تحليل: رحلة الطائرة التي أقنعت فيراري بالتعاقد مع لوكلير

المشاركات
التعليقات
تحليل: رحلة الطائرة التي أقنعت فيراري بالتعاقد مع لوكلير
14-11-2018

بدا بأنّ فيراري تخلّت عن عادتها الحذرة بخصوص السائقين الشبان من خلال ترقية شارل لوكلير لموسم 2019، لكنّ ذلك يعود على الأرجح إلى ما قام به منذ فترة طويلة بالفعل.

منذ اللحظة التي واجهت فيها فيراري الحقيقة المرّة بأنّ سيباستيان فيتيل لن يفوز بلقب الفورمولا واحد هذا العام، فقد انتقل تركيزها إلى ما تحتاج للقيام به على نحوٍ مختلف لتفادي هزيمة أخرى في 2019.

فبعد موسمٍ لعبت فيه أخطاء السائق الجزء الأكبر في تحديد زخم هذا الموسم، على سبيل فارق الـ 32 نقطة الذي كان ليكسبه فيتيل لو فاز في ألمانيا، فإنّ وصول لوكلير أطلق بعض النقاشات بخصوص كيفيّة قلبه للأمور في مارانيللو.

وفي حين أنّه من الواضح بأنّ لوكلير أثار الإعجاب في ساوبر هذا العام خلال موسمٍ أوّلٍ قوي، إلّا أنّ سطوع النجم في أحد فرق الوسط في ظلّ عدم وجود توقّعات كبيرة شيء والانتقال إلى الحصان الجامح والقيادة على المسار جنبًا إلى جنب مع لويس هاميلتون سائق مرسيدس أمرٌ مختلفٌ بالكامل.

يتغيّر الضغط بشكلٍ مذهل، ولا يجب التقليل من شأن حدّة المعركة في الأمام، عندما قد تكون أعشارٌ قليلة من الثانية الفارق بين أن تكون معشوق الجماهير الإيطاليّة أو المعاناة للإبقاء على مقعدك. ذلك الضغط سيمتصّ كلّ أولئك الذين لا يتمتّعون بالقوّة الذهنيّة الكافية لتجاوز ذلك.

وفي حين أنّ فيراري تقوم بكلّ ما في وسعها للتقليل من الضغط، حيث قال ماوريتسيو أريفابيني قبل بضعة أسابيع بأنّ الهدف بالنسبة للوكلير العام المقبل هو اكتساب الخبرة و"امتصاص" خدع الصفقة، فإنّ هناك شعورًا بأنّ الفريق يتوقّع بشكلٍ سري أكثر من ذلك.

ولإدراك سبب ذلك، تجب العودة إلى الخلف قليلًا وفهم أنّ قرار التعاقد مع لوكلير لم يكن قرارًا اعتباطيًا وليد اللحظة كون فيراري كانت في عجلة من أمرها للتعاقد مع سائقٍ ما.

اتّخذت فيراري قرارها عشيّة جائزة إيطاليا الكبرى بالتعاقد مع لوكلير بديلًا عن كيمي رايكونن ليس لأنّها كانت مضطرّة لذلك، بل لأنّها أرادت ذلك.

سرعة لوكلير لا تخفى على أيّ أحد. كما أنّ الحاجة لخلط وتغيير الديناميكيّة الداخليّة للفريق كانت حقيقيّة.

أمّا بخصوص كلّ تلك المخاوف من أنّه لا يزال من المبكّر للغاية قدوم لوكلير، على أنّه سائقٌ شاب غير قادر على مجاراة الضغط العالي ويُواجه خطر الاحتراق المبكّر قبل أن يصل إلى أقصى مستواه؟ ارتاحت إدارة الفريق حيال هذا الجانب منذ فترة طويلة.

عادة ما يُقال بأنّ خصائص الشخص لا تظهر عندما يكون بصدد الاحتفال بنجاحه، ولكن عندما يستعيد نفسه وينهض من الأوقات الصعبة.

شارل لوكلير وماوريتسيو أريفابيني، مدير فريق فيراري

شارل لوكلير وماوريتسيو أريفابيني، مدير فريق فيراري

تصوير: فيراري

وفي حالة لوكلير، فقد تعلّق الأمر بكيفيّة تعامله مع وفاة والده في 2017، حيث مثّل ذلك لحظة فارقة على صعيد إقناع فيراري بأنّ لديه كلّ ما يلزم للتعامل مع ضغط التسابق لصالح الحصان الجامح.

إذ بالنسبة لشخصٍ قريبٍ من والده مثلما كان عليه الحال بالنسبة للوكلير، فإنّ فقدان والده العام الماضي كان مؤلمًا للغاية، حيث جاء ذلك في منتصف معركة حامية على لقب الفورمولا 2، وكان من الممكن أن يكون ذلك كافيًا للتسبّب في خسارته للتركيز وتراجع أدائه.

لكن وسط كلّ تلك الآلام الشخصيّة التي كان لوكلير يُعاني منها، فإنّ أريفابيني يذكر لقاءه ضمن رحلة طائرة مستأجرة لطاقم فيراري نحو باكو ذلك الأسبوع، حيث تركه سلوك أصيل موناكو الشاب من دون شكّ في خصال النجم الصاعد.

"سألته كيف حاله بعد فقدان والده قبل بضعة أيّام" قال أريفابيني، وأضاف: "أجاب بأنّه أراد الفوز بالسباق، ومن ثمّ العودة إلى الجنازة. ذلك بالضبط ما فعله".

وأكمل: "في حال كان شابٌ يقدر على التعامل مع لحظات مماثلة، فلا أعتقد بأنّه سيُواجه أيّ مشكلة في التأقلم مع ضغط الفورمولا واحد".

وتحدّث لوكلير بشكلٍ منفتحٍ عن التقلّبات العاطفيّة التي مرّ بها خلال عطلة نهاية الأسبوع تلك – بين البكاء في الخوذة بعد تحقيقه لقطب الانطلاق ومن ثمّ الانتصارَين – وهو ما يعني بأنّ تلك الأيّام الصعبة ساعدته على النضج كثيرًا.

من المهمّ أن نتذكّر في المقابل بأنّ باكو لم تكن المرّة الأولى التي واجه فيها لوكلير تحديّات كبيرة خلال مسيرته. إذ يعلم جيّدًا كيفيّة الحفاظ على تركزيه عندما لا تسير الأمور وفق الطريقة التي كان يأملها.

في المقابل، كان هنالك ذلك التخوّف في بداية مسيرته من ألّا يكون قادرًا على مواصلة المشاركة في منافسات الكارتينغ بسبب انخفاض التمويل، لكنّه حصل على مساعدة من أقرب أصدقاء أخيه لورينزو، جولز بيانكي، لإقناع نيكولاس تود بمدّ يد العون، الأمر الذي أحدث فارقًا في تلك الفترة.

حتّى أنّ تود يتذكر إلى اليوم مدى التوتّر الذي كان فيه لوكلير وهو يرتدي بدلة سوداء أنيقة للغاية خلال أول اجتماع بينهما، وكيف أثار إعجابه من الوهلة الأولى.

ومن ثمّ كانت هنالك تلك الفترة الصعبة في منتصف موسم 2015 ضمن منافسات بطولة الفورمولا 3 الأوروبية، إذ وبعد أن حصل أصيل موناكو على مقعدٍ ضمن صفوف فريق "فان أميرسفورت ريسينغ" والذي لمع عليه نجم ماكس فيرشتابن في 2014، بدأ لوكلير ذلك الموسم على نحوٍ جيّد مُحققًا سلسلة من الانتصارات خلال النصف الأوّل.

شارل لوكلير، بريما ريسينغ

شارل لوكلير، بريما ريسينغ

تصوير: فورمولا 2

بيد أنّ أمرًا ما - على الأرجح متعلّق برحيل أحد مهندسي الفريق في منتصف الموسم لأسباب شخصية - تغيّر داخل الفريق، إذ وجد لوكلير نفسه وبشكل مفاجئ على منحدر تراجعٍ خلال النصف الثاني من الموسم، حيث كان أسبوعًا ينافس ضمن المراكز الثلاثة الأولى وأسبوعًا خارجها، قبل أن يبدأ وعلى نحوٍ مفاجئ أيضاً في المنافسة للتواجد ضمن العشرة الأوائل.

حاول لوكلير بذل كلّ ما بوسعه من أجل العودة وإيجاد إجابات حول ما سار على نحوٍ خاطئ، حيث حلّ بالمركز الرابع في ترتيب البطولة.

لكنّ أداءً قويًا للغاية في ماكاو، حيث أحرز مركز الوصافة خلف فيلكس روزينكفست، كان دليلًا على أنّ لوكلير تمكّن من الحفاظ على تركيزه وحصل على الإجابات التي كان يريدها.

وتزامن ذلك مع انضمامه إلى أكاديمية فيراري للناشئين، ما ساعده على التقدّم كسائق وأظهر بشكل أكثر وضوحًا أنّه عندما تحتدم الأمور ويزيد الضغط، نكون أمام سائق لا يعرف سوى طريقًا نحو الأفضل.

وتعليقًا على تلك الفترة قال تود: "مدّت فيراري يد العون إلى شارل في عدّة جوانب، الجسدية، الذهنية وكذلك الدور الذي لعبه على جهاز المُحاكاة والذي كان له تأثير كبير".

وأكمل: "بالطّبع واجه شارل المزيد من الضغط، وهو جانب طبيعي عندما تكون جزءًا من عالم فيراري، لكنّنا وجدنا أنّه وكلّما تزايد الضغط المُعرّض له، كلّما قدّم أداءً أفضل على الحلبة. وذلك جانب هام للغاية في هذه الرياضة، كون الجميع الآن يمتلكون مهارات رائعة في الفورمولا واحد، بيد أنّ ما يصنع الفارق هو مدى التركيز ومَلَكة الحفاظ على رباطة الجأش تحت الضغط، وهو الأمر الذي يتميّز به شارل على نحوٍ كبير".

جديرٌ بالذكر أنّ فيتيل سيكون مدركًا تمامًا لمدى سرعة لوكلير وذهنيته القوية، إذ أنّه وحتّى إذا لم يرَ ذلك أمامه، لكنّه على الأرجح أُخبر من قِبَل أريفابيني عن سبب اقتناع فيراري التام بأنّها قامت بالاختيار الصحيح مع لوكلير.

ولكن هل دفع ذلك فيتيل إلى تصريحاته الأخيرة بأنّه سيكون من المهم أن يعمل ثنائي الفريق سويًا - عوض أن يكون كلّ منهما ضدّ الآخر - من أجل صالح الحظيرة الإيطالية؟ وهل يستشعر الألماني تغيّرًا داخل قلعة مارانيللو بأنّ الأمور ستكون مختلفة عمّا كانت عليه مع رايكونن؟ فيتيل فقط هو من لديه الإجابة على ذلك.

شارل لوكلير، ألفا روميو ساوبر وسيباستيان فيتيل، فيراري

شارل لوكلير، ألفا روميو ساوبر وسيباستيان فيتيل، فيراري

المقال التالي
تحليل السباق: كيف قدّم سائق مرسيدس آخر فوزًا جديدًا للصانع الألماني في البرازيل

المقال السابق

تحليل السباق: كيف قدّم سائق مرسيدس آخر فوزًا جديدًا للصانع الألماني في البرازيل

المقال التالي

تحليل: لماذا أصبحت مرسيدس خامس أفضل الفرق في تاريخ الفورمولا واحد

تحليل: لماذا أصبحت مرسيدس خامس أفضل الفرق في تاريخ الفورمولا واحد
تحميل التعليقات

حول هذه المقالة

السلاسل فورمولا 1