تحليل السباق: هل فضّلت فيراري فوز فيتيل في موناكو؟

بعد تحقيق فوز فيراري الأوّل في جائزة موناكو الكبرى منذ 2001، استغلّ سيباستيان فيتيل عطلة نهاية الأسبوع الضعيفة للويس هاميلتون ليبتعد في صدارة ترتيب البطولة. لكن هل حصل الألماني على مساعدة من فريقه للتغلّب على زميله صاحب قطب الانطلاق الأوّل كيمي...

عانت مرسيدس في بعض الأحيان لتحسين استراتيجيّتها هذا العام، وكان من السهل استنتاج أنّ الفريق ليس في أفضل حالاته من ناحية تفوّقه استراتيجيًّا على أقرب منافسيه ضمن معركة مباشرة وذلك بعد ثلاثة أعوام قضاها الفريق في إدارة المنافسة المحتدمة في بيته الداخلي بين سائقيه.

وبشكلٍ مماثلٍ، وجدت فيراري نفسها في موناكو في وضعٍ لم تتعامل معه منذ فترة طويلة – معركة بين سائقيها على الصدارة – بينما تلعب مرسيدس وبقيّة المنافسين دورًا داعمًا فحسب.

بدا في البداية أنّ رايكونن قادرٌ على التفوّق على فيتيل، لكنّ استراتيجيّة التوقّف الوحيد شهدت تقدّم الألماني إلى الأمام.

أدّى ذلك بشكلٍ حتميٍ إلى أنّ العديد من المتابعين خلصوا إلى أنّ فيراري خطّطت للقيام بذلك من أجل تفضيل منافسها الأساسي على اللقب، مستذكرين ما حدث في عدّة مناسبات في السابق في صفوف الحظيرة الإيطاليّة.

ومزح توتو وولف مدير فريق مرسيدس حيال ذلك قائلًا: "فيراري الآن في الموقع الذي كنا فيه سابقًا عندما تُنهي السباق في المركزين الأوّل والثاني، ويجب عليك أن تشرح لماذا فاز السائق المناسب".

استراتيجيّة واحدة ومجالٌ واسع

تمحور سباق موناكو حول موعد إجراء التوقّف الوحيد للانتقال من الإطارات فائقة الليونة "ألترا سوفت" إلى الأخرى بالغة الليونة "سوبر سوفت".

وكانت بيريللي قد أشارت بعد تجارب الخميس إلى أنّ مستويات التآكل كانت منخفضة للغاية لدرجة أنّ إطارات "ألترا سوفت" بوسعها إتمام مسافة السباق كاملة في حال أراد فريقٌ ما تقليص المسافة التي سيستخدم خلالها إطارات "سوبر سوفت".

بلغة أخرى كان هناك مجالٌ واسعٌ للغاية يُمكن للسائقين إجراء توقّفاتهم خلاله، إلى جانب أنّ الاحتماليّة العالية لدخول سيارة الأمان ستكون الدافع لإجراء التوقّفات.

لكنّ جانبًا مثيرًا للاهتمام تمثّل في عدم إكمال السائقين للكثير من اللفّات على إطارات "سوبر سوفت" يوم الخميس، إذ أنّ معظم السائقين استخدموا مجموعة واحدة في التجارب الحرّة الأولى – ما عدا فيتيل الذي أكمل معظم محاكاته للسباق على متن التركيبة الحمراء في الحصّة الثانية – بينما لم تستخدم فرقٌ أخرى (بمن فيها ريد بُل) تلك التركيبة مطلقًا تاركة مجموعة واحدة للسباق.

كما واجهت الفرق نقاط استفهام إضافيّة بالنظر إلى ارتفاع درجات الحرارة يوم السباق بالمقارنة مع حصّتي الخميس. إلى أيّ مدى ستبلغ سرعة إطارات "سوبر سوفت" عند إجراء التوقّف؟ خاصة خلال أوّل لفّة أو اثنتين بعد التوقّفات؟

وبالنظر إلى قلّة فرص التجاوز، إن لم نقل انعدامها، واستراتيجيّة التوقّف الوحيد، فقد بدا أنّ رايكونن فاز بنصف المعركة عند تغلّبه على زميله ليظفر بقطب الانطلاق الأوّل والمحافظة على الصدارة عند الانطلاقة التي كانت خالية من أيّ حوادث على غير العادة.

بدأ الفنلندي في البداية برفع أفضليّته، موسّعًا الفارق إلى 2.3 ثانية قبل أن يعود فيتيل بعد ذلك لتقليص الفارق من جديد تحت حاجز الثانيتين.

مع تجاوز السباق حاجز الـ 20 لفّة من دون دخول سيارة الأمان لفتح الباب أمام السائقين لإجراء التوقّفات، تمحور كلّ شيء حينها حول إيجاد فيراري للتوقيت المناسب لإجراء توقّفَي سائقيها.

مدٌ وجزر

مثّل ما يقوم به السائقون الآخرون حينها عاملًا أساسيًا في تحديد موعد توقّف فيراري. لم يكن فالتيري بوتاس وثنائي ريد بُل بعيدين للغاية خلف القلعة الحمراء، ما كان يعني وجود خطر التوقّف والعودة ليعلقا خلفهم.

كما كان كارلوس ساينز صاحب المركز السادس لا يزال ضمن المجال، إذ أنّه كان متأخّرًا بـ 20 ثانية عن رايكونن – وهو ذات الوقت الذي يخسره السائق لإجراء توقّفه – لذلك لم ترد فيراري أن يعلق سائقها الفنلندي خلفه.

وفي الوقت الذي كان فيه الجميع ينتظر موعد توقّف فيراري، كانت هناك معركة استراتيجيّة أخرى حماسيّة تدور في الخلف، إذ كانت سيارة مرسيدس في مواجهة سيارتي ريد بُل. علمت السهام الفضيّة أنّه ليس بوسعها الدفاع عن مركزها في مواجهة كليهما، وتوجّب عليها إجراء توقّف بوتاس بعدما استدعت ريد بُل فيرشتابن في اللفّة الـ 32، لكنّ بوتاس تمكّن من العودة أمام الهولندي بنجاح.

وقال وولف: "في حال أوقفنا بوتاس قبلهما لتجاوزه الاثنان وليس سيارة واحدة. أي أنّنا كنّا لنخسر المركزين الثالث والرابع".

وتابع: "بعد معرفة ما حدث الآن ورؤية المدّة التي تطلّبتها إطارات سوبر سوفت لتبدأ بالعمل ولم تكن سريعة بالمقارنة مع إطارات ألترا سوفت المستهلكة، فكنّا لنبقى على المسار لفترة إضافيّة بعد توقّف سائقَي ريد بُل".

وأكمل: "المعلومة التي كانت بحوزتنا كانت أنّ لدينا ساينز ضمن مجال توقّفنا وكانت سيارتا ريد بُل منافستين وليست سيارتا فيراري أمامنا".

لم يكن أحدٌ يعلم مدى سرعة الإطارات الحمراء الجديدة بالمقارنة مع إطارات "ألترا سوفت" التي أكملت حينها التجارب التأهيليّة وأكثر من 30 لفّة من عمر السباق. قرّرت فيراري أنّ عليها الاستجابة لتوقّفات مرسيدس وريد بُل واستدعت رايكونن في اللفّة الـ 34. تمكّن الفنلندي من العودة بأمان أمام ساينز الذي لم يتوقّف بعد عند تلك المرحلة.

لكنّ رايكونن وجد نفسه خلف جنسن باتون وباسكال فيرلاين وأفقده تجاوزهما بلفّة بعض الزخم الحاسم.

في الوقت ذاته لم يسارع سائقان من خماسي المقدّمة إلى التوقّف والانتقال إلى إطارات "سوبر سوفت". بقي فيتيل وريكاردو على المسار وكان المسار خاليًا أمامهما وسجّل كلاهما سلسلة من أسرع اللفّات – سجّل سائق ريد بُل ثلاث أسرع لفّات في السباق بشكلٍ متتالٍ قبل أن يستلم فيتيل المشعل ويُسجّل أسرع لفّة. تبيّن أنّ تلك الإطارات القديمة كانت لا تزال في حالة جيّدة وكان ذلك ما حدّد المعركة على السباق.

"كان بوسعنا اختيار الخسارة لصالح فيرشتابن أو لصالح ريكاردو" قال وولف، وأضاف: "احتجنا لحماية أنفسنا من خطر توقّف فيرشتابن قبلنا على أمل أن لا يكون ريكاردو قادرًا على استخراج المزيد من الأداء من إطارات ألترا سوفت، لكنّه قدّم لفّات مدهشة مشابهة لما قام به فيتيل في الأمام".

وتابع: "في الحقيقة كان من الواضح أنّنا سنخسر لصالح إحدى سيارتي ريد بُل...".

أجرى ريكاردو توقّفه أخيرًا في اللفّة الـ 38 أي بعد خمس لفّات من توقّف زميله وأربع لفّات بعد توقّف بوتاس، وكان ذلك أكثر من كافٍ ليعود أمامهما.

"سارت وقفات الصيانة بتلك الطريقة. توقّفت السيارتان قبل وذلك سمح لي بإظهار وتيرتي أكثر" قال ريكاردو، وأضاف: "كان ذلك مثاليًا، إذ حصلنا على وتيرة جيّدة للغاية، أعتقد أنّنا كنّا نسجّل أزمنة في فلك 1:16.0 دقيقة، أعتقد أنّ تلك الوتيرة كانت قويّة للغاية وكنت قادرًا على جعل التوقّف بعدهم ينجح".

وأردف: "كانت تركيبة جيّدة من أزمنة جيّدة منّي وترك الفريق لي على المسار والسماح لي بالقيادة في الهواء النقيّ".

ومع خروج ريكاردو من الصورة، توجّه فيتيل إلى خطّ الحظائر في اللفّة الـ 39، وعندما عاد إلى المسار عند المنعطف الأوّل، كان الألماني أمام رايكونن.

وقال فيتيل حيال ذلك: "أعتقد أنّني كنت أحاول الحفاظ على وتيرة في الفترة الأولى. أحاول البقاء على مقربة منه. لم أكن مرتاحًا على الإطلاق مع الإطارات عند مرحلة ما، إذ كانت تنزلق. أعتقد أنّه عندما ارتفع الفارق قليلًا أجرى رايكونن توقّفه".

وتابع: "علمت أنّه في حال كانت لديّ فرصة فكانت تلك هي إلى أن يتمّ استدعائي لأنّ بوتاس كان على إطارات أجدد ومن المرجّح أن يكون أسرع، لذلك حاولت الضغط بأقصى ما لديّ والانتظار إلى أن يتمّ استدعائي".

وأردف: "كنت متفاجئًا عندما أجريت توقّفي وعدت أمام رايكونن".

لا أوامر فريق

هل فرضت فيراري استراتيجيّة أثّرت على الفنلندي وضمنت حصول فيتيل على أقصى قدرٍ من النقاط؟ كان من السهل قول ذلك، لكنّ الوضع أكثر تعقيدًا ليكون بهذه البساطة.

لم يكن أحد على الإطلاق يعلم ما ستكون عليه مقارنة الأداء بين إطارات "ألترا سوفت" القديمة وإطارات "سوبر سوفت" الجديدة، بالرغم من أنّ التجارب أظهرت بشكلٍ عام وجود مشكلة في تحمية الإطارات التي تتطلّب لفّة أو اثنتين، ولا يجب أن ننسى من الجولات الخمس الأولى أنّ الإطارات الأجدد كانت تقدّم أداءً أفضل من الأخرى القديمة، وهو ما يُمكن أنّه قد أثّر على قرار فيراري.

وتعيّن على فيراري أيضاً الاستجابة نسبيًا لما كانت ريد بُل ومرسيدس تقومان به، في الوقت ذاته الذي كان فيه الفريقان الأخيران يستجيبان لبعضهما البعض.

وبالنظر إلى معرفته للطريقة التي يتمّ من خلالها تأويل الخيارات الاستراتيجيّة بين سائقي الفريق الواحد، رفض وولف الانضمام إلى ركب نظريات المؤامرة.

وقال النمساوي: "أوّلًا وقبل كلّ شيء لقد استحقّوا الفوز، امتلكوا السيارة الأسرع. يُعدّ المركزان الأوّل والثاني جيّدين كنتيجة للفريق. تهانينا ونحتاج للإشادة بهم".

ثمّ تابع: "لم يكن من الواضح كيف سيكون عليه أداء الإطارات. احتاجوا لإجراء توقّف سائقٍ منهما ونقله إلى إطارات سوبر سوفت، لكنّ ذلك الإطار تبيّن أنّه لم يكن سريعًا بما فيه الكفاية، بينما كان فيتيل قادرًا على تقديم لفّات خياليّة على إطارات سوبر سوفت المستهلكة ومنحه ذلك فرصة لتجاوز كيمي".

وأضاف: "لا أعتقد أنّهم (طاقم فيراري) توقّعوا حدوث ذلك. في نهاية المطاف تُعدّ تلك النتيجة المناسبة للفريق ولبطولة السائقين. لكنّني لا أعتقد أنّه قد تمّ التخطيط لذلك".

وكان من الواضح بعد السباق أنّ رايكونن لم يكن سعيدًا بالنتيجة الختاميّة، ولا يُعدّ ذلك مفاجئًا بالنظر إلى ما كان الفوز ليعنيه له بعد هذا الغياب الطويل عن العتبة العليا لمنصّة التتويج. كما كان فيرشتابن غير سعيدٍ من جانب ريد بُل بشكلٍ مماثلٍ لرايكونن وذلك بعد أن تقدّم عليه زميله.

كانت هناك نقاط متشابهة في كلتا الحالتين، مثلما أشار إلى ذلك فيتيل نفسه.

وقال الألماني: "تحصل السيارة التي في المقدّمة على الأولويّة. لذلك في حال حصلت على خيارٍ عند تلك المرحلة، وكنت لا أزال عالقًا خلف رايكونن، لاخترت التوقّف قبله – ذلك ما تودّ القيام به على الأرجح كونك ستكون على إطارات أجدد".

وتابع: "لا أعتقد أنّ ريكاردو كان يملك الأولويّة أمام فيرشتابن بالتوجّه إلى السباق. لا أعلم موقعهما على صعيد ترتيب النقاط، لذلك لا أعتقد أنّهم ينظرون إلى ذلك الجانب".

وأردف: "لكنّني أعتقد أنّ هناك قاعدة، تنصّ على أنّك في حال تأهّلت في الأمام وبقيت في المقدّمة خلال الفترة الأولى، فستحصل على الأولويّة في التوقّف الأوّل، كان ذلك ما حدث".

وأضاف: "أعتقد أنّها كانت إحدى الحالات النادرة التي كان فيه البقاء أكثر على الحلبة إيجابيًا، لذلك أنا سعيدٌ لأنّي جعلت الاستراتيجيّة تنجح. من منظور الفريق لم تكن هناك أيّ خطّة لاعتماد أيّة أوامر فريق".

وأكمل: "من الواضح أنّه يُمكنني تفهّم أنّ رايكونن ليس سعيدًا، كنت لأشعر بذات الشعور بنسبة مئة بالمئة".

سيكون من المثير للاهتمام بكلّ تأكيد رؤية ردّة فعل رايكونن وما إذا كان سيقوم بإعادة الأمور إلى صالحه.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة موناكو الكبرى
حلبة مونتي كارلو
قائمة السائقين دانيال ريكاردو , كيمي رايكونن , ماكس فيرشتابن , سيباستيان فيتيل , فالتيري بوتاس
قائمة الفرق فيراري , مرسيدس , ريد بُل ريسينغ
نوع المقالة تحليل