تحليل: كيف انقلبت الاستراتيجيّات بعد فوضى اللفّة الأولى؟

ربّما يبدو فوز الألماني نيكو روزبرغ بجائزة الصين الكبرى للفورمولا واحد سهلاً للغاية، لكنّ الإثارة والخطط الاستراتيجيّة خلفه ساعدت على تقديم سباقٍ شيّقٍ على حلبة شنغهاي.

أكّد سباق الصين مرّة أخرى أنّ منح الفرق ثلاث تركيبات إطارات مختلفة أحدث بعداً إضافياً مختلفاً تماماً لعطلة نهاية الأسبوع.

في يومٍ أكملت فيه جميع السيارات الـ 22 المشاركة السباق، وهي المرّة الأولى التي يحدث فيه ذلك منذ بدء الحقبة الحالي للمحرّكات الهجينة سداسيّة الأسطوانات في 2014، استخدم 13 سائقاً التركيبات الثلاث خلال السباق.

أظهرت الطريقة التي سار من خلالها السباق أهميّة اختيار تركيبات الإطارات والطريقة التي يستخدم من خلالها كلّ فريقٍ إطاراته خلال مجريات عطلة نهاية الأسبوع وتأثير ذلك على سباق الأحد، كما أنّ عدم استخدام الفرق الإطارات الملساء خلال التجارب الحرّة الثالثة، التي شهدت تهاطل الأمطار، قد لعب دوراً مهماً للغاية.

كان روزبرغ أحد السائقين القلائل الذين لم يتّبعوا استراتيجيّة ثلاثة توقّفات، بل كان جريئاً ليتمكّن من الفوز بالسباق من دون الاعتماد على التركيبة الأكثر ليونة والأكثر سرعة. لم يكن ذلك ممكناً بطبيعة الحال في الماضي القريب أثناء السباقات الجافة حيث يتوجّب عليك استخدام التركيبتين المتاحتين حينها.

لكنّ أحداً لم يتوقّع أن يحدث ذلك في ظلّ القوانين الجديدة بالنظر إلى أنّ المتأهّلين إلى القسم الثالث من التجارب التأهيليّة يبدؤون سباقهم على متن الإطارات التي سجّلوا على متنها أسرع أزمنتهم في القسم الثاني، وهي عادة ما تكون الألين من بين التركيبات الثلاث.

بالرغم من ذلك أثبت روزبرغ رفقة مرسيدس أنّه يملك الوتيرة اللازمة للعبور إلى القسم الثالث باستخدام الإطارات الليّنة فقط، ليضمن بذلك إكماله عدداً أكبر من اللفّات في القسم الأوّل من السباق بالمقارنة مع السائقين التسعة خلفه مباشرة.

وبالنظر إلى انطلاق لويس هاميلتون من المركز الأخير على شبكة الانطلاق، كنّا جميعاً بانتظار سباقٍ مثير. كما كان من المتوقّع أن يتّبع دانيال ريكاردو وثنائي فيراري استراتيجيّة معاكسة لروزبرغ عبر انطلاقهم على الإطارات فائقة الليونة، بينما سيستخدمها روزبرغ قرب نهاية السباق. كانت بيريللي تتوقّع أنّ كلاً من الثلاثي سيستخدم ثلاث مجموعات من الإطارات الليّنة لإكمال السباق.

في الحقيقة أشارت بيريللي إلى أنّ نتيجتي الاستراتيجيّتين ستكونان متطابقتين، أي أنّ جميع المؤشّرات كانت تنبئُ بسباقٍ مثير. بعدما حدث في أستراليا نتيجة العلم الأحمر وعدم تمكّن فيتيل من بدء سباق البحرين، كنّا جميعاً بانتظار رؤية قدرات فيراري الحقيقيّة.

لكنّ بشكلٍ مثير للاحباط لم يحدث ذلك. كانت اللفّة الأولى فوضويّة، وتبعها انثقاب إطار ريكاردو بسبب الأشلاء المتناثرة على الحلبة ما أدّى إلى دخول سيارة الأمان لينقلب السباق رأساً على عقب.

بدل رؤية أحد السائقين يفرض تحدياً على روزبرغ، وجدنا أنفسنا أمام ترتيب متقلّب بتواجد سائقين بعيدين عن مراكزهم الطبيعيّة وتأخّر سائقين سريعين آخرين في الخلف.

كان ذلك حماسياً إلى حدٍ ما، وإثباتاً رائعاً لقدرة الفورمولا واحد على تقديمٍ عروضٍ مثيرة بالرغم من الانتقادات المتواصلة التي تطالها في الفترة الحاليّة. لكنّنا لم نحصل للأسف على أيّة معركة على الصدارة.

سباقٌ بيدي روزبرغ

توجّب على روزبرغ إتمام المهمّة من دون أخطاء، ولم تبدأ الأمور على نحوٍ جيّد عندما خسر الصدارة لصالح ريكاردو.

اعترف الألماني بعد التجارب التأهيليّة أنّ الإطارات الليّنة قد تكلّفه بعض الزخم عند الانطلاقة، بالرغم من إشارته إلى قصر المسافة بين شبكة الانطلاق والمنعطف الأوّل على حلبة شنغهاي. لكنّه خسر المركز الأوّل في نهاية المطاف.

"خسرت الانطلاقة نتيجة للإطارات" قال روزبرغ، وأضاف: "كنت الوحيد على الإطارات الليّنة، الجميع كان على الإطارات فائقة الليونة ما يمنحهم المزيد من التماسك. قد يكون ذلك سبباً لخسارتي الصدارة".

بطبيعة الحال كانت جميع الأنظار تتّجه صوب ثنائي فيراري اللذان اصطدما ببعضهما خلفه فضلاً عن هاميلتون الذي وجد نفسه في بجناحٍ أمامي مكسور خلال تلك الفوضى.

حتّى مع خروج فيراري من الصورة عند تلك النقطة، كان من المثير رؤية مدى صمود ريكاردو في الصدارة، لكنّه تعرّض لانثقاب إطاره الخلفي الأيسر خلال اللفّة الثالثة، وهي حادثة كانت محلّ ترحاب لدى روزبرغ ليقتنص الصدارة بسهولة نتيجة لذلك. أشار الألماني بعد السباق إلى عدم علمه بتفكّك إطار ريكاردو كلياً إذ اعتقد أنّ إطار سيارة الأسترالي قد تآكل بشكلٍ كبير.

دخلت سيارة الأمان بسبب تواجد الأشلاء على المسار ما زاد من تعقيد السباق. بقي روزبرغ على الحلبة، كما فعل الآخرون الذين بدؤوا السباق على الإطارات الليّنة، في المقابل كسب هاميلتون ورايكونن بعض الوقت بعدما خسراه خلال اللفّة الأولى لتغيير الجناحين الأماميين.

كما تمكّن فيتيل من تعويض بعض ما خسره إذ أكّد جوك كلير بعد السباق أنّ فيراري قرّرت تغيير جناح سيارة الألماني عند توقّفه الأوّل بالنظر إلى حجم الضرر الذي لحق به، وتمكّنت الحظيرة الإيطاليّة من كسب الكثير من الوقت من خلال إتمام تلك المهمّة أثناء فترة سيارة الأمان.

عند تشكّل صفّ السيارات خلف روزبرغ عند فترة سيارة الأمان، شاهد الألماني سيارات مختلفة على مرآته، إذ تقدّم فيليبي ماسا، وفرناندو ألونسو، وباسكال فيرلاين وإستيبان غوتيريز إلى الأمام نتيجة عدم توقّفهم.

أقرب المنافسين البارزين لسائق مرسيدس كان كفيات في المركز السادس، وفيتيل في المركز الـ 15، وريكاردو في المركز الـ 17، ورايكونن وهاميلتون في المركزين الـ 19 والـ 21 توالياً. خلطت أحداث اللفّات الأولى من السباق جميع الأوراق.

كان السباق بيد روزبرغ عند تلك النقطة، ولم يتوانَ الألماني في القيام بما يلزم لتحقيق الفوز. استغلّ تواجد سيارة الأمان ليطيل فترته الأولى على الإطارات الليّنة إلى 20 لفّة، ليكون آخر من يجري توقّفه الأوّل.

أكمل بعد ذلك فترة ثانية منظّمة امّتدّت لـ 16 لفّة على الإطارات الليّنة وانتظر بعد ذلك حتّى توقّف أقرب ملاحقيه كفيات وفيتيل ليجري توقّفه الثاني والأخير منتقلاً إلى الإطارات المتوسّطة.

وقال سائق مرسيدس: "حافظت الإطارات الليّنة على أدائها لفترة طويلة بشكلٍ مفاجئ. أعتقد أنّ توازن السيارة كان جيّداً للغاية، كما كان أداء الإطارات المتوسّطة جيّداً بشكلٍ مفاجئ. كان بإمكاني الضغط عليها حتّى النهاية، واجهت تآكلاً بسيطاً عند آخر تلك الفترة، كان الشعور رائعاً. كما سمعت أنّ ريكاردو حظي بفترة جيّدة أيضاً على الإطارات المتوسّطة".

كانت تلك الفترة بمثابة طلعة استعراضيّة بالرغم من أنّه لم يخفّف من سرعته، إذ لم يشاهد أيّ أحدٍ خلفه في المرآة ولا سيارات متأخّرة أمامه عند بعض فترات السباق.

وقال الألماني: "لم أخفّف من سرعتي مطلقاً، ضغطت طوال الوقت. كان الشعور رائعاً داخل السيارة من جهة، ومثّل انثقاب إطار ريكاردو تذكيراً بأنّ أيّ شيء قد يحدث في أيّة لحظة.

وأضاف: "كما حاولنا توسيع الفارق لتغطية احتمال دخول سيارة الأمان مجدّداً كي أتمكّن من إتمام توقّفٍ إضافي دون مواجهة أيّة متاعب. كما كانت القيادة ممتعة. لماذا سيتوجّب عليّ التخفيف من سرعتي؟".

لم نشاهد أداء فيراري الحقيقي

أكمل روزبرغ السباق متقدّماً بـ 37 ثانية عن فيتيل، وهو فارقٌ لم يعكس تأدية فيراري الحقيقيّة. ليس فقط لأنّ فيتيل توجّب عليه شقّ طريقه من المركز الـ 15 بعد خروج سيارة الأمان، وإنّما توجّب عليه القيام بذلك بسيارة متضرّرة.

على غرار ما حدث للسائقين الآخرين، مثل رايكونن وهاميلتون، أثّر الضرر في توازن السيارة أي في طريقة استهلاك السيارة للإطارات.

وقال فيتيل: "اعتقدت في البداية أنّ عليّ إجراء توقّفي مباشرة، لكنّ التحكّم في السيارة كان مقبولاً. كان المقود بعيداً قليلاً عن المنتصف، لذلك كانت سيارتي متضرّرة طيلة مسافة السباق. كان الوضع صعباً عند المنعطفات اليساريّة بالمقارنة مع المنعطفات اليمينيّة. لحسن الحظّ أنّ حلبة شنغهاي تتضمّن عدداً أكبر من المنعطفات اليمينيّة".

تعقّدت مهمّته بعض الشيء عندما تضرّر جناحه الأمامي الجديد بعد تلامسه مع فالتيري بوتاس. قرّر الفريق هذه المرّة عدم الحاجة لتغييره ولم يكن فيتيل نفسه على علمٍ بتضرّره ليواصل استخدامه حتّى نهاية السباق.

كانت تلك تأدية قويّة من فيتيل، حيث أقدم على تجاوزٍ مزدوجٍ عند مدخل خطّ الحظائر عندما كان مواطنه نيكو هلكنبرغ يحجز كارلوس ساينز الإبن، وكانت الخطوة التي أقدم عليها فيتيل قانونيّة بامتياز في حال كان السائق الذي أمامك بطيئاً للغاية، وهو ما يؤكّد معدن فيتيل الحقيقي.

كما ساعدته استراتيجيّة ذكيّة من فريقه فيراري ليكون على إطارات مختلفة عن منافسيه المباشرين معظم فترات السباق. أثبتت السيارة تلاؤمها بشكلٍ أفضل مع الإطارات الليّنة بالمقارنة مع الآخرين، كما اتّخذت فيراري قراراً ذكياً بوضعه على الإطارات فائقة الليونة أثناء توقّفه الأوّل عند دخول سيارة الأمان.

حافظ الألماني على مجموعة جديدة من الإطارات الحمراء باقتصاره على طلعة واحدة في القسم الثالث من التجارب التأهيليّة، حيث اعترف هو نفسه أنّ ذلك القرار ربّما كلّفه بعض الوقت، لكنّه آتى أُكله في نهاية المطاف. استخدامه التركيبة الأكثر ليونة في وقتٍ تخلّص فيه الآخرون منها ساعده بكلّ تأكيدٍ على شقّ طريقه مجدّداً نحو الأمام، وكان قادراً على إكمال 13 لفّة على تلك المجموعة قبل أن ينتقل إلى الإطارات الليّنة.

وقال في هذا الصدد: "اتّبعنا استراتيجيّة مخالفة لمعظم منافسينا من خلال الإطارات فائقة الليونة. ساعدني ذلك على تخطّي الزحام وإحراز تقدّم جيّد، كما كان ذلك ممتعاً. تجاوزت الكثير من السيارات، لم أقم بحسابهم، لكن كان عددها كبيراً، تمكّنا في النهاية من تجاوزهم حيث كان ذلك مهماً للغاية".

كما كان بوسعه الحصول على أفضليّة عند الفترة الأخيرة من السباق. في حين أنّ معظم منافسيه المباشرين انتقلوا إلى الإطارات المتوسّطة، كان فيتيل (ورايكونن) لا يزال يملك مجموعة جديدةً من الإطارات الليّنة. لحق فيتيل بكفيات ودخلا خطّ الحظائر معاً.

ومنحت الإطارات الليّنة الأفضليّة لفيتيل كي يتمكّن من تجاوز سائق ريد بُل عند لفّة خروجهما من خطّ الحظائر.

وقال الألماني: "علمت أنّ لديّ الأفضليّة لرفع درجة حرارة الإطارات بسرعة والحصول على أداءٍ أفضل، خاصة أنّها كانت اللفّة الأولى، لذلك ضغطت بأقصى قوّتي وتمكّنت من تجاوزه. علمت أنّني في حال لم أتجاوزه فسيكون من الصعب البقاء على مقربة منه، بالرغم من أنّ إطاراتي أسرع. حالما تجاوزته حاولت إدارة الفارق حتّى عبور خطّ النهاية".

أكمل كفيات سباقه متأخّراً بثماني ثوانٍ عن فيتيل. قدّم الروسي تأدية قويّة بعد انطلاقته المخيّبة للموسم، وفي حين أنّ فيتيل قد لا يوافق على ذلك، إلّا أنّ معظم المتابعين، بمن فيهم روزبرغ، وافق أنّ التجاوز الذي أقدم عليه كفيات عند اللفّة الأولى كان شرعياً 100 بالمئة.

كما تُعدّ عطلة نهاية الأسبوع مشجّعة للغاية بالنسبة لريد بُل، إذ أنّ التوقّعات على الورق أشارت إلى عدم ملاءمة خصائص حلبة شنغهاي المتطلّبة للطاقة مع وحدة طاقة رينو.

تمكّن ريكاردو من تعويض ما خسره في البداية ليكمل السباق رابعاً، في حين قدّم رايكونن تأدية قويّة ليُكمل السباق في المركز الخامس بالرغم من تضرّر سيارته ما أضرّ بوتيرته طيلة مسافة السباق.

مشاكل هاميلتون تتواصل

تضرّرت عدّة أجزاء انسيابيّة على سيارة هاميلتون بعد حادثة اللفّة الأولى. بدأ البريطاني سباقه على الإطارات الليّنة وأقدمت مرسيدس على نقله إلى الإطارات فائقة الليونة للفّة واحدة قبل أن تدخل سيارة الأمان لتغيّر إطاراته مجدّداً لتمنحه بذلك فرصة إكمال السباق على الإطارات الليّنة.

لكنّ بطل العالم اتّبع ما قام به الآخرون في نهاية المطاف منتقلاً إلى الإطارات المتوسّطة ليكمل على متنها السباق مكتفياً بالمركز السابع.

وقال توتو وولف مدير الفريق: "انفصل الجناح الأمامي ودخل تحت أرضيّة السيارة عند الخطّ المستقيم، تضرّر الحافة الجانبيّة ما أدّى إلى خسارته الكثير من الارتكازيّة عند بعض المنعطفات، إذ أصبح القسم الأمامي من السيارة خفيفاً للغاية، أعطاه ذلك شعوراً بوجود ضررٍ كبير على السيارة".

وأكمل: "فقد الكثير من الأداء الانسيابي على السيارة، حيث كان من الصعب قيادتها، لذلك لم تدم الإطارات لفترة طويلة ما أثّر على سباقه".

كان سباقاً رائعاً في المجمل، إذ قدّم لنا الكثير من الأحداث والإثارة، لكنّنا نأمل أن نشاهد معركة مباشرة خالية من المشاكل بين ثنائي مرسيدس ونظيريهما من فيراري أو ربّما ثنائي ريد بُل أيضاً.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة الصين الكبرى
حلبة حلبة شانغهاي الدولية
نوع المقالة تحليل