تحليلات جورجيو بيولا التقنيّة

تحليل تقني: هل كان جدَل الفورمولا واحد حول ضغط الإطارات مسألة عابرة؟

سيطرت الأحاديث حول الإطارات على النقاشات التقنيّة لهذا الموسم من بطولة العالم للفورمولا واحد، حيث أدركت الفرق أنّ الحصول على سباقٍ جيّدٍ من عدمه يعتمد بالأساس على إيصال إطارات بيريللي إلى مجال عملها المثالي.

يُعرف المهندسون بسعيهم لمحاولة بلوغ الكمال في جميع جوانب تصميم السيارة، حيث تركّز جزء من اهتمام الفرق هذا الموسم على ضغط الإطارات، ما دفع إلى إجراء بعض التحقيقات في هذا الخصوص من قبل الاتّحاد الدولي للسيارات "فيا" بعد إشارة البعض إلى أنّ عدداً من الفرق تعتمد طرقاً ذكيّة للتحكّم في مستويات الضغط.

وبالنظر إلى ارتفاع حدّة قلق "فيا" فقد أقدمت على اتّخاذ بعض الإجراءات، إذ طلبت من الفرق في مرحلة أولى تسجيل بيانات الإطارات بدءاً من سباق موناكو قبل أن تُغيّر طريقة أخذ القياسات بدءاً من جولة النمسا.

وبعد إكمال سباقين بطريقة العمل الجديدة، هل كشفت طرق القياس الجديدة ما تُخبّئه بعض الفرق أم أنّها فتحت المجال أمام المزيد من الخدع؟

تغييرات مونزا

لاحظت "فيا" زيادة في الخدع المتّبعة من قبل الفرق للتحكّم في حرارة الإطارات على خلفيّة تقديم قانون أخذ القياسات على شبكة الانطلاق قبل السباق بدءاً من جائزة إيطاليا الكبرى العام الماضي.

وجاء ذلك نتيجة لمشاكل الإطارات خلال الجولة التي سبقتها في سبا، حيث تضمن مستويات الضغط العالي عدم مواجهة أيّة مشاكل في صلابة هيكل الإطار الذي يضعف مع دفعه من قبل الفرق إلى مستوياته القصوى.

وأدّى السباق الأوّل الذي اعتُمدت فيه القوانين الجديدة إلى إجراء تحقيق بعد نهايته على سيارة لويس هاميلتون ونيكو روزبرغ، حيث كانت إطاراتهما أقلّ من الحدّ الأدنى المسموح به على شبكة الانطلاق. لكن بعد نقاشٍ مطوّل حول موعد أخذ القياسات، لم يتمّ توجيه أيّة عقوبات بحقّ الفريق لعدم إخلاله بالقوانين.

وبالرغم من عدم تجاوز أيّ فريقٍ للحدود المفروضة منذ سباق مونزا، إلّا أنّ ذلك لم يضع حداً للشكوك المتعلّقة بقدرة بعض الفرق على إيجاد طرقٍ ذكيّة للإبقاء على مستويات الضغط ثابتة، أو حتّى أدنى ممّا هو مسموح، حالما يتمّ أخذ القياسات.

وكانت خطوة سباق النمسا، بأخذ قياسات الضغط قبل وضع الإطارات على السيارة، تهدف لمنع الفرق من زيادة حرارة الإطارات عند تركيبها على السيارة.

وتُؤدّي زيادة الحرارة نظرياً إلى رفع الضغط عند أخذ القياسات، قبل أن تُقدم الفرق على تبريد المكابح سريعاً ما يؤدّي إلى تقليص ضغط الإطار خلال لفّة التحمية. تحصل الفرق من خلال ذلك على أفضليّة تنافسيّة بالمقارنة مع الفرق الأخرى التي لا تعتمد هذه الأساليب.

المستقبل...

تُعتبر الإطارات عاملاً مهماً كونها توفّر تماسكاً ميكانيكياً وتأدية انسيابيّة أفضل في حال تمّ تشغيلها بالشكل المناسب. كما بإمكان الفرق إطالة عمرها ما يُساعد على تحسين الخيارات الاستراتيجيّة أيضاً.

مجرّد إيجاد فارقٍ بسيطٍ في إعدادات السيارة بما يتناسب مع الإطارات قد يُكسب الفريق بعض الأعشار من الثانية ويُحسّن عمرها على مدار فترة كاملة. تُعتبر تلك أفضليّة لا تُقدّر بثمنٍ بالنظر إلى دورة تطوير سيارة الفورمولا واحد.

ما يبدو أنّه مكاسب ضئيلة سيتطوّر فيما بعد في حال توجّه بقيّة تحديثات السيارة نحو الوجهة ذاتها.

وتُعتبر مرسيدس في صدارة هذه المعركة، بعد الدروس القاسية التي تعلّمتها خلال سنواتها الأولى منذ عودتها إلى البطولة، فضلاً عن سباق سنغافورة العام الماضي، لتتمكّن في النهاية من تطوير عدّة حلولٍ لتحسين أداء الإطار.

يجب على الجميع معرفة أنّه في حين أنّ سيطرة مرسيدس في الحقبة الحاليّة للمحرّكات الهجينة المزوّدة بشاحنٍ توربيني تُعتبر مثيرة للإعجاب، فإنّ قلبها للطاولة وقدرتها على إدارة الإطارات بشكلٍ رائع لا تقلّ إثارة هي الأخرى.

عانت السهام الفضيّة من التآكل الحراري مع انضمام بيريللي إلى البطولة مطلع موسم 2011، حيث كانت تزوّد سائقيها بسيارة سريعة إلى حدٍ ما لكنّها كانت تُعاني في إدارة إطاراتها لإكمال فترةٍ من عمر السباق.

تمّ أخذ دروسٍ من ذلك ويتمّ تطبيقها الآن بشكلٍ واضح.

حدود جديدة

عالم الفورمولا واحد يُقدّم قاعدة بسيطة: كُلّما زادت القيود كلّما زادت الحاجة لإيجاد طرقٍ عبقريّة، وهو أمرٌ ظهر سريعاً في سباق مونزا 2015 مرّة أخرى على خلفيّة ما شهدناه في سباق سبا قبل ذلك بأسبوعٍ وما حدث في سباق سيلفرستون في 2013.

كانت حدّة انتقادات السائقين لاذعة، حيث شكّك معظمهم في منتج بيريللي، لكن مرّة أخرى بدا أنّ هناك جانباً آخر يتطلّب المزيد من المراقبة الدقيقة.

سيباستيان فيتيل، فيراري والشرر يتطاير من سيارته
سيباستيان فيتيل، فيراري والشرر يتطاير من سيارته

تصوير: اكس بي بي

أرجعت بيريللي المشكلة حينها إلى مجال الضغط المنخفض (الذي تستخدمه الفرق للحصول على أداءٍ أفضل)، إلى جانب العبء العمودي والأفقي المسلّط على الإطار عند عبور منعطف "أو روج" ما أدّى إلى خلق ظاهرة "الموجة الراكدة" التي يُمكن رؤيتها في الصورة أعلاه.

وتتمثّل تلك الظاهرة في تغيّر شكل الإطار بطريقة غير منتظمة ويُحاول بعد ذلك استعادة شكله الطبيعي. يزيد ذلك بدوره من حرارة سطح الإطار والضغط داخله ومن الممكن أن يكون ذلك كارثياً بالنسبة لعمره.

ثُقب في الإطار الخلفي الأيمن لسيباستيان فيتيل
ثُقب في الإطار الخلفي الأيمن لسيباستيان فيتيل

تصوير: اكس بي بي

وأدّى ذلك، إلى جانب تجاوز حدود الحلبة وما ينجرّ عنه، إلى انفجار عدّة إطارات بما في ذلك إطاري نيكو روزبرغ وسيباستيان فيتيل (الصورة أعلاه).

ومن أجل ضمان عدم تكرار ما حدث في سبا، بدأت "فيا" وبيريللي بأخذ قياسات لضغط الإطار على شبكة الانطلاق قبل السباق بدءاً من الجولة التالية في مونزا.

وبعد تقديم الإجراءات الجديدة، استجابت مرسيدس سريعاً، خاصة أنّها اعتقدت أنّ ذلك ساهم بشكلٍ كبيرٍ في ضعف تأديتها في سنغافورة.

أداة تحمية مكابح مرسيدس، غلاف كربوني
أداة تحمية مكابح مرسيدس، غلاف كربوني

تصوير: جورجيو بيولا

مع بلوغ قطار الفورمولا واحد جائزة اليابان الكبرى، وجدت مرسيدس حلاً جديداً حيث استخدمت غلافاً عاكساً يُمكن رؤيته في الرسومات أعلاه.

هذا الغلاف تمّ وضعه على جميع علب المكابح وتمّ وصله بأداة تحمية لرفع حرارة علبة المكابح والقرص والأجزاء الأخرى المحيطة به.

نتيجة لذلك عندما يقوم الفريق بتركيب الإطار على السيارة فإنّه يمتصّ تلك الحرارة وتنتقل تدريجياً إلى الهيكل المعدني فالإطار نفسه لرفع حرارة الغازات بداخله ما يرفع مستوى الضغط في نهاية المطاف.

أداة تحمية مكابح مرسيدس، غلاف كربوني
أداة تحمية مكابح مرسيدس، غلاف كربوني

تصوير: جورجيو بيولا

ومع نهاية موسم 2015 وبداية هذا الموسم، أجرت الماكينات الألمانيّة تعديلات على تصميمها الأساسي، حيث استخدمت غلافاً كربونياً للتحكّم في الحرارة داخل علبة المكابح والحفاظ عليها عند تركيب الإطار.

وبعد ملاحظة زيادة في هذه الأساليب لدى عددٍ من الفرق، اعتمدت بيريللي حقّها في زيادة مستوى الضغط الأدنى الذي يجب على الفرق مراعاته على شبكة الانطلاق، ما أدّى إلى إطلاق بعض التصريحات الناريّة من قبل السائقين بالنظر إلى علمهم بتأثير ذلك على الأداء.

وعلى خلفيّة إيمانها بأنّ بعض الفرق تُقلّص مستويات الضغط بالفعل، زادت بيريللي الحدود الدنيا كإجراءٍ وقائي، حيث سيؤدّي ذلك إلى الإضرار بأيّ فريقٍ لا يستطيع إدارة الوضع بشكلٍ مثالي.

لكنّ بيريللي أكّدت أنّها حالما تكون راضية عن عدم تخفيض الفرق لمستويات الضغط فإنّها ستقلّص المستوى الأدنى الإجباري الذي تفرضه.

حلولٌ قديمة

تحمية الإطارات
تحمية الإطارات

تصوير: جورجيو بيولا

يُنظر إلى الفورمولا واحد على أنّها قمّة التطويرات والابتكارات، لكنّ قدراً لا بأس به ممّا نراه الآن مستوحىً من أفكار شاهدناها في السابق، تتمّ إعادة تأويلها بناءً على القوانين الحاليّة.

نتيجة لذلك، شاهدنا أمراً مماثلاً قبل 10 سنواتٍ من الآن، عندما بدأ عددٌ من الفرق اعتماد أساليب مماثلة، بدأتها تويوتا منذ سباق مونتريال 2005، لمساعدة تحمية الإطارات خلال اللفّات الافتتاحيّة.

كان ذلك عند المنافسة المحتدمة بين ميشلان وبريدجستون، حيث مثّلت أيّة مكاسب مخاطرة يُمكن أخذها، حتّى لو كان ذلك محاذياً لحدود القوانين.

أضافت تويوتا طريقة أخرى إلى جانب البطانيّات التي كانت تستخدمها، حيث تقوم بتمرير الحرارة إلى الهيكل المعدني للإطار (الرسومات أعلاه). لكنّ "فيا" قامت بحظر هذا الحلّ وعدّة حلولٍ أخرى.

هل تغيّر أيّ شيء منذ سباق النمسا؟

مع وصول الفرق إلى النمسا، حصل الجميع على توجيهٍ تقني جديد (تي.دي/034-16) غيّر موعد أخذ القياسات، ما قلّص الوقت المتاح أمامها لتغيير إجراءاتها.

بالرغم من ذلك، لم يُتوقّع أن تواصل الفرق، التي تعتمد أساليب التحمية، القيام بذلك في النمسا بالنظر إلى أنّها قد ترفع الضغط أعلى من الحدّ الأدنى الذي تفرضه بيريللي.

نظام التعليق الخلفي لسيارة مرسيدس دبليو07
نظام التعليق الخلفي لسيارة مرسيدس دبليو07

تصوير: اكس بي بي

لكنّ ذلك لم يحدث، حيث استخدمت مرسيدس أدوات تحمية علب المكابح مرّة أخرى، كما استخدمتها في المرآب خلال جائزة بريطانيا الكبرى.

رُبّما لا تتعّلق إجراءات مرسيدس بضغط الإطارات، بل رُبّما لضمان عدم معاناة السيارة لتحمية إطاراتها عند الانطلاقة.

كما من الممكن أن يعود ذلك لتصميم علبة المكابح الحاليّة، حيث تحتاج لامتصاص الحرارة من أجل السماح للمكابح بالعمل بشكلٍ مثاليٍ عند بداية السباق.

لكن ما شهدناه بالفعل أنّ بعض الفرق التي لم تستخدم هذه الأساليب في الماضي قد أحرزت تقدّماً بالفعل.

فعلى سبيل المثال، هل حصلت مكلارين (التي ضغطت بشدّة من أجل الحصول على توضيحات بخصوص مراقبة ضغط الإطارات) على أفضليّة من التعديلات الأخيرة على الإجراءات، أم أنّ تنافسيّتها المتنامية تعود بالأساس إلى تحسينات المحرّك والهيكل؟

لكنّ أيّة أفكارٍ مسبقة حول محو أفضليّة مرسيدس بسهولة من خلال تغيير الإجراءات اتّضحت أنّها لن تُجدي نفعاً بالنظر إلى سيطرتها المطلقة خلال السباقين الأخيرين.

المزيد

 أبدت بيريللي حرصها على حظر أيّة تطويرات مماثلة في المستقبل، حيث تعمل الآن برفقة "فيا" لتغيير إجراءات مراقبة حرارة بطانيات تحمية الإطارات أيضاً.

ويُسمح للفرق الآن بتحمية الإطارات لثلاث ساعات عند حرارة 80 درجة مئويّة قبل رفعها إلى 110 درجات لساعة إضافيّة.

لكنّ بيريللي ترغب في تحمية الإطارات عند درجة ثابتة بين 90 و95 مئويّة.

ويُهدف من ذلك إلى أن تكون الإجراءات متطابقة بالنسبة لجميع الفرق وضمان عدم حصول أيّ أحدٍ على أفضليّة بالمقارنة مع منافسيه.

سيسمح بذلك لمصنّع الإطارات بتقليص ضغط الإطارات الأدنى عند الانطلاقة بناءً على أنّه سيبقى ثابتاً عند استخدامه، على عكس ما يجري منذ سباق مونزا العام الماضي.

هل ستكون هذه نهاية مرحلة التحكّم في ضغط الإطارات؟ كلّا.

ستُواصل الفرق البحث عن طرقٍ لتحسين الأداء وكيفيّة تأويل القوانين للقيام بذلك، لكن باتت عمليّة إيجاد تلك المكاسب البسيطة أكثر صعوبة.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
نوع المقالة تحليل
Topic تحليلات جورجيو بيولا التقنيّة