تحليل: تراجع عائدات الفورمولا بـ 43 مليون دولار يؤدي إلى دق ناقوس الخطر

 في الوقت الذي تقلّصت فيه عائدات الجوائز الماليّة للبطولة بشكلٍ كبيرٍ للمرّة الأولى في التاريخ الحديث للفورمولا واحد، إلى أيّ مدى يجب أن تقلق فرق البطولة؟

يُمكن القول بأنّه لا توجد مشكلة أكثر أهميّة تجذب اهتمام مدراء الفرق أكثر من مسألة الجوائز الماليّة التي يحصدونها.

ارتكزت معظم المناوشات بين الفرق والقائمين على الرياضة خلال الأعوام الماضية على نصيب كلٍ منها من عائدات الحقوق التجاريّة للبطولة.

لذلك عندما أعلنت ليبرتي ميديا في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر، كجزء من تحديثاتها الفصليّة الاعتياديّة، عن أنّ حجم الجوائز الماليّة قد تقلّص للمرّة الأولى في الأعوام الأخيرة، لم يكن من المفاجئ أنّ ذلك تسبّب في بعض القلق.

إذ أنّ تقديم الحقائق الماليّة للربع الماضي من العام، كشف أنّ قدر العائدات التي سيتمّ توزيعها بين الفرق سيكون 273 مليون دولار، وهو رقمٌ أقلّ بـ 13 بالمئة من الفترة ذاتها من العام الماضي عندما بلغت العائدات 316 مليون دولار.

ويأتي الانخفاض المقدّر بـ 43 مليون دولار نتيجة زيادة إنفاق الملّاك الجدد للبطولة. إذ انتقلت إدارة البطولة إلى مكاتب جديدة في لندن فضلًا عن تعاقدها مع موظّفين جدد، إلى جانب الاستثمار في الجانب الرقمي وزيادة الأحداث المصاحبة للجوائز الكبرى، مثل حدث لندن المباشر.

لكن بالنظر إلى أنّ بعض المصادر ألمحت أنّ التقديرات التي تمّ تداولها خلال الاجتماع الأخير للمجموعة الاستراتيجيّة تشير إلى انخفاض عام في عائدات الفورمولا واحد بين 4 إلى 5 بالمئة، كما من المرجّح أن تنخفض أكثر نتيجة مغادرة جولات مربحة مثل ماليزيا، فإنّ الشعور بعدم الارتياح كان واضحًا.

إذ في الوقت الذي تعمل فيه الفرق على ميزانيّاتها، حيث ستزداد التكاليف أيضاً ولا توجد علامات على الانخفاض، فإنّ خطر التوجّه نحو المجهول ليس بالأمر الذي سيُسعد أيّ أحدٍ في أوساط البطولة.

ولا يوجد شكٌ إذًا حيال إقدام سيرجيو ماركيوني خلال تهديده الأخير بالمغادرة على ضوء قوانين المحرّكات بالقول بأنّ مالكي فيراري سيرقصون إلى ما لا نهاية في حال تخلّصت العلامة الإيطاليّة من تكاليف الفورمولا واحد.

قلق لاودا

نيكي لاودا، المدير غير التنفيذي في فريق مرسيدس

نيكي لاودا، المدير غير التنفيذي في فريق مرسيدس

تصوير: ستيف إثرينغتون / صور لات

كان نيكي لاودا المدير غير التنفيذي لفريق مرسيدس أوّل من عبّر عن قلقه حيال عائدات الفرق، حيث أخبر صحيفة "غازيتا ديلو سبورت" خلال عطلة نهاية أسبوع جائزة البرازيل الكبرى أنّ المشكلة الحقيقيّة التي تواجهها الفورمولا واحد حاليًا لا تتمثّل في جدل قوانين محرّكات 2021 الذي أثار انزعاج فيراري بشكلٍ كبير.

وقال النمساوي: "صُلب المشكلة يكمن في أمرٍ آخر. حيث أنّه في ظل ارتفاع التكاليف بمقدار 80 مليون دولار من عامٍ للذي يليه، شهدت العائدات تراجعًا".

وتابع: "لكن ما الوجهة التي نتّخذها من هنا؟ ينبغي أن تكون هنالك أفكار جديدة لزيادة العائدات، لكنّي لا أراها على أرض الواقع. سمعت من شون براتشز – الذي يودّ رؤية السائقين وهم يصطحبون الأطفال معهم إلى شبكة الانطلاق. هل نسخ كرة القدم يُقدّم أفكارًا جديدة؟".

كما شاطره إريك بولييه مدير التسابق في مكلارين الرأي بأنّه من الواضح أنّ الفرق لن تكون سعيدة في حال واجهت تراجعًا في العائدات، لكنّه أشار إلى عدم وجود الكثير من الخيارات سوى قبول ذلك.

وقال الفرنسي: "في حال تراجعت العائدات فلن نكون سعداء، لكنّ نموذج عائداتنا في الفورمولا واحد مبنيٌ على ما تمنحنا إيّاه إدارة الفورمولا واحد بناءً على عائداتها قبل «إي بي آي تي دي آي» (العائدات قبل الفائدة، والضريبة، والاستهلاك والديون). أي في حال انخفض ذلك فسينخفض نصيبنا أيضاً. هكذا تجري الأمور".

لكن لا يبدو بأنّ الجميع قلقٌ حيال ذلك، إذ أنّ الانطباع السائد وسط الفرق الصغيرة – التي تعلم أنّ الخطط المستقبليّة لاعتماد سقفٍ للميزانيّات وإعادة توزيع الجوائز الماليّة ستساعدهم على وجه الخصوص – يشير إلى أنّ الوضع الحالي يُمثّل ألمًا قصير الأمد من أجل تحقيق مكاسب طويلة الأمد.

وقال أوتمار زافناور مدير العمليات في فورس إنديا: "في حال تمّ تأكيد أنّ الإنفاق سيؤتي ثماره في غضون عامين أو ثلاثة، فحينها يُمكنك التراجع خطوة إلى الوراء من أجل التقدّم خطوتَين. أتفهّم ذلك".

وأردف: "عليك الاستثمار وحينها ستجني ثمار ذلك. في حال حدث ذلك خلال عامين أو ثلاثة فلا بأس. علينا فقط التأكّد من أنّنا نستثمر بشكلٍ ذكي".

من جانبه يعتقد غونتر شتاينر مدير فريق هاس أنّه سيكون أكثر سعادة في حال حصل على ضمانات بوجود أسباب مقنعة وراء انخفاض العائدات.

وقال حيال ذلك: "لن أقول أنّني متخوّف، لكن ذلك يُمثّل مصدر قلق. في حال شرحوا لنا أنّ هناك استثمارات تجري وستكون هناك المزيد من العائدات في المستقبل، فسيكون ذلك جيّدًا".

وأردف: "هم المروّجون، ويحتاجون للترويج للرياضة وجني المزيد من الأموال. في حال كان بوسعهم شرح كيفيّة قيامهم بذلك فسأكون راضيًا. الفورمولا واحد عملٌ ضخم ولا يُمكنك تغيير الأمور بين عشيّة وضحاها، يتطلّب الأمر بعض الوقت".

وعند الإلحاح عليه إن كان يتشارك "مخاوف" لاودا، أجاب شتاينر: "لست متشائمًا حيال ما يحدث لأكون صادقًا. دائمًا ما نواجه بعض القلق. تتمثّل أسهل طريقة في مواصلة القيام بالعمل ذاته. لا أحد يريد تغيير حياته الطبيعيّة. في حال تغيّر شيء ما فستواجه صعوبة للتغيّر معه".

وأردف: "تواجد لاودا مع بيرني إكليستون طوال الأعوام الـ 60 الماضية على ما أعتقد، لذلك رُبّما يصعب عليه تقبّل التغييرات بالمقارنة مع الآخرين. عليه أن يكون مقتنعًا. تلك هي وظيفة ليبرتي ميديا".

ثقافة جديدة

شون براتشز، المدير العام للعمليات التجارية وتشايس كاري، الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة مجموعة الفورمولا واحد
شون براتشز، المدير العام للعمليات التجارية وتشايس كاري، الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة مجموعة الفورمولا واحد

تصوير: صور سام بلوكسهام / لات

يعي بولييه أنّه يتعيّن على ليبرتي اتّخاذ بعض القرارات الصعبة قريبًا، خاصة عندما يتعلّق الأمر بتحديد أيّ جزء من البادوك (مجموعة الفرق) الذي عليها إسعاده أكثر من الآخر.

لكن كما قال الفرنسي في نهاية المطاف فإنّ ليبرتي هي من دفعت الأموال الطائلة لشراء الرياضة لذلك فهي تملك جميع الحقوق لدفع البطولة نحو الوجهة التي تراها مناسبة.

وقال بولييه حيال ذلك: "هناك بعض التغيير في ثقافة الفورمولا واحد. تملك ليبرتي هذا العمل وتنوي إدارته بالطريقة التي تريدها كونها هي من تمتلكه".

وأضاف: "في حال انتقلت إلى نموذج عملٍ مثل الفورمولا إي وهناك مصنّعو سيارات فقط، ففي حال لم يكن هناك مصنّعو سيارات فلن تتواجد البطولة، الخيار يعود إليهم".

وأردف: "في حال انتقلوا إلى نموذج عمل علامات كبرى، وهو عبارة عن نموذج رياضي واستعراضي، فحينها قد لا يكون لمصنّعي السيارات الأهميّة ذاتها في هذا النموذج، لذلك سنرى. يعود الأمر إليهم لإعلامنا وكشف أوراقهم حول ما يريدون بلوغه".

لكن هل يعود قلق لاودا وماركيوني فعليًا إلى إمكانيّة اعتماد النموذج الأخير في المستقبل؟ أي لا يكون للمصنّعين سلطة أكبر؟

من جانبه يأمل روس براون المدير الرياضي للفورمولا واحد، الذي سبق له العمل في الجهة المقابلة عندما كان بصدد التفاوض من أجل الحصول على عائدات ماليّة أكبر لصالح مرسيدس، أنّ مسألة الجوائز الماليّة لن تخرج عن سياقها وتدمّر جهود ليبرتي لتحسين جوانب أخرى.

"علينا إقناع الفرق بعدم التسرّع في ردود فعلها" قال براون حيال القلق السائد بسبب انخفاض الجوائز الماليّة.

ثمّ تابع: "يجب خوض محادثات أكبر حول الجانب التجاري بأكمله. خضنا (مؤخّرًا) أولى المحادثات حول نظام التحكّم في النفقات بشكلٍ عادلٍ ومستدام في المستقبل، ذلك جزء من المباحثات بأكملها أيضاً. علينا التأكّد من أنّنا ناضجون جميعًا حول ذلك، وستكون أمامنا محادثات تجاريّة".

وأردف: "ستكون هذه محادثات محتدمة وصعبة، لكن لدينا الجانب التقني من الرياضة لمحاولة الدفع نحو الأمام. لدينا جانب التحكّم في النفقات للدفع إلى الأمام. كما لدينا الجانب الرياضي من الرياضة للدفع إلى الأمام".

وواصل شرحه بالقول: "في حال أفسدنا كلّ ذلك لأنّنا نواجه هذا الجدل حيال الجانب التجاري، فنحن مجانين لأنّ ذلك يجعل العمل أفضل وأكثر استدامة".

تزداد معالم معركة الفورمولا واحد اتّضاحًا قبيل فترة شتويّة مدهشة ستبسط خلالها ليبرتي ميديا رؤيتها وتتحرّك لإرضاء المشكّكين.

برندون هارتلي، تورو روسو
برندون هارتلي، تورو روسو

تصوير: صور ساتون موتورسبورت

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
قائمة الفرق فيراري , فورس انديا , فريق هاس اف1 , مكلارين , مرسيدس
نوع المقالة تحليل