ريكاردو , لويس هاميلتون
قائمة الفرق مرسيدس , ريد بُل ريسينغ
نوع المقالة تحليل

المنطقة الحمراء: ما هو الأهمّ حالياً