تحليل السباق: لماذا شعرت مرسيدس بالحاجة للتدخّل في السباق الختامي الحاسم

حاول لويس هاميلتون استخدام موقعه على المسار في مسعىً منه لانتزاع اللقب لصالحه في أبوظبي، بالرغم من أوامر الفريق بعدم القيام بذلك. في نهاية المطاف لم تنجح محاولة البريطاني وخرج نيكو روزبرغ بطلاً خلال سباقٍ ختاميّ حامي الوطيس.

قبل انطلاق مجريات جائزة أبوظبي الكبرى، كانت مخاوف العديد من المراقبين أن تنتهي المعركة على لقب موسم 2016 مبكّراً، في ظلّ إمكانيّة حسم المنافسة نتيجة حادثٍ عند المنعطف الأوّل أو انسحاب هاميلتون مبكّراً.

لكن خلال السباق، لم تُعرف هويّة الفائز باللقب رسمياً إلّا بعد عبور العلم الشطرنجي، حيث أكمل روزبرغ السباق ثانياً ضامناً نقاطاً كافية لإحراز لقبه الأوّل.

وعلى مدار مسافة السباق، شهدنا إحدى أكثر المعارك إثارة خلال الفترة الأخيرة، حيث قام هاميلتون بإبطاء زميله عمداً بأسلوب أثار الكثير من الجدل.

وكان سيباستيان فيتيل وماكس فيرشتابن بدورهما بصدد اللحاق بثنائي مرسيدس، حيث كان كلٌ منهما يتّبع استراتيجيّة مختلفة أثمرت كلتاهما نتيجة متقاربة في النهاية ليعبر الأربعة الأوائل خطّ النهاية بفارق 1.685 ثانية فقط.

مرسيدس تفرض قوانينها

سار كلّ شيء وفق خطط مرسيدس، خلال التجارب التأهيليّة على الأقل، حيث ضمن هاميلتون وروزبرغ انطلاقهما من الصفّ الأوّل على شبكة الانطلاق.

وحتّى قبل انطلاق مجريات عطلة نهاية الأسبوع، خلط كريستيان هورنر مدير فريق ريد بُل الأوراق بعض الشيء عندما اقترح أنّ على هاميلتون إبطاء روزبرغ وجعله عرضة لهجمات السائقين الآخرين خلفه. كانت مرسيدس تعي جيّداً إمكانيّة وقوع سيناريو مماثلٍ، وقدّ تمّ تباحث ذلك داخل بيت الماكينات الألمانيّة مسبقاً.

أمّا ضمن حديثه إلى وسائل الإعلام، فقد قال توتو وولف مدير الفريق أنّه يتوقّع "سلوكاً رياضياً" من سائقيه.

كما كانت هناك الكثير من الأمور الأخرى التي توجّب على مرسيدس القلق حيالها، لعلّ أبرزها إمكانيّة مواجهة إحدى السيارتين مشكلة ميكانيكيّة تحدّد وجهة بطولة العالم.

وقال بادي لوي المدير التقني للفريق لموقعنا «موتورسبورت.كوم»: "كانت أوقاتاً حامية".

وأضاف: "قام الفريق بعملٍ رائعٍ في السباقات الـ20 الماضية. كنّا مرتاحين نوعاً ما من خلال حقيقة اتّخاذنا لجميع الإجراءات، لدينا كلّ البيانات التي جمعناها من أجل جعل هندستنا وعمليّاتنا أكثر موثوقيّة، وسيتواصل ذلك طوال اليوم".

وتابع: "ما كنّا نريده هو انطلاقتان جيّدتان، عبورٌ نظيفٌ للمنعطف الأوّل، وإكمال السيارتين للسباق، وتحقيق الثنائيّة بشكلٍ مثالي. وحصلنا في النهاية على جميع تلك الأمور...".

لكن كما شاهدنا، فلم تكن فترة ما بعد ظهر الأحد خالية من الضغط بالنسبة لمرسيدس. كما قال لوي، فإنّ الانطلاقة وعبور المنعطف الأوّل كانا نظيفين، كما بدا أنّه قد تمّ التخلّص من خطرٍ محدقٍ إضافيٍ عندما التفّت سيارة فيرشتابن عند المنعطف الأوّل.

تأهّل الهولندي وزميله دانيال ريكاردو على متن إطارات "سوبر سوفت" في القسم الثاني من التجارب التأهيليّة عوضاً عن إطارات "ألترا سوفت" ضمن مساعي ريد بُل مرّة أخرى لتسليط بعض الضغط على مرسيدس من خلال اتّباع وجهة مختلفة. لكن بالرغم من تراجعه إلى المركز الأخير، لم يكن فيرشتابن خارج الصورة بعد...

هاميلتون بطيء منذ البداية

لم نكن نعلم حينها، لكنّ مرسيدس شعرت منذ اللفّات الافتتاحيّة أنّ هاميلتون لم يكن يقود بأقصى قدرات سيارته "دبليو07". لهذا السبب حصلنا على مشهدٍ غير معتاد، حيث أطلق متصدّر السباق سلسلة التوقّفات الأولى عندما قام بتغيير إطاراته منذ اللفّة السابعة بينما كان كيمي رايكونن ثالثاً حينها بفارق ثلاث ثوانٍ فحسب، أمّا روزبرغ فقد كان ثانياً بفارق 1.7 ثانية عن البريطاني.

"لو وسّعنا الفارق أكثر في البداية، لبقينا لفترة أطول" قال لوي.

وأضاف: "لكنّ المخاطرة كانت أنّ هناك إمكانيّة كبيرة للتوقّف قبلنا والانتقال إلى إطارات «سوفت» وتجاوزنا، وبالنظر إلى الفوارق التي كانت بحوزتنا فلم يكن بوسعنا المجازفة بمنح الآخرين تلك الفرصة، لذلك أجرينا التوقّف حالما كان الفارق كافياً لعدم خروجه في منطقة الزحام".

وأكمل: "من النادر بالنسبة إلينا عدم الحصول على أيّة أفضليّة عند تلك المرحلة من السباق. لم يتبيّن أنّ لدينا وتيرة سريعة بالقدر الذي كنّا نأمله، لنقل عند تلك المرحلة...".

خسر هاميلتون بعض الوقت أثناء توقّفه نتيجة انتظاره لعبور رايكونن في خطّ الحظائر، بينما حدث الأمر عينه مع زميله روزبرغ وفيتيل في اللفّة التالية.

لكنّ المفاجأة التي لم يكن الجميع يتوقّعها تمثّلت في دخول ريكاردو في اللفّة التالية وتخلّصه المبكّر من إطارات "سوبر سوفت" في وقتٍ كان يُتوقّع فيه بقاءه على الحلبة لأطول فترة ممكنة، يعود ذلك جزئياً إلى إغلاقه لمكابحه في اللفّة الأولى ما جعل من إطالة تلك الفترة الأولى أمراً غير مرغوبٍ فيه كثيراً.

قرارٌ مهمٌ لروزبرغ

مثّل فيرشتابن عاملاً جديداً عند تلك المرحلة، بالرغم من التفاف سيارته وتآكلها كثيراً عند المنعطف الأوّل، كان صاحب الـ 19 عاماً قادراً على التقدّم وسط الترتيب والبقاء على الحلبة ضمن ما تبيّن لاحقاً أنّها استراتيجيّة توقّفٍ وحيد.

وكان الجانب المثير يتمثّل في تواجده في المركز الثاني بالنظر إلى عدم توقّفه، ليفصل بذلك بين ثنائي مرسيدس.

تسبّب ذلك في صداعٍ لروزبرغ وفريقه بالنظر إلى أنّ أحداً لم يكن يتوقّع سيناريو مماثلاً.

"تسبّبت كلٌ من سيارتي فيراري في تعطيلنا قليلاً داخل خطّ الحظائر لسوء الحظّ" قال لوي، وأضاف: "لكن لم يكن ضرراً كبيراً، ما عدا تواجد فيرشتابن باستراتيجيّته المختلفة أمامنا، خلق ذلك بعض الصعوبات لروزبرغ. في النهاية خاطبناه على الراديو وأخبرناه أنّه لا يسعه الانتظار أكثر، عليه الضغط من أجل تجاوزه".

بالفعل، سمعنا مهندس روزبرغ يُخبره على الراديو أنّ تجاوز فيرشتابن "أمرٌ حرج".

"لم يكن ذلك أمراً من الرائع سماعه" قال روزبرغ مازحاً بعد السباق، وأضاف: "حقاً؟ تجاوز فيرشتابن أمرٌ حرج؟ صدقاً، كان ذلك أمراً سيّئاً، سيّئاً للغاية. كان شعوراً مروّعاً!".

وبالنظر إلى سمعة فيرشتابن بتصعيب مهمّة منافسيه، وحقيقة خوضهما لصراعات حامية سابقاً على حلبات مثل مونتريال، وألمانيا والمكسيك، من دون ذكر تجاوز فيرشتابن الجريء في الأجواء الممطرة في البرازيل، قد يُغفر لروزبرغ شعوره بالقلق حيال ذلك.

لكن لمنحه حقّه، فقد أقدم الألماني على تجاوز الهولندي بحركة جريئة، وبالكاد منحه فيرشتابن مسافة كافية.

وقال الألماني: "المشاعر التي اجتاحتني أثناء المعركة معه وبعد أن أدركت أنّني تجاوزته، لم أشعر بشيء مماثلٍ داخل سيارة سباقٍ في كامل حياتي. ولا أريد مطلقاً أن أعيد تجربتها...".

من جانبه قال لوي: "كان تجاوزاً رائعاً، بالنظر إلى أنّ الخطر الأكبر المحدق بروزبرغ كان مواجهته لحادثٍ ما يطيح به خارج السباق. بالرغم من ذلك كانت محاولة شجاعة، لكنّه تحكّم فيها ببراعة، تسابق متقارب. لذلك كان تجاوزاً رائعاً من روزبرغ وهو ما كان أمراً حرجاً بالنسبة لبطولته".

وتابع: "كما نكنّ الاحترام لفيرشتابن، إذ لم يقم بأيّ شيء سخيف كان من شأنه التأثير على البطولة".

ببلوغ السباق لفّته الـ 20 عاد روزبرغ إلى المركز الثاني. قدّم الألماني بعد ذلك سلسلة من أسرع اللفّات ليُقلّص الفارق مع هاميلتون إلى ثلاث ثوانٍ عندما أجرى البريطاني توقّفه في اللفّة الـ 28، بينما قام روزبرغ بتغيير إطاراته بعده بلفّة.

بدا من الواضح حينها أنّ هناك عاملاً آخر محتملاً تمثّل في تقدّم فيتيل في الصدارة وبقاءه على الحلبة، ليُحاول فعلياً تقليص طول الفترة الأخيرة من سباقه التي كان يُخطّط لأن يستخدم خلالها مجموعة جديدة من إطارات "سوبر سوفت" كان قد احتفظ بها مسبقاً.

كان من الواضح أنّه سيكون السائق الأسرع على الحلبة خلال الفترة الأخيرة، سريعاً بما فيه الكفاية ليُمثّل خطراً على سائقَي مرسيدس.

بالفعل، فبعد لفّات قليلة من إجراء هاميلتون لتوقّفه سُئل البريطاني عن سبب سيره ببطء، وتمّت الإشارة إلى أنّه سيكون عرضة لخطر فيتيل لاحقاً.

هاميلتون يتّخذ موقفاً

كانت اللفّات الـ 25 التالية غير اعتياديّة على الإطلاق، حيث تلقّى هاميلتون سلسلة من الرسائل من فريقه بخصوص وتيرته البطيئة.

بعد توقّفه الأخير والانتقال إلى إطارات "سوبر سوفت"، كان فيتيل يُحلّق على حلبة مرسى ياس إذ كان أسرع بـ 2.5 ثانية في كلّ لفّة من ثنائي مرسيدس. تجاوز رايكونن وأتبعه بريكاردو ومن ثمّ فيرشتابن بشكلٍ أكثر أهميّة.

عند تلك النقطة وجّه لوي نفسه رسالة إلى هاميلتون طالباً منه رفع وتيرته، موضحاً أنّ تلك "تعليمات".

"لا أستطيع الإجابة بخصوص وتيرة السيارة، لست من يقودها" قال لوي، وأضاف: "في النهاية كان هاميلتون من يقود السيارة، يعلم المستوى الذي هي عليه. عندما تكون في الصدارة، تكون بصدد التحكّم في السباق وذلك موقعك للقيام بذلك".

وأردف: "كلّ ما يسعنا القيام به هو تقديم بعض التوصيات، ونصح السائق بخصوص بعض التهديدات. بلغنا نقطة كان فيها الفوز تحت طائلة تهديدٍ حقيقيٍ من فيتيل، وأوصلنا له تلك المعلومة بعبارات واضحة للغاية".

وأكمل: "في النهاية، مثلما قلت، لا يُمكنني معرفة وتيرة السيارة، في حال كان بوسعه السير بوتيرة أسرع واختار عدم القيام بذلك. أوضحنا له أنّ تلك الوتيرة اللازمة من أجل حماية الفوز. ما سيقوم به هو بناء على تلك المعلومة في النهاية يعود إليه".

قد يُجادل البعض أنّ مركز روزبرغ الثاني كان تحت التهديد، لكنّ الفوز نفسه لم يكن كذلك. هل كان من المؤكّد أنّ هاميلتون يستطيع الضغط بأقصى قوّته حالما يُشاهد سيارة حمراء في مرآته؟ لكنّ لوي أصرّ على أنّ تلك لم تكن محاولة لترجيح كفّة روزبرغ عندما طلب من هاميلتون رفع وتيرته.

وقال البريطاني في هذا الخصوص: "الهدف الأساسي الواضح لفريق فورمولا واحد هو الفوز بكلّ سباق، وبشكلٍ مثالي يكون تحقيق الثنائيّة. وقدّ تمّ توضيح ذلك للسائقين".

وأكمل: "لا نهتمّ للترتيب الذي سيُكملان عليه، لكنّنا نسعى لتحقيق الثنائيّة، ولم نكن جاهزين للتضحية بتلك الأهداف لصالح بطولة العالم للسائقين".

في النهاية، لم تعمل مقاربة البريطاني، بالرغم من أنّه كان قريباً من ذلك. عندما عبر خطّ النهاية إثر 55 لفّة، كان روزبرغ مباشرة خلفه، كما كان عليه الحال خلال السباقات الثلاثة الماضية. كان ذلك كافياً ليُحقّق الألماني أوّل ألقابه.

"كان بوسعي رؤيتهما يقتربان خلال اللفّات الـ 10 الأخيرة" قال روزبرغ، وأضاف: "وفي ظلّ ما كان يقوم به هاميلتون، لم أعلم مدى ضغطه عليّ هو أيضاً".

وتابع: "كنت لأقدم على محاولة متطرّفة بالكامل، لكن حينها قد تحدث فوضى. لم أعلم ماذا أتوقّع، كان ذلك صعباً للغاية".

لم يكن خفياً على أحدٍ أنّ المشاعر كانت مختلطة في منطقة الفريق بعد السباق، حيث حاول لوي، ووولف ونيكي لاودا الاتّفاق على حقيقة أنّ هاميلتون قام بما أراده، وكيف أدّى ذلك إلى تغيّرٍ لم يكن متوقّعاً لما كان يجب أن يكون مساءً احتفالياً.

رُبّما واجهت مرسيدس بعض الضغط الإضافي، لكنّ يوم الأحد الماضي كان يوماً رائعاً للفورمولا واحد ككلّ، حيث حُسم اللقب خلال اللفّة الأخيرة من 21 سباقاً ضمن أطول مواسم البطولة على مرّ تاريخها.

"مثّلت الوتيرة مشكلة طوال فترة ما بعد الظهر، لكن على الجانب الإيجابي حصلنا على نهاية رباعيّة" قال لوي، وأضاف: "تتمحور الفورمولا واحد حول توفير الإمتاع والعرض الرائع".

واختتم حديثه بالقول: "لم تكن لتتمنّى عرضاً أفضل من ذلك، أن ينتهي السباق بذلك التقارب مع حصولنا على الثنائيّة وضمان روزبرغ للبطولة. كانت نتيجة مثاليّة لنا".

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة أبوظبي الكبرى
حلبة حلبة ياس مارينا
قائمة السائقين لويس هاميلتون , نيكو روزبرغ
قائمة الفرق مرسيدس
نوع المقالة تحليل