تحليل السباق: ما هي العوامل التي ساهمت في فوز هاميلتون بسباق بلجيكا؟

لم يكن فوز لويس هاميلتون بغاية السهولة في سباق جائزة بلجيكا الكبرى، إذ ساعده دخول سيارة الأمان إلى الحلبة عكس ما كان متوقعًا، فضلاً عن اختياره لإعدادٍ خاطئ لمحركه مرسيدس والذي ساهم ببقاء منافسه سيباستيان فيتيل خلفه. ولكن كيف ذلك؟

شهدنا العديد من السباقات "الدراماتيكية" في الماضي على حلبة سبا-فرانكورشان، سواءٌ من خلال هطول الأمطار أو حوادث اللّفات الأولى التي خلطت الأوراق. لكن، وعلى خلاف الأحداث الماضية، لم تلعب الأمطار دورًا في نسخة هذا العام من السباق، كما أنّ السائقين الستة الأوائل أنهوا اللّفة الأولى ضمن نفس المراكز التي انطلقوا منها.

ومع ذلك، كان سباقًا بعيدًا تمامًا عمّا يُمكن وصفه بالمملّ، إذ شهدنا معركة متقاربة بين لويس هاميلتون وسيباستيان فيتيل.

وفي الواقع، رأينا اثنين من أكثر السائقين إثارةً ومهارةً يستخدمان جميع الأدوات والوسائل المتاحة أمامهما للخروج من هذه المعركة في الصدارة، مع العلم بأنّ أيّ خطأ كان من الممكن أن يُكلّف الكثير.

تصاعدت نبضات القلب بسرعة لا توصف خلال المراحل الأخيرة من السباق بعد دخول سيارة الأمان، إذ قام هاميلتون وفيتيل بالاعتماد على نوعية مختلفة من الإطارات.

أتيحت للألماني فرصة واقعية ونادرة من أجل تجاوز البريطاني، فيما تعيّن على الأخير استخدام جميع الحيل التي تعلمها في مسيرته من أجل المحافظة على مركزه. كان سباقًا متقاربًا للغاية، ولكن في النهاية، خرج هاميلتون منتصرًا.

حلبة سبا-فرانكورشان لا تُعتبر صعبة من ناحية التجاوز عكس حلبتَي موناكو أو المجر على سبيل المثال، ولكنّ الانطلاق من المركز الأوّل مهمٌ للغاية. وهذا ما رأيناه يوم الأحد. نجح سائق مرسيدس في البقاء أمام فيتيل إذ تأرجح الفارق بينهما خلال اللّفات الأولى بين 1.6 و1.7 ثانية.

قبل انطلاق السباق، وجدت الفرق بأنّ أفضل استراتيجية يُمكن اعتمادها تتجلّى في التوقف لمرّة واحدة فقط. ولكن السؤال الأصعب كان حول الزمن الأنسب للتوقف.

قام هاميلتون بإجراء توقفه قبل منافسه إذ دخل لمنطقة الصيانة في اللّفة الـ12 مستعينًا بمجموعة من الإطارات اللّينة "سوفت"، إذ ونظرًا لسرعة خروجه، كان من المتوقّع محافظته على مركزه بعد توقف سائق فيراري.

"توجّب علينا اتخاذ بعض القرارات الصعبة" قال وولف في تعليقه على التوقف الباكر لهاميلتون، ثم تابع "كنّا نتحكّم بالوضع إذ كان لدينا فارق مريح أمام سيارة فيراري، ولكن من الواضح بأنّ خطر التقدّم علينا كان واقعيًا. لقد قمنا باستدعاء هاميلتون للتوقف من أجل تجنّب توقف فيتيل قبله وتجاوزه".

وأضاف "كان ذلك القرار الصحيح، إذ أظهرت الإطارات اللّينة بأنها أسرع من إطارات ألترا سوفت المستعملة سابقًا، على الرغم من أنّ فيتيل كان سريعًا حينها خلال المقطع الثاني من الحلبة".

انتظر فريق فيراري لفتَين قبل إدخال فيتيل، إذ وبعد خروجه من منطقة الصيانة عاد الترتيب إلى وضعه الطبيعي. وبما أنّ السائقين كانا يستخدمان الإطارات اللّينة، فإنّ الألماني كان يُمنّي النفس بارتكاب هاميلتون لخطأ ما، أو على الأقلّ تعرضه لمشاكل مع إطارات سيارته ما سيمنحه فرصةً للضغط.

في الواقع، وجد فريق مرسيدس مشكلة في الإطار الخلفي الأيمن لسيارة البريطاني، إذ وفي الوقت الذي كان يقوم فيه المهندسون بتحليل الوضع، دخلت سيارة الأمان إلى الحلبة من أجل تنظيفها من الحطام نتيجة الحادثة التي جمعت إستيبان أوكون وسيرجيو بيريز.

وتلك كانت الفرصة التي تنتظرها فيراري: لم يكن الأمر متعلقًا بالاقتراب من هاميلتون، لأنّ فيتيل كان قريبًا منه قبلها، بل بإمكانية الحصول على فرصة واقعية لتجاوز سائق مرسيدس – لا سيما وأنّ السائقَين كانا على إطارات مختلفة.

كان من الواضح إحباط وتململ هاميلتون من دخول سيارة الأمان، إلّا أنّ فريقه ارتاح بشكل كبير لحصوله على فرصة لتغيير الإطارات.

وتعليقًا على ذلك قال وولف "أتفهم إحباطه عندما تُحاول المحافظة على الفارق وتدخل بعدها سيارة الأمان. ولكنّ ذلك كان جيدًا كوننا رأينا بعض التحبحب على إطاره الخلفي الأيمن، لذلك أعتقد أنه عندما يعلم بذلك، سيكون سعيدًا لدخولها".

كما اعترف وولف بأنه كان من المهم للغاية إجراء وقفة الصيانة، إذ قال "لقد أجرينا بعض المحادثات حول ذلك، لأنه وبسبب تصدّرك للسباق، فإنك ستخسر موقعك من خلال الدخول وتغيير الإطارات. أو تستطيع البقاء على أرض الحلبة والتعرّض للهجوم من قبل فيتيل على إطارات أجدد".

وأكمل "لم نكن متأكدين تمامًا ما إذا كانت المشكلة متعلقة بتحبحب الإطار الخلفي الأيمن على سيارته. لم نتمكّن من تحديد سبب المشكلة حقيقةً، ما دفعنا إلى الدخول لمنطقة الصيانة".

مع توجهه للسباق، كان هاميلتون يمتلك في جعبته طاقمين جديدين من الإطارات اللّينة "سوفت" فيما كان لدى فيتيل طاقم من الإطارات اللّينة وآخر من الإطارات فائقة اللّيونة "ألترا سوفت".

بالتالي، وبما أنهما استخدما الإطارات اللّينة خلال سلسلة التوقفات الأولى، وجد السائقان نفسَيهما مع إطارات مختلفة أثناء التوقف خلف سيارة الأمان. هاميلتون وضع إطارات "سوفت" جديدة بينما استعان فيتيل بإطارات "ألترا سوفت".

وعلى الأرجح، ابتسم فيتيل قليلاً عندما رأى هاميلتون بالإطارات الصفراء كون إطاراته الأسرع ستمنحه الأفضلية خلال اللّفات الأولى على الأقلّ من خروج سيارة الأمان.

ولكن لم تكن الأمور بهذه السهولة؛ هاميلتون كان سريعًا وواثقًا على إطارات الـ"سوفت" طيلة الأسبوع، وثانيًا، الفارق دائمًا ما يتقلّص بين "السوفت" والـ"لترا سوفت" خلال السباق مقارنةً مع انطلاق حصص التجارب الحرّة عندما تقوم الفرق بالاختبارات والحسابات.

كما لا يجب أن ننسى بأنّ إطارات الـ"سوفت" التي تعمل بشكل جيد للغاية في أجواء الحرارة المرتفعة كانت خيارًا جيدًا لهاميلتون مع الحرارة الدافئة التي شهدها السباق. ولكن من الأصعب إدخال الحرارة المناسبة إلى هذه الإطارات خلال المنعطفات الأولى مع خروج سيارة الأمان، لذلك لم يكن أمام لويس أيّ مجالٍ للخطأ.

ومع انطلاق السباق من جديد، حاول فيتيل تجاوز البريطاني بأسرع ما يُمكن، بيد أنه اعترف بأنه كان أقرب من اللازم إلى سيارة البريطاني ما لم يمنحه الاستفادة من عامل سحب الفجوة الهوائية على الخطّ المستقيم الطويل (كيميل).

وقال فيتيل "من الواضح بأنني كنت أعلم بأننا نمتلك الأفضلية مع إطاراتنا مقارنةً بإطارات السوفت خلال اللّفات الأولى، لا سيما عند انطلاق السباق من جديد".

وأضاف "كنت ملتصقًا بهاميلتون عند الخروج من المنعطف الأوّل، لم يكن من الصعب البقاء على مقربة منه، وهنا تكمن المشكلة على الأرجح. كانت انطلاقتي جيدة للغاية إذ كنت قريبًا جدًا منه".

وأكمل "لو كان بإمكاني القيام بذلك مرّة أخرى، لكنت سأحاول القيام بشيء مختلف. ولكننا نعلم بأنّ مرسيدس لديها سرعة جيدة على الخطوط المستقيمة. لقد رأيت سرعتها في بداية السباق ولهذا لم أكن أريد أن أكون بعيدًا عن هاميلتون بعد خروج سيارة الأمان".

ولكنّ البريطاني اعترف بأنّ اختياره لإعداد خاطئ لطاقة محركه مرسيدس ساهم في بقائه أمام فيتيل، إذ يُمكن القول بأنّ هذا "الخطأ" أبقى فيتيل أقرب من اللازم إلى سيارة منافسه.

وشرح البريطاني ما حدث معه قائلاً "حصلت في البداية على انطلاقة جيّدة عندما كنّا على الخطّ المستقيم الخلفي، تمكّنت من الابتعاد عنه. كنت قادرًا على مباغتته، مثلما فعلت في ثلاث أو أربع انطلاقات في باكو بعد فترات سيارة الأمان. ابتعدت لكنّني لم أكن أستخدم وضع الطاقة المناسب".

وتابع "ابتعدت في البداية، لكنّه بدأ اللحاق بي أثناء توجّهه إلى المنعطف الأخير. شعرت في البداية أنّ ذلك خطأ، لكن في الحقيقة كان ذلك أمرًا جيدًا للغاية، إذ في حال غادرت المنعطف الأخير بذلك الفارق لحصل على الزخم ولكان الفارق بيننا قريبًا من طول ثلاث إلى أربع سيارات، وكان ليستفيد من عامل السحب بشكلٍ أفضل وكان ليتجاوزني. كانت نتيجة ذلك مثالية".

كما قرّر هاميلتون عدم الضغط بشكل كامل على دواسة الوقود من أجل إبقاء فيتيل عالقًا خلفه.

وقال "توجّهنا إلى المنعطف الأوّل وكانت إطاراتي باردة للغاية، لذلك أغلقت مكابحي قليلاً. ضغط على دواسة الوقود قبلي وكان بوسعي سماع ذلك، وبدأنا بالنزول (نحو منعطف أوروج) ولم أضغط بالكامل على دواسة الوقود، كنت ربّما بنسبة 90 بالمئة، فقط لإبقائه قريبًا منّي قدر المستطاع".

ثمّ تابع "علمت أنّه لن يتجاوزني حينها لأنّه يعلم أنني سأعود لتجاوزه على الخطّ المستقيم عبر عامل السحب".

وأضاف "عندما تجاوزنا منعطف أوروج ضغطت بأقصى طاقة على المحرّك. وصلنا أعلى التلّة ولم تكن أمامه مساحة لزيادة زخمه لذلك توجّه إلى جانبي. كانت معركة رائعة لكن كان من الرائع عبور المنعطف الخامس بعد أن قمت بما يكفي للبقاء أمامه. كنت سعيدًا للغاية بذلك".

وفي المقابل، لم يتمكّن السائق الآخر في مرسيدس فالتيري بوتاس الذي كان يستخدم الإطارات اللّينة كذلك من الحفاظ على مركزه الثالث إذ تمّ تجاوزه من قبل دانيال ريكاردو وكيمي رايكونن ليتراجع إلى المركز الخامس.

من الناحية النظريّة، كان فيتيل يمتلك أفضلية الإطارات خلال اللّفات الأولى، ولكنه لم يحصل على فرصة واقعية للتجاوز. كان الوضع مريبًا داخل أروقة مرسيدس، إذ كان البعض متخوفًا من خسارة السباق، إلّا أنّ القلق سرعان ما تبدّد في اللّفات التالية.

وعن ذلك، قال وولف "نعم، كنت قلقًا. ولكنّ جيمس فولز (مسؤول الاستراتيجية) لم يكن كذلك. كان طاقم الفريق يعلم بأنّ إطارات ألترا ستكون الأفضل فور انطلاق السباق من جديد خلال أوّل لفتين، ولكن إذا تمكّنا من الدفاع عن مركزنا، فإنّ إطارات السوفت كانت ستكون الأفضل حتى النهاية. وقد أثبت هذا القرار صحته".

لكنّ السباق لم ينتهِ، إذ تعيّن على هاميلتون الوصول إلى خطّ النهاية أوّلاً، حيث اعترف البريطاني بأنّ معركة اللّفات الأخيرة كانت صعبة بسبب هجمات فيتيل.

وقال "كانت اللفّات التسع أو العشر التالية بمثابة تجارب تأهيليّة، كانت لفّات قاسية وسريعة لمحاولة الإبقاء على ذلك الفارق".

وأضاف "كان فيتيل سريعًا للغاية وكانت إطاراته أفضل، لذلك توجّب عليّ تقديم بعض اللفّات الجيّدة حقًا من أجل البقاء أمامه، إذ أنّه كان سريعًا للغاية خلال النصف الثاني من السباق".

لقد جاء هذا الفوز في الوقت المناسب مع انطلاق قطار الفورمولا واحد من جديد بعد استراحةٍ دامت لعدّة أسابيع بسبب العطلة الصيفية.

وفي نهاية المطاف، استطاع سائق مرسيدس تقليص الفارق في البطولة إلى 7 نقاط بعدما كان عبارة عن 14 قبل خوض هذه الجولة.

ولكن لا يمكننا أن ننسى الدور الذي لعبته سيارة الأمان في السباق، فهي من جهة منحته فرصةً لتبديل إطاراته، ومن المؤكّد أنها لم تضرّ حظوظه بالفوز، بل على العكس تمامًا.

وقال وولف "كان السباق ليكون أكثر صعوبة بالنسبة لنا من دون دخول سيارة الأمان، كونه تعيّن علينا اتخاذ القرار حيال إدخال هاميلتون إلى منطقة الصيانة بسبب تحبحب الإطار الخلفي الأيمن. لم تكن مشكلة حرجة، ولكن كانت أمامنا 14 لفة حتى النهاية ما كان سيضع هاميلتون في وضعٍ صعبٍ للغاية".

وأنهى وولف حديثه قائلاً "لربما تململ لويس من دخول سيارة الأمان في البداية، ولكنها كانت السيناريو الأمثل بالنسبة لنا في تلك المرحلة من سباقه".

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة بلجيكا الكبرى
حلبة سبا-فرانكورشان
نوع المقالة تحليل