تحليل: على مكلارين السعي لتصبح النسخة الجديدة من "ويليامز"

عندما دخلت ويليامز في مرحلة السقوط التدريجي من قمة المجد لتصبح مجرد تكملة عدد، تمّت المقارنة بينها وبين مصير فريق تايريل الذي تقلب تاريخه ما بين حِقبتَي السبعينات والتسعينات من القرن الماضي من المنافسة على اللقب إلى تذيل الترتيب.

في حال كان فريق ويليامز نسخةً جديدةً من قصة تايريل، فهل تمثّل مكلارين نسخةً جديدة من ويليامز؟ قد يكون ذلك أمرًا يستحق المقارنة.

ربما يأبى فريق مكلارين عقد مثل هذه المقارنة، إذ أن ويليامز "مجرّد" فريقٍ زبونٍ في الفورمولا واحد ولطالما اعتاد الحفاظ على طموحاتٍ واقعيةٍ على قائمة أهدافه.

ولكن، مرَّ فريق ويليامز بمرحلة "تعديل شامل" وإعادة هيكلة من أجل معرفة ما يحتاجه لإعادة البناء، بدلًا من التصريح تكرارًا ومرارًا بأنه ما يزال فريقًا قويًا، وبأنها مجرد مسألة وقتٍ حتى يعود إلى المنافسة على البطولة مجددًا.

ينبغي على مكلارين أن يتعلموا من ذلك.

بعد سنواتٍ كانت خلالها مكلارين بمثابة الفريق المصنعيّ لمرسيدس في الفورمولا واحد، منذ 1995، علم الفريق البريطاني بأنّ وصول السهام الفضية إلى ساحة البطولة بفريقٍ مصنعي متكامل في 2010 يعني نهاية علاقته المتميزة مع الصانع الألمانيّ.

وفي هذا الصّدد، يبدو سعيهم لإبرام صفقةٍ للتزوّد بالمحرّكات على أن يكونوا بمثابة فريقٍ مصنعي أمرًا معقولًا، إذ انتهى بهم المطاف بإبرام صفقةٍ بهذه المواصفات مع شركة هوندا اليابانية. وكانت تجربةً تستحق العناء.

ولكنّ التجربة فشلت، وحان الوقت بالنسبة لمكلارين كي يتوقفوا عن المزاح بشأن فريقهم والقول بأنه وحشٌ نائم ينتظر أن يرن جرس الساعة المنبهة للنهوض، إذ يبدو بأنّ بطارياتها فارغةٌ تمامًا.

ولم يعد الأمر مجرد مسألة وقتٍ قبل أن تعود مكلارين إلى سكة الانتصارات، بل أصبحت مسألة "ماذا لو" وليس "متى".

صفقة هوندا

عندما تمّ الإعلان عن إبرام الاتفاق مع هوندا في 2013، كان هنالك حديثٌ عن منح مكلارين "أساسًا صلبًا ليكون أحد الفرق الكبيرة". والآن الشيء الكبير الوحيد في الفريق هو حجمهم ومستوى الأداء الضعيف غير المتوقع.

بحلول ديسمبر/ كانون الأول من عام 2014، كان رون دينيس يتحدّث عن "الهيمنة" كهدفٍ. كما كان مبررًا جيدًا لفتح الأرشيف القديم لإيجاد صورٍ أيقونية للبرازيلي الراحل آيرتون سينا والفرنسي آلان بروست في أواخر الثمانينات، ولكن أصبح الاجترار على الذكريات الجميلة أسطوانةً مشروخة.

وحتّى عندما كانت انطلاقة الشراكة سيئةً للغاية في 2015 عندما عادت هوندا رسميًا للبطولة، استمرت مكلارين في الحديث بتفاؤل، وكان مفترضًا بأن الفوز بالسباقات ضمن أهداف الفريق التي ستتحقق في المراحل الأخيرة من الموسم، وتمّ تدعيم هذه التوقعات بادعاءاتٍ قوية لدرجة أنهم قالوا في شهري فبراير/شباط ومارس/آذار 2015 بـ "أننا لن نمر بموسمٍ صعبٍ آخر" بالنظر إلى موسمي 2013 و2014 الخاليين من الانتصارات، وكان هنالك اعتقادٌ راسخ في مكلارين بأنّ الفريق يحضر نفسه ليكون قادرًا على مقارعة هيمنة مرسيدس على المراكز الأولى في الفورمولا واحد.

الآن، مرَّ عامان على ذلك، وتبدو الشراكة ما بين مكلارين وهوندا بعيدةً كل البعد عن تحقيق أيّ من تلك الأهداف التي وضعوها. واعتُبر احتلالهم المركز السادس في الترتيب العام النهائي لبطولة الصانعين الموسم الماضي علامة إنذارٍ على خطورة الوضع.

ما تزال الرسالة صحيحة، حتى في يومنا هذا: لا طائل من استخدام محرّكات الزبائن، إذ لا يمكنك معها الفوز بالبطولة. وحتى لو كان ذلك صحيحًا (ينبغي ملاحظة أنّ فريق ويليامز دحض هذا الادعاء)، فإن التنافس على صدارة فرق الزبائن يبقى أكثر جدوى من استخدام محرّكاتٍ بطيئةٍ جدًا أو رديئة الموثوقية أو كليهما. ولماذا قد ترغب في الحصول على اتفاقية حصريّة على هذه المحرّكات؟

إذ يقول المدير التنفيذيّ للحظيرة البريطانيّة زاك براون في هذا الصّدد: "تكرارًا ومرارًا أُذكّر الآخرين بأن العودة إلى سكة الانتصارات ستكون أكثر لذةً، وليس هنالك مبالغة في المتعة، إنه الوضع الذي نحن فيه، ولكن الجميع يتمتع بخبرةٍ كبيرة".

وأضاف: "نحن نعرف ما هي المشكلة، ونعمل على إصلاحها، والجميع يعرف بأن النتائج لن تظهر بين ليلةٍ وضحاها، لذا يعمل الجميع بجدٍّ على إيجاد الحلول ولا جدوى من التخلي عن هذا".

وعندما تمّ التطرّق إلى سنوات الركود التي مر بها فريق ويليامز، قال: "لا أعتقد بأن هنالك خطًا زمنيًا، وبدلًا من ذلك فإننا نتوق وبشدة للصعود في الترتيب، ونحن نرتقي خطوةً واحدةً للأعلى في كل موسم".

وتابع: "ما قلته في فترة التجارب الشتويّة هو أننا نحتاج للتحسن عمّا كنا فيه في 2016، واليوم نحن لسنا كذلك، لذا علينا تحقيق ذلك المستوى من التحسن طوال الموسم ومن ثم نرتقي بأنفسنا ونعود إلى المكان الذي نأمل التواجد فيه على المسار في 2018. لذلك ينصب تركيزنا الآن على أنه علينا إنجاز مهمةٍ معينة بحلول موعدٍ معين بدلًا من وضع أي نوعٍ من الخطوط الزمنية المُسبقة".

حقبة المحركات الهجينة

هذا وقد ساهم اعتماد محرّكات "في 6" الجديدة ذات الشواحن التوربينيّة في خلط ترتيب الفرق المنافسة في الفورمولا واحد، إذ صعد سائقو فريق مكلارين إلى منصّة التتويج لمرتين فقط – وكلاهما جاء في أول سباقٍ لهذه الحقبة في 2014، وكان الفريق حينها يتزوّد بمحركات مرسيدس.

وخلال نفس الفترة صعد فريق ويليامز 14مرّة. علمًا بأن الفريق حقق منصّةً واحدة الموسم الماضي عندما تراجع أداؤهم، جديرٌ بالذكر كذلك أنهم حققوا تسع منصّاتٍ في نفس الموسم الذي كان فيه فريق مكلارين يتزوّد فيه بنفس محرّكات مرسيدس. فما هو الفريق الذي استمتع موظفوه بأعمالهم بشكلٍ أكبر طوال السنوات الثلاث الماضية؟

أظهرت لنا مسيرة فريق ويليامز في سنوات القرن الحادي والعشرين بأنها لم تكن مهمةً سهلةً. فعندما خسروا العقد مع شركة "بي أم دبليو" في موسم 2006 فإنهم مروا في المواسم التالية بفترةٍ طويلةٍ ومتقلبة وغير مجدية نسبيًا، مع التأرجح بين مزوّدي المحركات. وحتى فوز الفريق بإحدى الجوائز الكبرى في 2012، أثناء استخدام محركات رينو "في 8"، الأمر الذي لم يكن كافيًا كي يعود الفريق بشكلٍ كامل إلى سكة المنافسة.

وانتهت الشراكة مع رينو بأن تكون قصيرةً، علمًا بأنها جاءت بعد فترتين قصيرتين بدورهما مع "كوزوورث" وفترة مع تويوتا بينهما. وإذا كان ذلك دليلًا على شيءٍ ما، فهو أنّ الاتفاق مع الصانع الياباني قدم دليلًا واضحًا على أن فريق ويليامز أدرك بأن نجمهم قد خبا بريقه.

حينها قَبِلوا التعاقد مع السائق الياباني كازوكي ناكاجيما كجزءٍ من الاتفاق مع تويوتا، ما أدى لعقد مقارناتٍ مع السنوات الأخيرة من ثمانينات القرن العشرين عندما خسر الفريق البريطاني محركات هوندا - التي كانت مهيمنةً على البطولة - لأنهم رفضوا التعاقد مع ساتورو (ومن سخرية الأقدار أنه والد كازوكي) كجزءٍ من الصفقة معهم.

وفي تلك الأثناء كانوا سمكة كبيرةً في حوض الفورمولا واحد وتمكنوا من العودة إلى المقدمة، حيث حصلوا على محركات رينو بعد عامٍ صعبٍ مع محركات جود. ولكن في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين عرفوا بأن موقعهم الحالي لم يعد يسمح لهم برفض مثل هذه الشروط من الصانع الياباني.

وبعد بدايةٍ كارثيةٍ أخرى لموسم الفورمولا واحد، ربما بدأنا نرى أولى العلامات التي تشير لطريقة تفكير مكلارين، التلميح لإبرام صفقة للتزود بمحركات مرسيدس للزبائن، على الرغم من أنه تم التطرق لهذه الصفقة على أنها حلٌّ مؤقت يسمح لهوندا بترتيب بيتها الداخلي بعيدًا عن الأضواء، مع تمكين مكلارين من إظهار قدرات ما يعتقدون بأنه أفضل هيكلٍ في الفورمولا واحد.

وإذا كان ذلك صحيحًا، لربما عليكم النظر إلى الترتيب الحالي للمنافسة بين الفرق، حيث يبدو فريق ريد بل بعيدًا عن مرسيدس وفيراري بشكلٍ مفاجئ، ويمكننا الحديث همسًا بأنه قد يكون هنالك مجالٌ لأحد فرق الزبائن بأن يحشر نفسه في ثالث أفضل مركز على شبكة الانطلاق الآن.

ويجب ألّا ننسى أن فريق ريد بُل فريق زبائن أيضاً، ومع أن معاناته مع وحدات طاقة رينو الفرنسية تظهر بأنه تحت رحمتها، إلا أنه تمكن على الأقل من الفوز ببعض السباقات بين الفينة والأخرى.

قوة الشراكة

لا شك بأن الطاقم الذي يعمل بجدٍّ في فريق مكلارين لا يمانع في المنافسة على المراكز الستة الأولى، حتى لو جاء ذلك على حساب عدم القدرة على المنافسة على لقب البطولة. وسيكون هذا ذا مردودٍ أفضل من العمل بنفس درجة الجهد فقط لترى سيارتي الفريق تدوران متأخرتين على الحلبة مع شكوى السائقَين عبر اللاسلكي فيما يجرب الرؤساء حظوظهم مع إدارة التوقعات في العلن.

ولكن ماذا عن هوندا؟ لقد التزمت بالمشروع من خلال إنفاق الكثير من المال على مكلارين، وتُشير قلة الرعاة على سيارة الفريق من طراز "أم سي أل 32" بأن من الصعب إيجاد بديلٍ عنهم. هل يريدون بالفعل الانفصال كيلا يريقوا ماء وجه الفريق أكثر – حتى لو كان ذلك كإجراءٍ مؤقت؟

يتضمن نموذج ويليامز صفقةً طويلة الأمد مع مرسيدس، توفر لهم استقرارًا يمكنهم من التركيز على أنفسهم – إنتاج سيارةٍ سريعة تستغل قدرات أفضل محركٍ في الفورمولا واحد، حيث سيحد التقلب بين المزودين من القدرات القابلة للتحقيق من كل وحدة طاقة.

ربما الجانب الأكثر أهميةً هو: ماذا لو أمضت هوندا عامًا أو اثنين بعيدةً عن الأضواء، ومن ثم عادت من دون أن تحقق تقدمًا كبيرًا؟

لم يكن تاريخ هوندا في الفورمولا واحد مليئًا بقصص النجاح، باستثناء أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي حيث شهدت ذروة نجاحها. ويمكن الجدال بأن برنامجهم مع المحركات ذات الشواحن التوربينيّة تقدم مع ابتعاد الرواد في هذا المجال على غرار رينو و "بي أم دبليو" عن الفورمولا واحد.

وحتى لو لعب بروز هوندا دورًا في تقهقر منافسيها، حيث لم تواجه منافسةً جديةً عندما كانت القوة المهيمنة على البطولة، ولم يستغرق الأمر كثيرًا مع رينو لتجاوزهم كقوةٍ أولى مع عودة محركات الاحتراق الطبيعي إلى البطولة في 1989.

وخلال عودة هوندا إلى البطولة في بداية القرن العشرين لم تتمكن سوى من تحقيق فوزٍ يتيمٍ في سباقٍ طغت عليه ظروف جوية متقلبة، وحتى عندما نجحوا قبيل انسحابهم من البطولة في 2008 في تطوير السيارة التي أصبحت لاحقًا أساسًا لفريق براون غراند بري باسم "بي جي بي 001"، اعتقد الكثيرون بأنها على الأرجح لم تكن لتتمكن من التمتع بهذا النجاح لو لم يتخلّ روس براون عن محرّكات هوندا لصالح مرسيدس.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
قائمة الفرق مكلارين , ويليامز
نوع المقالة تحليل
وسوم مكلارين, ويليامز