موتورسبورت.كوم "برايم"

تحليل: عيوب التصميم التي عصفت بتحالف مكلارين-هوندا

بعد ثلاثة مواسم لم تُثمر عن شيءٍ بخلاف تبادل الاتّهامات والعديد من عمليات إعادة البناء المُكلفة، تخرج تفاصيل انفصال مكلارين-هوندا إلى النور مع نظرة عامة على مُجمل الوضع، حيث برزت عيوب أساسية في التصميم ضمن جوهر المشكلة.

قد يبدو خزان الزيت مكوّنًا بسيطًا وسط التعقيد الكبير الذي تتمتّع به محرّكات الفورمولا واحد سداسية الأسطوانات وأجزاؤها الهجينة. إذ وفي ظلّ ملايين الدولارات التي يتمّ استثمارها في محاولة إنجاح فريقٍ مصنعيّ ضمن سباقات الجائزة الكبرى، إلى جانب خبرات منظمتين عظيمتين في عالم السباقات، لا يُمكن توقّع أمر بديهي وأساسي كهذا أن يكون السبب الرئيسي للكارثة.

لكنّ ذلك تحديدًا ما حدث في 2017. فقد كان خزان الزيت على رأس الأسباب التي عصفت في نهاية المطاف بتحالف مكلارين-هوندا، السبب الذي اختفى ضمن مناخٍ مسموم من الوعود الكاذبة والأحلام المُحطّمة.

بعد إحرازها لتقدّم مُشجّعٍ في 2016، واستثمارها للوقت في مساعدة الاتّحاد الدولي للسيارات "فيا" لوضع مسودة لقوانين الانسيابية الجديدة والمُحسّنة لهذا العام وإعادة هيكلتها للفريق استعدادًا لتحقيق الاستفادة القُصوى – شعرت مكلارين بأنّها جاهزة لتعويض ما خسرته لصالح الفرق الثلاثة الكبيرة في الفورمولا واحد؛ مرسيدس، فيراري وريد بُل.

في هذه الأثناء كانت هوندا قد خططت لتعديلات كبيرة على تصميم محرّكها، متخلّيةً عن مفهوم "الحجم صفر" الذي تميّز بتوضيب الشاحن التوربيني والضاغط ضمن فراغ "في" على المحرّك، بدلًا عن ذلك قام الصانع الياباني بجلبهما إلى الخارج واتّباع تصميم مرسيدس الذي يربطهما على طرفَي المحرّك عبر اعتماد ذراع تدويرٍ أطول.

ويُساعد ذلك على جعل المحرّك أخفّ وأكثر انخفاضًا، ما يساعد مكلارين على حلّ مشكلة ضعف التوازن على السرعات العالية التي عانت منها سيارة 2016، في حين قامت هوندا بتطوير تقنية احتراقٍ جديدة توازيًا مع ذلك على الجهاز الداينو الخاص بها في ساكورا، والمُراد منها تحقيق دفعة ملحوظة على صعيد الطاقة.

كلّ هذه الأمور كانت لدفع مكلارين نحو التقدّم ضمن المراكز الأربعة الأولى على أسوأ تقدير، وربما التواجد على منصّة التتويج والمنافسة على الفوز في بعض المناسبات. 

سيارة ستوفيل فاندورن، مكلارين هوندا
سيارة ستوفيل فاندورن، مكلارين هوندا

تصوير: صور زاك موجر / لات 

بيد أنّ الرياح تجري بما لا تشتهي السُفن، حيث عانى تحالف مكلارين-هوندا من أسوأ بداية ممكنة عندما تسبّبت مشكلة في نظام الزيت في بقاء فرناندو ألونسو حبيس المرآب لمعظم اليوم الأوّل من التجارب الشتوية في برشلونة.

كما أنّ الوضع لم يشهد تحسّنًا يُذكر على مدار الأيام السبعة المتبقية من التجارب، إذ أدّت اهتزازات في وحدة الطاقة وناقل الحركة إلى توقّفات متكررة على أرض الحلبة. ليَبرُز أنّ محرّك هوندا الجديد والمُحسّن لم يتمتّع سوى بعدم الثبات، وضعف الموثوقيّة وتوفير طاقة أقلّ من نسخة العام السابق.

وما كان من مكلارين إلّا أن نفد صبرها وهي ترى فيراري ومرسيدس تُكملان مئات اللفّات، لتجد الحظيرة البريطانية نفسها في مواجهة موسمٍ آخر مخيب للآمال مليء بالمعاناة، ويبدأ التخطيط خلف الكواليس لإنهاء تلك الشراكة المحكوم عليها بالموت.

لقد كان موسمًا مُحبطًا إلى أقصى الحدود بالنسبة إلى مكلارين، حيث أنهته في المركز التاسع ضمن ترتيب بطولة الصانعين برصيدٍ أفضل بثلاث نقاطٍ فقط ممّا جمعته في 2015. حيث كان المركز السادس لألونسو في المجر هو أفضل نتيجة للفريق، كما كانت مكلارين كذلك أبعد بكثير عن وتيرة مرسيدس ممّا كانت عليه العام الماضي.

فقد تراجع كلّ شيء بالنسبة للحظيرة البريطانية في 2017: النتائج، والأداء والموثوقيّة. وكما شرح يوسوكي هاسيغاوا المُستبعد من منصبه كرئيس لمشروع هوندا في الفورمولا واحد، فإنّ الأمر برمّته تمحور حول اجتماعٍ لظروفٍ مختلفة متّصلة ببعضها البعض مركزها هو مشكلة خزان الزيت.

"بالعودة إلى 2015، فقد كان مستوى استعادة الطاقة في نظام استعادة الطاقة الحرارية «ام جي يو-اتش» على محرّكنا منخفضًا للغاية" قال هاسيغاوا.

وأضاف: "كان ذلك بسبب حجم الشاحن التوربيني المحدود. قمنا بتعديل الشاحن التوربيني ليكون أكبر بكثير في 2016. ومن أجل ذلك كنا بحاجة إلى جعل مكان تموضعه أعلى بكثير. وعبر القيام بذلك، أعتقد بأنّ مستوى استعادة الطاقة كان تنافسيًا للغاية – إذ كان قريبًا للغاية من ذات مستوى فريق الصدارة".

وتابع: "لكن وبسبب ذلك، كنّا نعتقد بأنّ مركز الجاذبية كان أحد المشاكل الكبيرة التي نواجهها، لا سيّما في سوزوكا، حيث لاحظت بأنّ زخم السيارة كان سيئًا للغاية". 

ماساشي ياماموتو ، رئيس هوندا ويوسوكي هاسيغاوا، مدير رياضة السيارات في هوندا
ماساشي ياماموتو ، رئيس هوندا ويوسوكي هاسيغاوا، مدير رياضة السيارات في هوندا

تصوير: صور ساتون موتورسبورت

وأكمل: "بالطّبع قمنا بتحديد هذه المشكلة منذ بداية الموسم، لذا أدركنا أنّنا بحاجة إلى تغيير مكان الشاحن التوربيني إلى موقع أكثر انخفاضًا، لكن للقيام بذلك تعيّن علينا فصل التوربينة والضاغط واعتماد حزمة مختلفة تمامًا".

وأردف: "بات عمود الربط أطول بكثيرٍ الآن بالنسبة للتوربينة. لم نخلق مشكلة بذلك ولكن بسبب خروجها من المحرّك، فإنّ تصميم خزان الزيت كان مختلفًا للغاية. إذ كنا بحاجة إلى تثبيته بحيث يتجنّب حزمة الشاحن التوربيني".

وعليه فإنّ الانتقال من خزان الزيت التقليدي إلى ما وصفه هاسيغاوا بخزانٍ ذي "شكلٍ هلالي" قد دفع بهوندا إلى مجموعة من العواقب الكارثية غير المتوقّعة.

"بخلاف مستوى الأداء المُستهدف، كنّا نواجه مشكلة مع الموثوقيّة. عانينا من العديد من المشاكل مع تقلّب الأداء، إلى جانب مشاكل نظام استعادة الطاقة الحرارية والتي تأتي كذلك من تسرّب الزيت من الخزان" قال هاسيغاوا المدير السابق لمشروع هوندا في الفورمولا واحد.

واستدرك: "خزّان الزيت السابق كان مستقيم الشكل، لكنّ نسخة هذا العام كان لها شكل مختلف. بالطّبع اختبرنا ذلك الشكل على جهاز الداينو، لكنّ ذلك كان أحد أصعب المكوّنات التي قمنا بتفقّدها. وجدنا مشكلة خلال التجارب الشتوية الأولى في برشلونة. لم تكن مشكلة أساسية، لكنّها أضرّت كثيرًا بوقت اختباراتنا، لذا كان الوضع سيئًا للغاية".

وواصل شرحه بالقول: "بالطّبع قمنا بتعديل خزان الزيت، حيث قمنا بتحديثه واستقرّ الوضع في غضون يومين أو ثلاثة أيام. بيد أنّ خسارة يومين أو ثلاثة تُعتبر أمرًا كارثيًا في التجارب الشتوية".

تسببت هذه المشكلة في تراجع برنامج تطوير مكلارين-هوندا إلى حدّ مرور خمسة سباقات قبل أن تكون الحزمة الأساسية تحت السيطرة، ناهيك عن أن تكون أفضل. وعلاوة على دراما خزان الزيت، فإنّ تصميم هوندا الجديد لنظام الاحتراق كان عاملًا آخر في معاناة السيارة – المشكلة التي تطلّبت أشهرًا لحلّها من دون توفير طاقة إضافيّة بالمقارنة مع أرقام العام الماضي.

"من المنصف القول بأنّ المستوى الذي بدأنا به الموسم كان مُساويًا تقريبًا للعام الماضي – كانت الطاقة القُصوى مماثلة تقريبًا، لكنّها كانت منخفضة للغاية عند عدد دورات متدنيّة" قال هاسيغاوا.

واسترسل: "كانت هنالك فوارق كبيرة بدءًا ممّا يقارب 9000 – 10000 دورة في الدقيقة – لم يكن هناك عزم دوران. كان ذلك جيدًا على جهاز الداينو، لكن عندما استخدمنا غيارًا أعلى وانتقلنا من 10000 إلى 9000، انخفض عزم الدوران بشكل دراماتيكيّ، يخلق ذلك تذبذبًا كبيرًا". 

فرناندو ألونسو، مكلارين هوندا
فرناندو ألونسو، مكلارين هوندا

تصوير: صور ساتون موتورسبورت

واستطرد: "القصور الذاتي لجهاز الداينو كان ضخمًا، لذا لم يولّد ذلك مشكلة كبيرة، لكنّ القصور الذاتي للسيارة نفسها كان أقلّ بكثير. حيث كان الانخفاض الكبير في عزم الدوران سببًا في تذبذب كبير".

وقد جعل ذلك قيادة السيارة أمرًا صعبًا للغاية (عندما كانت تعمل) إلى أن قامت هوندا بتعديل نظام تغذية المحرّك بالهواء لجائزة إسبانيا الكبرى، الأمر الذي ساعد في استعادة الطاقة المفقودة واستجابة المحرّك للقيادة. حتى تلك المرحلة، كان السائقان مضطرّان إلى نقل الغيار عند مستويات غريبة، إذ كان بوسعك سماع الضوضاء الصادرة من مقاومة ناقل الحركة لرفع الغيار غير الاعتيادي وإعدادات القابض المطلوبة لتجنّب انخفاض عزم الدوران.

وفي ظلّ ابتعاد المحرّك كثيرًا عمّا كانت تستهدفه هوندا في بداية الموسم، تعيّن على مكلارين التأقلم مع افتقارها للموثوقيّة. إذ مضت فقط ثلاثة سباقات قبل أن يتعرّض ستوفيل فاندورن لعقوبات المحرّك، كما أخفق البلجيكي في الانطلاق في البحرين على إثر المشاكل المتكررة في نظام استعادة الطاقة الحرارية على المحرّك، في حين لم يتمكّن زميله فرناندو ألونسو من الانطلاق في السباق التالي في روسيا بسبب توقّف نظام استعادة الطاقة "إيرز".

"إلى جانب عدم بلوغ أهداف الأداء فقد واجهنا مشكلة على صعيد الموثوقيّة "قال هاسيغاوا، وأضاف: "واجهنا عدّة مشاكل مع الاهتزازات ومحامل نظام «ام جي يو-اتش». كما يعود ذلك أيضاً إلى تسرّب الزيت خارج الخزّان وتوجّهه إلى المحامل والتوربينة، وكانت محامل التوربينيّة تنكمش أو بصدد ذلك، وهو ما خلق مشكلة".

وأردف: "لم يتمّ تغيير المحامل بالمقارنة مع العام الماضي، بالرغم من أنّ التركيبة مختلفة، لكنّنا لم نواجه مشكلّة تدفّق الزيت من الخزّان في العام الماضي كون تصميمه كان تقليديًا".

وأكمل: "في الواقع يُعدّ ذلك مجرّد عذر – فقد درسنا كل جانبٍ قمنا بتغييره – لكنّنا لم نتغافل عن أيّ أمرٍ آخر إضافة لذلك الجانب، مثل تصميم خزان الزيت، لذلك واجهنا العديد من المشاكل التي لم نتوقّعها من خلال التعديل الذي قمنا بإجرائه". 

توقف سيارة فرناندو ألونسو، مكلارين هوندا
توقف سيارة فرناندو ألونسو، مكلارين هوندا

تصوير: صور ساتون موتورسبورت 

وتابع: "واجهنا العديد من المشاكل مع نظام استعادة الطاقة الحرارية في بداية الموسم، لا سيّما في البحرين. حيث ربما واجهنا ثلاثة أعطال في النظام على سيارة فاندورن. لكنّنا لم نعلم مكمن المشكلة. إذ كنا قد قمنا فقط بتثبيت نظام جديد وتعطّل. استعنا بأربعة أو خمسة أنظمة لاستعادة الطاقة الحرارية هناك، كوننا لم نفهم ما الذي كان يحدث".

عندما تمكّنت هوندا في نهاية المطاف من فهم ما يحدث، قامت بتعديل خزان الزيت لإيقاف التسريب، كما قامت بتمتين محامل نظام «ام جي يو-اتش» لجعله أكثر صلابة.

بيد أنّ مكلارين استخدمت مكوّنات للمحرّك أكثر من أيّ فريقٍ هذا العام، إذ أنّه وعندما أخفقت هوندا في استهداف مستوى الأداء المتّفق عليه من أجل محاولة مُضاهاة طاقة محرّك مرسيدس للزبائن قبل جائزة بلجيكا الكبرى، كان مصير الشراكة بين الحظيرة البريطانية والصانع الياباني قد بات محسومًا.

ولا يُمكننا أن نعلم إذا ما كانت مكلارين لتقتنع بالبقاء ضمن ذلك التحالف في حال لم تتسبب مشاكل الموثوقيّة في تأخير برنامج تطوير هوندا في وقتٍ مبكر من الموسم. إذ ومن دون تلك المشاكل، ربما كان ليكون بوسع الصانع الياباني إحراز تقدّمٍ أسرع مع تصميمه الجديد لمحرّك الاحتراق الداخلي، وربما كانت الأمور لتسير بطريقة مختلفة.

لكن يبدو بأنّ مكلارين كانت قد حسمت أمرها بالفعل قبل نهاية التجارب الشتوية، عندما بدأ خزان الزيت الجديد كثير المشاكل بتوليد فوضى عارمة، لا سيّما في ظلّ التطلعات والطموحات العالية التي كانت موضوعة آنذاك. 

إنسحاب ستوفيل فاندورن، مكلارين هوندا
إنسحاب ستوفيل فاندورن، مكلارين هوندا

تصوير: أندرو هون / صور لات

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
نوع المقالة تحليل
Topic موتورسبورت.كوم "برايم"