تحليل: كيف تخبّطت فيراري تحت ضغط هاميلتون؟

قدّمت الاستراتيجيّات المختلطة سباقاً لم يكن من السهل التنبّؤ بمعالمه حيث اضطرّ هاميلتون إلى بذل مجهودٍ مضاعفٍ لصدّ هجمات فيتيل في طريقه لتحقيق فوزه الخامس بجائزة كندا الكبرى. يقوم موقعنا «موتورسبورت.كوم» بتحليل مجريات سباق كندا وما قدّمه من إثارة.

بدا أنّ سباق جائزة كندا الكبرى يفتقد للحماسة التي انتظرناها طيلة عطلة نهاية الأسبوع، بل أنّ مراقبي السباق لم يُواجهوا أيّة مشاكل للتحقيق فيها وكانوا قادرين على المغادرة باكراً.

لم تهطل الأمطار المنتظرة ولم يصطدم أيّ أحدٍ بالجدار ولم تدخل سيارة الأمان إلى المسار، بالرغم من أنّ اعتماد نظام سيارة الأمان الافتراضيّة لفترة قصيرة أدّى إلى إحداث تأثيرٍ كبيرٍ في مجريات السباق.

بالرغم من ذلك كلّه، حصلنا على سباقٍ آخر مثير في موسم 2016 اختلفت فيه الاستراتيجيّات بين أصحاب الصدارة مرّة أخرى ما صعّب إمكانيّة توقّع النتيجة الختاميّة. وتوجّب على هاميلتون بذل قصارى جهده وإدارة إطاراته بشكلٍ رائع لتحقيق فوزه الثاني هذا الموسم.

يبدو أنّ أيّام ابتعاد ثنائي مرسيدس في الأمام بعيداً عن مرمى حجر منافسيهما قد ولّت، ومن الجيّد بالنسبة للرياضة أن يتمكّن فريقا فيراري وريد بُل من زيادة الضغط على أبطال العالم، حيث باتت المعركة معركة أخذٍ وردّ بناءً على تحديثات السيارات وخصائص الحلبات.

"ليست المنافسة سهلة على المسار" قال بادي لوي المدير التقني لفريق مرسيدس لموقعنا «موتورسبورت.كوم»، وأضاف: "لم تكن سهلة مطلقاً، يعتقد الجميع أنّه في حال حصولك على سيارة سريعة فبإمكانك تحقيق الفوز بسهولة".

وتابع: "لكنّني أعتقد أنّه حالما يبدأ أداء السيارات بالتقارب، وهو ما يحدث الآن، فستلاحظ أنّ الأمر لا يتعلّق ببساطة بوتيرة السيارة فحسب، بل بالعمليّة برُمّتها والقيام بكلّ شيء على النحو المناسب...".

لم تقدّم مرسيدس انطلاقة جيّدة، ولو أنّ التلامس الذي وقع بين لويس هاميلتون ونيكو روزبرغ عند المنعطف الأوّل كان أكثر حدّة لأخذت الأمور منحىً سيّئاً للغاية بكلّ تأكيد.

لكنّ هاميلتون عبَر المنعطف من دون أيّة أضرار بينما تراجع زميله إلى المركز العاشر ما وضع حداً لآماله بالمنافسة على الفوز.

لم تكن هذه المرّة الأولى التي عانت فيها مرسيدس من انطلاقة سيّئة في موسم 2016، وتحديداً بالنسبة لهاميلتون، حيث تقدّم سيباستيان فيتيل إلى الصدارة سريعاً متجاوزاً سيارتي السهام الفضيّة، وهو إنجازٌ مثير بالنظر إلى قصر المسافة بين شبكة الانطلاق والمنعطف الأوّل.

وقال لوي حيال ذلك: "بدا أنّه قدّم انطلاقة خارقة للعادة. لا أعتقد أنّ انطلاقة سائقَينا كانت سيّئة، بل هو من قدّم انطلاقة رائعة".

لكنّ الفحوصات اللاحقة كشفت مواجهة هاميلتون لمشاكل في القابض وبحدّة أقلّ بالنسبة لروزبرغ، كما لعبت حرارة الإطارات دوراً هاماً في الانطلاقة أيضاً.

"في جميع اللفّات التي أكملها سائقانا قبل توجّههما إلى شبكة الانطلاق، كان كلٌ منهما يقول «لا أستطيع إيصال هذه الإطارات إلى مجال عملها»" قال لوي.

وأضاف: "من الصعب إيصال الإطارات إلى مجال عملها في يومٍ حارٍ هنا، لذلك كانت المهمّة أكثر صعوبة خلال اللفّة الأولى في يوم السباق، وهو ما شاهدناه بالفعل. بدا أنّنا واجهنا المصير الأسوأ".

مع تقدّم فيتيل إلى الصدارة، قدّم روزبرغ انطلاقة أفضل من هاميلتون لينتهي بهما المطاف جنباً إلى جنبٍ عند المنعطف الأوّل.

كان من شأن التلامس بين سائقي الماكينات الألمانيّة للمرّة الثانية خلال آخر ثلاثة سباقات أن يخلق صداعاً حاداً في صفوف إدارة مرسيدس. لكن بالرغم من انزعاج روزبرغ الواضح، إلّا أنّ الحادثة اعتبرت "مناورة قاسية".

وقال لوي في هذا الصدد: "من الصعب تحديد ذلك بشكلٍ بكامل، لكن عندما تكون في الجهة الخارجيّة عند سلسلة المنعطفات هذه فتلك مخاطرة عليك اتّخاذها، يُمكن للسائق الذي في القسم الداخلي دفعك نحو الحفف الجانبيّة".

وأضاف: "سواءً قام هاميلتون بذلك عمداً أم لا فلن يعلم أحدٌ الإجابة الحقيقيّة. لكنّه لم يحصل على تماسكٍ جيّد وذلك كلّ ما قاله".

فيراري تُملي الاستراتيجيّة

في المقابل، كان فيتيل في الصدارة، وكما شاهدنا في الماضي، فهو في أفضل حالاته عندما يكون في المقدّمة ويتحكّم بمجريات السباق.

كما كانت فيراري تتحكّم بالاستراتيجيّة التي اتّبعتها، وتوجّب على طاقم مرسيدس التوّصل إلى طريقة يتمكّن من خلالها من التفوّق على فيراري ونقل هاميلتون إلى الصدارة. لم تتوقّع مرسيدس أن ترفع فيراري يديها في وقتٍ مبكّرٍ مثلما حدث.

بعد أن تمّ اعتماد فترة سيارة الأمان الافتراضيّة خلال اللفّة الـ 11، فاجأ فيتيل الجميع بالدخول إلى خطّ الحظائر. نظرياً يُمكن الحصول على أفضليّة بالتوقّف أثناء فترة سيارة الأمان الافتراضيّة، لكنّها لم تدم طويلاً في هذه المرّة.

وقال لوي: "بدا لنا توقّفه مبكّراً للغاية، حتّى باعتماد استراتيجيّة توقّفين فقد كان ذلك مبكّراً للغاية. كما لم يحصلوا على أيّ شيء، في حال توقّفتَ أثناء فترة سيارة الأمان الافتراضيّة فإبمكانك اكتساب بعض الوقت، لكنّ ذلك لم يحدث".

حصل حينها أعضاء طاقم الاستراتيجيّة في مرسيدس على إجابتهم حول كيفيّة التغلّب على فيتيل، لم يُفكّروا كثيراً في إبقاء هاميلتون على المسار ومنحه أفضليّة المركز ودفع فيراري إلى محاولة اللحاق به.

"خطّطنا في البداية لإجراء توقّفين" أكّد لوي، وأضاف: "لكنّنا انتقلنا إلى استراتيجيّة توقّفٍ وحيد استجابة لاستراتيجيّة فيراري. كلا الاستراتيجيّتان متقاربتان هنا لكنّنا حصلنا على المركز الأفضل على المسار".

ومن الجدير بالذكر أنّ بيريللي أشارت خلال توقّعاتها قبل انطلاق السباق إلى أنّ التوقيت المثالي لإجراء التوقّف الأوّل بالنسبة لاستراتيجيّة التوقّفين يكون عند اللفّة الـ 18 والانتقال إلى الإطارات فائقة الليونة "سوبر سوفت" ومن الواضح أنّ فيتيل كان بعيداً كلّ البعد عن ذلك.

كما توجّب عليه شقّ طريقه إلى الأمام وتجاوز ثنائي ريد بُل، وعلى عكس التقدّم الحثيث الذي أحرزه خلال الفترة الأولى مستفيداً من الهواء النقيّ أمامه، فقد اضطرّ الألماني لاستهلاك إطاراته بشكلٍ أكبر لتجاوز السيارات الأخرى.

وبعد أن سلّط ضغطاً كبيراً على فيتيل خلال تلك اللفّات الـ 11، وجد هاميلتون الطريق خالياً أمامه لكنّه واجه تحدياً جديداً. توجّب عليه إطالة عمر الإطارات بالغة الليونة "ألترا سوفت" التي كان يستخدمها من أجل تعديل استراتيجيّته للتوقّف مرّة واحدة.

فترة طويلة

كم كان سيستطيع مواصلة تقديم وتيرة جيّدة على تلك المجموعة من إطارات "ألترا سوفت"؟ وكم كان عدد اللفّات المناسب في الفترة الثانية على إطارات "سوفت"؟ كان من الواضح أنّ فيتيل سيكون على إطارات "سوفت" أجدد في المراحل الختاميّة من السباق، لذلك توجّب على هاميلتون الحصول على أداءٍ كافٍ بين يديه لصدّ هجمات فيتيل الذي سيكون خلفه.

كانت بيريللي واثقة بعد نهاية التجارب الحرّة أنّ فترة طولها 50 لفّة لن تُمثّل أيّة مشكلة بالنسبة للإطارات الليّنة خلال السباق. في النهاية أجرى هاميلتون توقّفه في اللفّة الـ 24 لتبقى أمامه 46 لفّة على الإطارات الليّنة حتّى نهاية السباق.

كما أشارت بيريللي قبل السباق إلى أنّ التوقيت المثالي للتوقّف يكون في اللفّة الـ 23، وذلك ما قام به فالتيري بوتاس بالفعل.

وقال هاميلتون: "بلغت اللفّة الـ 25 أو أياً كانت وكانت وتيرتي تُصبح أسرع، بدأت أفكّر في إمكانيّة البقاء على المسار لعدّة لفّات أخرى إذ أنّ شعوري بالإطارات كان جيّداً كما كانت وتيرتي جيّدة ما يسمح لي بتقصير الفترة الأخيرة".

وأضاف: "لكنّ الفريق طلب منّي الدخول إلى خطّ الحظائر، شعرت أنّ الفترة ستكون طويلة للغاية، لكنّها انتهت سريعاً في الحقيقة".

قدّم هاميلتون أداءً رائعاً خلال تلك اللفّات الـ 46 من خلال وتيرة جيّدة مع ضمان الحفاظ على إطاراته للمراحل الختاميّة من السباق في الوقت ذاته.

وقال البريطاني: "كان توازن السيارة رائعاً، يتوجّب علينا كسائقين تعلّم المنعطفات التي بإمكاننا الضغط فيها والأخرى التي لا يمكننا فيها ذلك أثناء السباق من ناحية إلحاق الضرر بالإطار الأمامي الأيسر أو الخلفي الأيسر أو الأمامي الأيمن أو الخلفي الأيمن".

وأضاف: "هناك منعطفات معيّنة يمكنك الضغط فيها وأخرى يتوجّب عليك رفع قدمك عن دواسة الوقود وعبورها بسلاسة. في حال حصلت على التوازن المناسب فبإمكانك إطالة عمر الإطارات إلى ما لا نهاية. كان لديّ توازن مثالي اليوم".

كان الفارق بين هاميلتون وفيتيل بين مدٍ وجزر، أجرى الألماني توقّفه الثاني في اللفّة الـ 37 ما يعني أنّ إطارات كانت أجدد بـ 13 لفّة من هاميلتون خلال الفترة الأخيرة من عمر السباق.

كان الفارق بينهما في البداية 7.8 ثانية وبدأ يتقلّص بنسقٍ أقلّ حدّة ممّا كانت تأمله فيراري. كان هاميلتون يتحكّم في مجريات السباق، لكنّ المهمّة لم تكن سلسة في منطقة الفريق.

وقال لوي في هذا الصدد: "بدت المهمّة صعبة. بالنظر إلى هاميلتون فقد كانت هناك فترات اعتقدنا فيها أنّ استراتيجيّته لن تنجح. تقلّص الفارق إلى أربع ثوانٍ عند نقطة معيّنة لكنّ فيتيل اضطرّ إلى قطع المنعطف الأخير من الحلبة وذلك أبعده قليلاً إلى الخلف. أعتقد أنّه اكتفى بالمركز الثاني منذ ذلك الحين".

وتابع: "فاز هاميلتون بالسباق بتلك الطريقة، أطال عمر إطاراته لفترة طويلة وتمكّن من مجاراة وتيرة فيتيل لفّة تلو الأخرى إلى حدّ أنّ فيتيل كان يقترب منه بمعدّل عُشرين من الثانية فقط في كلّ لفّة بالرغم من أنّ إطاراته كانت أجدد بكثير".

مقياس ألونسو

تمكّنت مرسيدس كذلك من قلب سوء طالع روزبرغ إلى أمرٍ إيجابي. فبعد أن أُجبر الألماني على إجراء توقّفٍ إضافي في اللفّة الـ 51، قدّمت إطاراته المستعملة معلومات ثمينة للفريق.

وقال لوي: "كان روزبرغ يتّبع استراتيجيّة توقّفٍ وحيد أيضاً، لكنّه واجه ثقباً في أحد إطاراته. كما حصلنا على بيانات بشأن التآكل من إطارات روزبرغ، حيث زادت من ثقتنا حيال استراتيجيّة هاميلتون".

كما حصل الفريق على مقياسٍ مفيدٍ آخر. أجرى فرناندو ألونسو توقّفه في اللفّة الـ 17 وانتقل إلى الإطارات الليّنة أي أنّ إطاراته كانت أقدم بسبع لفّات من تلك التي على سيارة هاميلتون.

وفي حين أنّه من الصعب إجراء مقارنة مباشرة بين سياريتين مختلفتين، إلّا أنّ مرسيدس أبقت أعينها مفتوحة على وتيرة الإسباني.

وقال توتو وولف مدير الفريق: "شعرنا أنّ استراتيجيّة التوقّف الوحيد ممكنة حتّى مع درجات الحرارة المرتفعة بعض الشيء، وبإمكانكم ملاحظة اتّباع معظم الفرق الأخرى نفس النهج".

وأضاف: "بشكلٍ مثيرٍ للاهتمام فقد كانت التركيبة الليّنة صامدة، كان ألونسو على إطارات أقدم بسبع لفّات وكان ذلك يمنحنا إشارة واضحة إلى مدى صمودها".

وتابع: "علمنا أنّنا سنحصل على تحذيرٍ في حال تراجعت تأدية إطاراته بشكلٍ كبير، لكنّ ذلك لم يحدث".

بالعودة إلى فيتيل فقد دافع عن فريقه بعد نهاية السباق رافضاً وضع شكوك حول الاستراتيجيّة مشيراً إلى الكأس نصف الممتلئ عبر مقاربة "بتنا تنافسيّين على الأقل".

كان من المثير رؤيته في دور لاعب الفريق، على عكس دانيال ريكاردو الذي نتفهّم جميعاً إحباطه الأخير، لكنّ الإجماع في أروقة الرياضة كان أنّ فيراري ارتكبت خطأ في الاستراتيجيّة، مثلما حدث في أستراليا.

لن نعلم مطلقاً إن كان ذلك صحيحاً أم لا كما تجب الإشارة إلى أنّه في حين تمكّن هاميلتون وبوتاس صاحب المركز الثالث من الإبقاء على إطاراتهما في حالة جيّدة لإكمال تلك الفترة الطويلة، إلّا أنّ آخرين لم يتمكّنوا من فعل ذلك ومن المؤكّد أنّ هذا الأمر لعب دوراً في تفكير فيراري.

ويبقى السؤال المطروح هو: هل سيتمكّن فريق مارانيللو من اتّخاذ القرارات الصائبة في المرّة المقبلة التي يحصل فيها على فرصة مماثلة؟

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة كندا الكبرى
حلبة حلبة جيل فيلنوف
قائمة السائقين لويس هاميلتون , سيباستيان فيتيل
قائمة الفرق فيراري , مرسيدس
نوع المقالة تحليل