تحليل: القصّة الحقيقية وراء دراما علب تروس مرسيدس

قد تعود المعاناة من مشكلة في الموثوقيّة في الفورمولا واحد إلى الحظّ العاثر أحيانًا، لكن عندما يُعاني فريقٌ من مشكلتين في المكوّن ذاته بشكلٍ متزامنٍ تقريبًا، فذلك يُمثّل عادة علامة على وجود خطبٍ ما.

عندما أعلنت مرسيدس تغيير علبة تروس سيارة فالتيري بوتاس بعد مجريات الجمعة من جائزة بريطانيا الكبرى، دقّت أجراس الخطر نتيجة لذلك كون المشكلة جاءت بعد أسبوعٍ واحدٍ من قيام لويس هاميلتون بالأمر عينه في النمسا.

وفي حين أنّه كانت هناك بعض الشكوك (التي فنّدتها مرسيدس) بعد سباق باكو بأنّ مشكلة هاميلتون جاءت نتيجة الحادثة التي جمعته بسيباستيان فيتيل، إلّا أنّه بات من الواضح بأنّ هناك أمرًا ما أكثر خطورة عندما اضطرّ الفريق لتغيير نظام بوتاس.

وأدّى ذلك إلى طرح العديد من التساؤلات حول ما إذا كان هناك عيبٌ في التصميم قد يتسبّب في المزيد من العقوبات في المستقبل، خاصة أنّ القوانين تنصّ على ضرورة إكمال علب التروس لستّ عطل نهاية أسبوع كاملة.

بالرغم من ذلك لم تشهد أروقة مرسيدس حالة من الذعر والهلع. إذ في حين أنّ الوضع بدا دراميًا من الخارج، إلّا أنّ الفريق كان يعلم أنّ المشكلة يُمكن حلّها بسهولة.

عدائيّة مفرطة

كانت مرسيدس عدائيّة للغاية على صعيد نظام نقل الغيارات السلس، وأدّى ذلك إلى إلحاق ضررٍ بالأجزاء الداخليّة لعلبة التروس.

وقال جايمس أليسون المدير التقني للفريق أنّ محاولة السهام الفضيّة لاستخراج أقصى أداء ممكنٍ من السيارة أدّت إلى ضغطها بشكلٍ مفرط لكسب بعض الأجزاء الإضافيّة في الأزمنة.

وقال البريطاني: "في الماضي كانت السيارة تتواجد على غيار معيّن، ومن ثمّ تنفصل عنه وتنتقل بعد ذلك إلى الغيار التالي، أي أنّك تفقد قوّة الدفع كلّما قمت بنقل الغيارات من واحد إلى آخر".

وأضاف: "أمّا باستخدام نظام نقل الغيارات السلس فإنّك تكون على غيارٍ معيّن وتنتقل بشكلٍ فوريٍ إلى الغيار التالي، أي أنّك لا تفقد قوّة الدفع".

وأردف: "لكن في حال تخيّلتم علبة التروس عند نقل الغيارات إلى الأعلى فإنّ الغيار الأقل يدور بسرعة عالية، وعندما تريد التغيير يجب على كلّ ذلك القصور الدوراني أن يتباطأ من أجل ملاقاة الغيار التالي".

وواصل شرحه بالقول: "يعني ذلك أنّه في حين أنّ هناك انتقالًا سلسًا، إلّا أنّ هناك بعض الأجزاء التي تدور والتي يجب إبطاؤها لملاقاة الغيار التالي".

ثمّ تابع: "يُمكنك القيام بذلك بلطف أو دفع كلّ شيء لإصدار هدير وإيقاف كلّ شيء تقريبًا ومن ثمّ إعادة الدوران إلى الإطارات".

وأكمل: "الطريقة اللطيفة تتمثّل في إيقاف عزم الدوران من المحرّك، وذلك لتخفيف الالتفاف الذي سيقع. لكنّ الطريقة القاسية تتمثّل في ترك الأجزاء تتمزّق. يُمكنني قول ذلك لأنّها ليست عبارة عن فكرة لم تخطر على بال أحد، بل ذلك أمرٌ قياسيٌ في الفورمولا واحد. يتمحور كلّ شيء حول مدى جرأتك".

قوّة "جي"

لكنّ مرسيدس كانت جريئة أكثر من اللازم في النهاية. وفي حين أنّها تميّزت بموثوقيّة عالية على صعيد التطوير، قال أليسون أنّ الفريق تفاجأ ببعض المتغيّرات على أرض الواقع، مثل قوّة "جي" التي لا يُمكن محاكاتها في أجهزة القياس.

وقال حيال ذلك: "لدينا عمليّة ختم أيّة استراتيجيّة أو أيّ تصميم جديد، وتلك العمليّة حذرة من وجهة نظرٍ هندسيّة".

وأضاف: "نحاول الاختبار على المسار قدر المستطاع، لكنّ فرص التجارب عديمة المخاطرة محدودة للغاية. لذلك نستخدم أجهزة دايناموميتر في المصنع من أجل تكوين تمثيل جيّد للحقيقة".

وتابع: "أكملنا عمليّتنا الطبيعيّة للتثبّت من مستوى أعلى من العدائيّة على صعيد إعدادات نقل الغيارات. لكن بالرغم من حقيقة أنّ كلّ شيء بدا جيّدًا في عمليّة الختم، إلّا أنّ تلك الخطّة فشلت أمام العدوّ على المسار – حيث تكون بعض الجوانب مختلفة، إذ نقلت قوّة «جي» الزيت حول العلبة بشكلٍ مختلفٍ عمّا اعتمدناه في المحاكاة".

وأكمل: "أي أنّنا تجاوزنا الحدّ بشكلٍ هامشي ودفعنا الثمن".

ضغط فيراري

ما تُظهره مسألة علبة التروس أنّ مرسيدس باتت تضغط حتّى الحدود القصوى لسيارتها أكثر من أيّ وقتٍ مضى في الأعوام الأخيرة.

إذ بعد ثلاثة مواسم من السيطرة المطلقة على البطولة، دخلت مرسيدس أرض معركة جديدة هذا العام لا تقتصر فيها المنافسة على سائقيها فحسب بل بمواجهة فيراري. بالنظر إلى أنّ أجزاء قليلة تفصل بين النجاح والهزيمة، فإنّ الفريق بات يسعى وراء أيّ أداء إضافيٍ يُمكن تحقيقه.

وشرح توتو وولف مدير الفريق الجهود المبذولة من قبل شركة بيتروناس مزوّدة الفريق بالوقود وزيوت التبريد بالقول: "من المدهش بالنسبة لي أنّ هناك سوائل يُمكن استخراج أداء إضافيٍ منها ولا أعلم حتّى موقعها على السيارة".

وأضاف: "وذلك يتمّ جمعه، إذ يُمكنك تحصيل 0.005 ثانية من منتج تبريد، بالإضافة إلى 0.015 ثانية من الزيت الهايدروليكي. يُمكنك استخراج أداء إضافيٍ من تركيبات الزيت والوقود وكثافتهما ضمن هذه الأجزاء المهمّة من محرّك الاحتراق الداخلي".

وتابع: "كما أنّ علبة التروس تُعتبر مثالًا آخر جيّدًا. إذ أنّ استخدام زيت علبة التروس المناسب يسمح لك بالحصول على أفضليّة في الأداء، وأفضليّة على صعيد الوزن والسماح لك بالتسابق بعدائيّة أكثر على صعيد نقل الغيارات. وأحيانًا تكون ثقتك كفريق مفرطة".

وواصل شرحه بالقول: "ذلك ما حدث لنا بالنسبة لعلبة التروس. استخدمناها بشكلٍ قاسٍ، وأدركنا ما حدث عندما قمنا بعمليّة التفقّد بعد باكو".

لكنّ وولف كان فخورًا في المقابل بمحافظة مرسيدس على أدائها القويّ بالرغم من تغيّر القوانين. ويعلم النمساوي أنّ فريقه دفع الآن ثمن الضغط بشكلٍ مفرط، لكنّ تلك العدائيّة ساهمت في حلّ المشكلة.

وقال حيال ذلك: "تمثّل هدفنا في التفوّق بعد تعديلات القوانين هذا العام. وبحسب ما أعلمه لم يكن هناك أيّ فريق سيطر على البطولة عدّة أعوام في الماضي وحافظ على تفوّقه عند تغيير القوانين. وكان هدفنا محاولة بلوغ ذلك".

وتابع: "لذلك يُمكنكم القول بأنّ المنافسة لم تعد تقتصر علينا وحدنا بعد الآن. رُبّما من الأفضل للرياضة ولعامل المتعة أن تكون فيراري جزءًا من اللعبة الآن، لكنّنا نضغط بقوّة".

وأكمل: "ومن خلال الضغط بقوّة ومواصلة نهج التطوير الحاد فإنّك تواجه بعض الخيبات. مسند الرأس الذي انفصل ومشاكل علبة التروس لأنّك تحاول استخراج أقصى قدرٍ من الأداء من الأجزاء التي لا تحظى بأهميّة كبيرة على صعيد الأداء. لكنّها مهمّة في الحقيقة".

بشكلٍ مماثلٍ للسائقين على المسار، تُواجه الفرق ضرورة دفع ثمن تجاوزها للحدود القصوى ضمن سعيها للحصول على الأداء الإضافي.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
قائمة السائقين لويس هاميلتون , فالتيري بوتاس
قائمة الفرق مرسيدس
نوع المقالة تحليل