تحليل سباق البرازيل: هاميلتون يُحافظ على أعصابه في ظلّ سطوع نجم فيرشتابن

خطف الهولندي ماكس فيرشتابن الأضواء خلال سباق جائزة البرازيل الكبرى بعد تقدّمه المثير أثناء الظروف الرطبة الصعبة، لكنّ لويس هاميلتون قدّم في الوقت ذاته أداءً خالياً من الأخطاء ليُبقي على آماله حيّة ضمن المعركة على اللقب.

كان سباق إنترلاغوس غير اعتيادي للعديد من الأسباب، ليس فقط بسبب فترتي العلم الأحمر وحصولنا على سباقٍ منقسمٍ إلى ثلاث فترات ليتجاوز الوقت الإجمالي ثلاث ساعات، بل كان من المثير أيضاً رؤية ثنائي مرسيدس هاميلتون ونيكو روزبرغ يحقّقان الثنائيّة من دون إجراء توقّفٍ فعليٍ لتغيير الإطارات في خطّ الحظائر، إذ أنّهما قاما بتغيير الإطارات خلال فترة توقّف السباق عند العلم الأحمر.

في الجهة الأخرى كان لدينا فيرشتابن الذي أتمّ ثلاث وقفات صيانة "ساخنة" إن صحّ التعبير، بالرغم من أنّ اثنان منها كانا عند فترة سيارة الأمان، ليشهد توقّفه الأخير تراجعه إلى المركز الـ 14.

بالرغم من ذلك ومع بقاء 17 لفّة على النهاية، تمكّن الهولندي الشاب من التقدّم بشكلٍ مثيرٍ ليعبر خطّ النهاية ثالثاً ضمن إحدى أكثر عروض التقدّم إثارة شهدناها خلال السنوات الأخيرة.

وبعد انتهاء السباق، اعترف توتو وولف نفسه ليوس فيرشتابن والد سائق ريد بُل أنّه بالرغم من المعركة على اللقب، إلّا أنّ ذلك كان "عرض فيرشتابن".

"أعتقد أنّ ما شاهدناه كان سباقاً حماسياً بشكلٍ مثير" قال كريستيان هورنر، وأضاف: "بالنسبة لي ما شهدناه اليوم مع فيرشتابن كان عبقرياً...".

فبعد أن تأهّل في المركز الرابع، أفصح فيرشتابن عن نواياه بشكلٍ واضحٍ عند انطلاق السباق فعلياً بعد سبع لفّات خلف سيارة الأمان، ليتوجّه إلى القسم الداخليّ متجاوزاً كيمي رايكونن خاطفاً منه المركز الثالث.

وظلّ صاحب الـ 19 ربيعاً خلف روزبرغ مباشرة خلال اللفّات القليلة التالية، إلى حين وقوع حادث ماركوس إريكسون وتسبّبه في دخول سيارة الأمان مرّة أخرى. حينها اتّخذت ريد بُل قراراً جريئاً للغاية، إذ حاول الفريق مرّة أخرى تسليط بعض الضغط على مرسيدس من خلال اتبّاع نهجٍ مختلف.

هذه المرّة وقع الخيار على استدعاء كلٍ من فيرشتابن ودانيال ريكاردو لينتقلا معاً إلى إطارات «الانترميديت».

وكان بعض السائقين الآخرين في أسفل الترتيب قد أقدموا على تلك المغامرة بالفعل، لكنّ النتائج لم تكن حاسمة. بالرغم من ذلك كانت ريد بُل لا تزال تعتقد أنّ تلك المغامرة تستحقّ المحاولة، بالرغم من أنّ الفريق أُخذ على حين غرّة بالنسبة لتوقّف ريكاردو، إذ أنّ الأسترالي دخل خطّ الحظائر بعد لحظات من اتّخاذ مراقبي الاتحاد الدولي للسيارات "فيا" قراراً بغلقه.

وكان الأسترالي محظوظاً بالحصول على عقوبة 5 ثوانٍ فقط، إذ أنّ المراقبين أخذوا بعين الاعتبار حقيقة مستويات الرؤية المنخفضة التي صعّبت مهمّة رؤية الإشارة بالنسبة للسائق، إلى جانب عدم حصول الفريق على الكثير من الوقت للاستجابة لذلك.

ومع دخول سيارة الأمان، خسر فيرشتابن مركزاً نتيجة توقّفه لصالح رايكونن، ما كان يعني تواجده في المركز الرابع. وعاد الهولندي لاستعادة ذلك المركز عند استئناف السباق بعد أن انزلق سائق فيراري أمامه، ليتسبّب حادث الفنلندي في رفع العلم الأحمر للمرّة الأولى في فترة ما بعد الظهر.

كان الهولندي في المركز الثالث مع توجّه السيارات للاصطفاف في خطّ الحظائر. تبيّن حينها أنّ مغامرة إطارات الانترميديت لم تكن ناجحة، كون القوانين تفرض على الجميع عند استئناف السباق استخدام إطارات الأمطار الغزيرة "فول ويت" خلف سيارة الأمان.

لم تكن الفترة الوسطى من السباق بعد ذلك ذات أيّة أهميّة، إذ كان الجميع يسير ببطء لثماني لفّات قبل أن يتم رفع العلم الأحمر مرّة أخرى، ليعود السباق إلى نقطة الصفر مجدّداً.

فيرشتابن يُقدم على خطوته

عندما غادرت السيارات خطّ الحظائر بعد فترة التوقّف الثانية، أشار فيرشتابن عبر الراديو إلى أنّه "جاهزٌ للتسابق".

وكان سائق ريد بُل يستكشف خطوط تسابقٍ جديدة أثناء تواجد سيارة الأمان على الحلبة، مُحاولاً الحصول على شعورٍ بمستويات التماسك بالرغم من السرعات البطيئة التي كان يسير عليها.

وعند استئناف السباق، أقدم الهولندي على خطوة جريئة بشكلٍ فوري، بالرغم من أنّ محاولته جاءت هذه المرّة عند المنعطف الثالث من الجهة الخارجيّة حول روزبرغ ليضع نفسه في المركز الثاني.

كانت تلك خطوة مدهشة بكلّ المقاييس...

لحظة مرعبة وإنقاذٌ رائع

كان هاميلتون الوحيد أمام سائق ريد بُل ببلوغ هذه المرحلة، وسرعان ما استجاب سائق مرسيدس بتسجيل سلسلة من أسرع لفّات السباق من أجل البقاء بعيداً عن خطر الهولندي.

ومع نهاية اللفّة الـ 38، انزلقت سيارة فيرشتابن أثناء توجّهه إلى الخطّ المستقيم الرئيسي، لكنّه تمكّن بطريقة ما من إنقاذ الموقف من دون الاصطدام بالحاجز الجانبي.

وقال الهولندي لفريقه عبر اللاسلكي: "ارتفع عدد دقات قلبي هناك"، في إشارة إلى لحظات الخوف التي عاشها.

"أعتقد أنّ ذلك أرعب جميعنا في منطقة الفريق في خطّ الحظائر" قال هورنر، وأضاف: "لكن مرّة أخرى كان هادئاً للغاية من خلال الطريقة التي تحدّث بها على الراديو. بدا متحكّماً، ما عدا ذلك الانزلاق، طوال فترة ما بعد الظهر".

ونتيجة ذلك الانزلاق خسر فيرشتابن 4.5 ثانية، ليبتعد بذلك عن هاميلتون. كما قام البريطاني بإضافة ثانيتين إلى أفضليّته على مدار اللفّات التالية، قبل أن تُقدم ريد بُل على المغامرة مجدّداً خلال اللفّة الـ 43 مستدعية فيرشتابن خلال ظروفٍ طبيعيّة (لا وجود لسيارة أمان) لنقله إلى إطارات انترميديت.

كان زميله ريكاردو قد أجرى توقّفاً مماثلاً قبل ثلاث لفّات وبدا أنّ الإطارات الخضراء تعمل بشكلٍ جيّدٍ بالنسبة للأسترالي.

لكنّ مرسيدس في المقابل كانت لها وجهة نظرٍ مختلفة، حيث قال روزبرغ: "كنت متأكّداً من أنّ إطارات انترميديت خيارٌ خاطئ، إذا كنتُ أعاني نتيجة انزلاق إطارات «فول ويت» على برك المياه، فإنّ إطارات انترميديت ليست الخيار الصائب. لذلك كنت مرتاحاً بخصوص هذا الأمر...".

نتيجة ذلك التوقف تراجع فيرشتابن إلى المركز الخامس بعد أن تجاوزه روزبرغ، وسيرجيو بيريز وكارلوس ساينز الإبن. كما ارتفع الفارق بينه وبين المتصدّر هاميلتون إلى 34 ثانية.

لكنّ صاحب الـ 19 ربيعاً لم يُكمل سوى أربع لفّات سريعة على تلك الإطارات قبل أن يتسبّب حادث فيليبي ماسا في دخول سيارة الأمان مرّة أخرى خلال اللفّة الـ 48. أي ببلوغ تلك النقطة كان فيرشتابن خامساً لكنّه كسب 30 ثانية بالمقارنة مع هاميلتون نتيجة تواجد سيارة الأمان على الحلبة.

بدا أنّه في وضعٍ جيّد حينها، إلّا أنّ ريد بُل تقبّلت أنّ إطارات "انترميديت" لم تكن لتعمل بشكلٍ جيّدٍ بالنسبة إليه في ما تبقى من عمر السباق، إذ لم تكن هناك إشارة على انخفاض حدّة الأمطار.

"بدا أنّ إطارات انترميديت هي الأفضل" قال هورنر، وأضاف: "كانت المشكلة في المقطع الأخير بسبب انزلاق الإطارات على برك المياه".

كان الخيار الوحيد أمام الهولندي أن يتخلى عن مكانه في صفّ السيارات خلف سيارة الأمان ويعود مجدّداً إلى إطارات "فول ويت" ما كلّفه بالفعل الكثير من المراكز. أقدم الهولندي على ذلك الخيار الصعب خلال اللفّة الـ 54 وعاد إلى المسار في المركز الـ 14.

بعضٌ من سحر فيرشتابن

"بطبيعة الحال بعد معرفة ما حدث الآن يُمكنكم القول أنّه كان علينا البقاء على إطارات «فول ويت»" اعترف هورنر، وأضاف: "كان الوضع على الحافّة القصوى طوال فترة ما بعد الظهر، ضحّينا خلف سيارة الأمان وانتقلنا إلى مجموعة جديدة من إطارات الأمطار".

كان الهولندي على متن الإطارات ذاتها بالمقارنة مع السيارات التي أمامه (ما عدا فالتيري بوتاس في المركز العاشر الذي كان يستخدم إطارات «انترميديت»)، بالرغم من أنّه كان هناك فارقٌ كبير: فبخلاف ريكاردو، الذي توقّف قبل فيرشتابن بقليل، فإنّ جميع السائقين الآخرين كانوا على متن الإطارات ذاتها منذ العلم الأحمر الأخير، أي قبل 25 لفّة تقريباً.

وفي حين أنّ إطارات فيرشتابن لم تكن جديدةً بالكامل، إلّا أنّها كانت أجدد بكثير وخرجت لتوّها من بطانيّات التحمية. منح ذلك سائق ريد بُل أفضليّة، لكنّه لا يُعدّ التفسير الوحيد لما حدث خلال اللفّات الـ 16 المتبقيّة التي تلت استئناف السباق، حيث قدّم فيرشتابن بعضاً من سحره إن صحّ التعبير.

من المركز الـ 14 تجاوز فيرشتابن سائقاً في كلّ لفّة من اللفّات التالية وهم إستيبان غوتيريز، وباسكال فيرلاين، وبوتاس، وريكاردو، ودانييل كفيات، وإستيبان أوكون، وفيليبي نصر ليضع نفسه في المركز السابع بحلول اللفّة الـ 62.

بعد ذلك أمضى الهولندي ثلاث لفّات بصدد اللحاق بنيكو هلكنبرغ قبل أن يتجاوزه رفقة سيباستيان فيتيل وساينز في اللفّات الثلاث التالية.

كما أمضى لفّتين إضافيّتين ليطيح ببيريز منتزعاً منه المركز الثالث قبل ثلاث لفّات على نهاية السباق.

كان عرضاً خيالياً، وعكس ذلك حقيقة أنّ الإطارات كانت تعمل ضمن مجالها المثالي، كما كانت ثقته في أعلى مستوياتها.

حافظ سائق ريد بُل على زخمه من خلال تجاوز جميع من اعترض طريقه كما واصلت الإطارات عملها بالنسبة إليه. في المقابل لم يسر الوضع على ذلك النحو بالنسبة لريكاردو، حيث عانى من مشكلة في الرؤية أثناء محاولته التقدّم إلى الأمام ليبقى عالقاً في المركز الثامن في نهاية المطاف.

وقال هورنر بخصوص الأسترالي: "لم يكن مرتاحاً مطلقاً بالقدر ذاته الذي كان يتمتّع به فيرشتابن خلال تلك الظروف قرب نهاية السباق".

مرسيدس تُحافظ على أعصابها

رُبّما كانت فترة بعد الظهر في إنترلاغوس عبارة عن عرض فيرشتابن، إلّا أنّه سيكون من الخطأ إغفال النظر عن حقيقة تسجيل مرسيدس لثنائيّة جديدة في يومٍ كان فيه من السهل أن تسير الأمور على نحوٍ خاطئ.

قدّم هاميلتون آداءه الاعتيادي القويّ خلال الظروف الممطرة، حيث تصدّر السباق، وكما أشرنا سابقاً، فإنّه حقّق الفوز من دون إجراء أيّ توقفٍ اعتيادي.

كان قراراً لا رجعة فيه من مرسيدس بالبقاء على إطارات الأمطار طيلة الوقت، إذ كان الفريق مصراً على أنّه الإطار الأمثل لاستخدامه لتقديم الأداء الأفضل، إلى جانب أنّه كان الخيار الأكثر أماناً في يومٍ لم يكن فيه أيٌ من سائقيه جاهزاً للتعرّض لأيّ حادث.

وبالرغم من أنّ الجميع كان يعلم أنّ الأمطار ستتهاطل يوم الأحد، إلّا أنّ الأمطار كانت غزيرة بكميّات لم تتوقّعها مرسيدس.

في الحقيقة فإنّ هاميلتون وروزبرغ كانا يملكان مجموعتين من إطارات «فول ويت» عند الانطلاقة واستئناف السباق للمرّة الأولى بعد العلم الأحمر (حيث قامت السهام الفضيّة أيضاً بتعديل إعدادات الأمطار عبر تغيير قضيبي الموازنة)، وحصل كلاهما على مجموعة أخرى شبه جديدة عند إعادة الانطلاقة بعد العلم الأحمر الثاني، أي أنّهما في وضعٍ جيّدٍ على الدوام.

مرسيدس لم تتأثّر بوتيرة فيرشتابن

كان الهولندي يطير في النهاية، لكنّ لوي قال أنّ سائقي السهام الفضيّة كانا يملكان وتيرة كافية في حال تطلّب الأمر ذلك.

"كنّا نملك وتيرة جيّدة، حالما تبدأ الفترة كنّا قادرين على الابتعاد. وعند نهاية السباق كنّا نحافظ على السيارة، بينما كان فيرشتابن بصدد تسجيل بعض اللفّات السريعة المثيرة، لو كانوا يتسابقون لكان بوسعنا التواجد ضمن المعركة هناك".

رُبّما كان الأمر محبطاً بالنسبة للمشجّعين والمشاهدين خلف شاشات التلفاز في بعض فترات سباق البرازيل عندما تسبّبت الأمطار في توقّف الأحداث إلّا أنّنا حصلنا في النهاية على منافسة رائعة، وهي التي ستُقدّم لنا عرضاً رائعاً في أبوظبي لحسم الفائز بلقب هذا الموسم.

وقال لوي في هذا الخصوص: "كان من الصعب للغاية بالنسبة لتشارلي وايتينغ اتّخاذ القرارات المناسبة بين السلامة والعرض المقدّم".

وأضاف: "كنت قلقاً في بعض الأحيان من أنّنا لن نحصل على سباق، وهو ما كان ليكون مروّعاً بالنسبة لهذا الحدث البرازيلي الذي يُعدّ أحد السباقات الكلاسيكيّة في الفورمولا واحد. لذلك أنا سعيدٌ ليس فقط لحصولنا على الثنائيّة، بل لأنّ هناك عرضاً رائعاً خلال عددٍ من السباقات الأخيرة".

أمّا بالنسبة لهورنر، فإنّ قيادة فيرشتابن خلال فترة ما بعد الظهر تندرج ضمن أفضل العروض خلال الأجواء الممطرة، حيث قال: "أعتقد أنّه ضمن تلك القائمة. يجب عليك مقارنة قيادته بتلك اللحظات الرائعة".

واختتم حديثه بالقول: "لا تشهد دائماً سباقاً مثل ذلك أعتقد أنّ ما شاهدناه كان أمراً مميّزاً للغاية".

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة البرازيل الكبرى
حلبة انترلاغوس
قائمة السائقين لويس هاميلتون , ماكس فيرشتابن , نيكو روزبرغ
قائمة الفرق مرسيدس , ريد بُل ريسينغ
نوع المقالة تحليل