تحليل السباق: كيف وجّه هاميلتون الضربة الأخيرة لفيتيل

رُبّما بدت مهمّة لويس هاميلتون سهلة في طريقه إلى الفوز بجائزة الولايات المتّحدة الكبرى، لكنّ حقيقة فاعليّة استراتيجيّة التوقّفَين جعلت من فترة ما بعد ظهر الأحد مثيرة للأعصاب بالنسبة لطاقم مرسيدس.

صحيحٌ أنّ البريطاني لم يقم بما يكفي لضمان لقبه الرابع قبل ثلاثة سباقات على نهاية الموسم، إلّا أنّه قدّم أداءً لا يُشقّ له غبار في أوستن وبات قاب قوسين أو أدنى من ضمان ذلك.

شهد هذا السباق كثيرًا من الإثارة على مختلف الأصعدة والمراكز، إذ تضمّن تجاوزًا من هاميلتون على فيتيل نحو الصدارة بشكلٍ مشابه لسباق برشلونة في مايو/أيار الماضي.

كما تنوّعت الاستراتيجيّات أيضاً، حيث توقّف هاميلتون مرّة وحيدة بينما توقّف منافسه مرّتين.

لكنّ سائق مرسيدس كان سريعًا للغاية في نهاية المطاف بالنسبة لفيراري، وفي يومٍ لم يُعانِ فيه فيتيل من أيّة مشاكل تقنيّة أو سوء حظّ، عاد الضوء ليُسلّط على إحباطات السباقات الثلاثة الماضية التي خسر فيها الكثير من النقاط.

بدأت فترة ما بعد الظهر بشكلٍ واعد بالنسبة لفيتيل وفيراري بعد أن قدّم الألماني انطلاقة رائعة واقتنص الصدارة من هاميلتون عند المنعطف الأوّل. لكنّه لم يتمتّع بالوتيرة الكافية لتوسيع الفارق، وبقي غريمه البريطاني خلفه يتربّص به قبل تجاوزه في اللفّة السادسة.

"كنت أدرسه خلال تلك اللفّات" قال هاميلتون، وأضاف: "لا أعلم كم من الوقت سيتطلّب الأمر، لكنّني حصلت على شعورٍ جيّدٍ من السيارة وحافظت على إطاراتي وكانت في حالة جيّدة. كانت يستهلك إطاراته كثيرًا وكنت لأتجاوزه".

وتابع: "بدأت حينها بالضغط. علمت أنّ عليّ وضع السيارة في موقعٍ جيّد من أجل تجاوزه في تلك المرحلة وكنت قادرًا على القيام بذلك".

صحيحٌ أنّ محاولته جاءت عبر نظام "دي آر اس"، إلّا أنّها كان تجاوزًا جريئًا في نهاية المطاف.

إذ قال فيتيل: "شعرت أنّ السيارة والإطارات تعاني كثيرًا بعد ثلاث أو أربع لفّات فقط. كان هاميلتون قادرًا على البقاء على مقربة منّي بسهولة وقلّ الفارق ليتواجد ضمن مجال «دي آر اس»، وهو ما لا يكون سهلًا عادة بعد القسم السريع، أي أنّه كان أسرع ببساطة".

وأضاف: "حاولت حجزه. رُبّما كان بوسعي القيام بالمزيد، لكنّني أعتقد في المقابل أنّه كان أسرع بكثير لدرجة أنّ ذلك لم يكن يُهمّ".

شرع هاميلتون بالابتعاد في الأمام منذ ذلك الحين، وبحلول اللفّة الـ 15 ارتفع الفارق بينهما إلى 4.4 ثانية. ببساطة لم تتمتّع فيراري بوتيرة كافية لمنافسة مرسيدس، رُبّما يعود ذلك لخسارة فيتيل للكثير من الوقت يوم الجمعة وفقدانه لفرصة تحسين إعداداته أكثر حينها.

"كانت ثقتي جيّدة اليوم بأنّنا سنكون أفضل، لكنّ ذلك لم يحدث" قال فيتيل، وأضاف: "أدركت بعد بضع لفّات، وتقريبًا في اللفّة التي سبقت تجاوز هاميلتون لي، أنّني كنت أعاني مع الإطارات أكثر ممّا كان عليه هو والآخرون في السباق. لذلك أحتاج لفهم سبب ذلك".

فيتيل يُغامر

توجّب على فيراري محاولة القيام بشيء مختلف، وبعد ذلك بلفّة استدعت فيتيل لإجراء توقّفه ومنحه فرصة تقديم وتيرة أسرع على الإطارات الليّنة "سوفت" وترك الباب مفتوحًا أمامه لإجراء توقّفٍ ثانٍ لاحقًا أو المواصلة حتّى النهاية.

لكنّ مرسيدس اعتبرت ذلك مبكّرًا للغاية: بالنسبة لمحاولة إكمال السباق بتوقّف وحيد وسيكون من الصعب بلوغ خطّ النهاية من دون مواجهة مشاكل، أو إجراء توقّفين وإمكانيّة التقدّم إلى الأمام.

تسارعت وتيرة فيتيل منذ مغادرته خطّ الحظائر وكانت لفّته الأولى بعد ذلك الأسرع في السباق. وبثقتها في أنّ هاميلتون تمتّع بأفضليّة كافية، لم تستجب مرسيدس مباشرة عبر إيقاف هاميلتون، بل أجرت توقّف بوتاس في اللفّة الـ 18 لضمان عدم تجاوزه من قبل كيمي رايكونن الذي كان خلفه بثوانٍ قليلة.

لكنّ السهام الفضيّة استدعت هاميلتون في اللفّة التالية، أي بعد ثلاث لفّات من توقّف فيتيل. توقّعت مرسيدس أن يعود البريطاني بشكلٍ مريح بفارق 1.5 ثانية أمام سائق فيراري، لكنّ لفّة فيتيل الثانية كانت سريعة بشكلٍ مدهش.

يعود ذلك جزئيًا إلى خروجه قليلًا عن المسار في اللفّة الـ 19 ومُغامرته بالمرّة الوحيدة أو "الجوكر" الذي يُمكنه من خلاله الخروج عن المسار من دون مواجهة عقوبة من "فيا" للقيام بذلك بشكلٍ متواصل.

نتيجة لذلك تقدّم هاميلتون بفارق 0.6 ثانية فقط على غريمه الألماني عندما خرج من خطّ الحظائر ووجد نفسه مضطرًا للدفاع أمامه بشكلٍ غير متوقّع عند الخروج من المنعطف الأوّل. انزلقت سيارة فيتيل قليلًا عند مغادرة المنعطف، لكنّ هاميلتون كان في مأمنٍ أمامه، بالرغم من أنّ مهمّته لم تكن سهلة.

"كان ذلك قريبًا يا رفاق" قال هاميلتون عبر اللاسلكي، وأضاف: "لماذا سمحتم له بالاقتراب كثيرًا".

لكنّ البريطاني بدا أقلّ قلقًا بعد السباق، حيث قال: "أجرى توقّفه مبكّرًا، أعتقد أنّه كان بوسعي المواصلة كون إطاراتي كانت جيّدة، لكن من الواضح أنّه قلّص الفارق سريعًا عبر توقّفه قبلنا وضغط بقوّة".

وأضاف: "لذلك عندما عدت أخبروني بأنّي أنافس سيباستيان. اعتقدت أنّني عدت أمامه بفارق كبير، لكن ذلك كان مثيرًا للحماس في الحقيقة. بعد معرفة كيف جرت الأمور لم يكن من السيّئ للغاية لو تجاوزني إذ أنّنا كنّا لنخوض معركة أخرى".

لكن بالنظر إلى الأزمنة أكثر، أمضى فيتيل 24.3 ثانية في خطّ الحظائر أثناء توقّفه، بينما أمضى هاميلتون 23.5 ثانية، ما يعني أنّ المنافسة كانت لتكون متقاربة أكثر لو كانت فترة تواجده في خطّ الحظائر أقلّ ممّا كانت عليه.

وقال توتو وولف مدير فريق مرسيدس حيال ذلك: "مرّت فترة طويلة منذ أن حظينا بسباقٍ لم تكن فيه الاستراتيجيّة المناسبة واضحة".

وأضاف: "كان لدينا فارق 5 ثوانٍ بين هاميلتون وفيتيل، وشعرنا أنّ ذلك كان كافيًا لإجراء توقّف بوتاس أوّلًا لحماية مركزه. لكنّ فيتيل قدّم لفّة خروج رائعة وكان سريعًا حقًا كما أنّ توقّفه كان جيّدًا، لذلك ربّما نحتاج في المستقبل لاعتماد هامش أمان أكبر في الأوضاع المماثلة".

استمتع رايكونن بلفّة في الصدارة قبل إجراء توقّفه، ليرث بذلك ماكس فيرشتابن الصدارة بعدما قاد ببراعة على متن إطاراته "سوبر سوفت" ليتقدّم من المركز الـ 16 إلى الخامس. كان الهولندي يتّجه للبقاء لفترة أطول من سائقي الصدارة، وبالرغم من تراجع أداء إطاراته عند تلك المرحلة إلّا أنّه صعّب مهمّة هاميلتون لتجاوزه، إذ بقي أمامه طوال لفة كاملة قبل أن ينتزع الفهد الأسمر المركز الأوّل في اللفّة الـ 23.

وخلال أربع لفّات فقط، تمكّن هاميلتون من الابتعاد بـ 3 ثوانٍ عن فيتيل، قبل أن يبدأ الفارق بالاتّساع أكثر ليصل إلى 7 ثوانٍ بحلول اللفّة الـ 37. وقال سائق مرسيدس بخصوص ذلك: "عندما تجاوزته، تعلّق الأمر بالحفاظ على وتيرتي والاعتناء بالإطارات، وهو ما قمت به".

باب الاستراتيجيّة مفتوح

كانت مسألة إكمال السباق بتوقّف وحيد أو تغيير الإطارات مجدّدًا لا تزال مطروحة بالنسبة لسائقي الصدارة. سأل فيتيل فريقه عبر اللاسلكي: "أفكّر بالخطّة البديلة"، ليتمّ إعلامه بأنّ الفريق كان يُفكّر بذلك بالفعل. عند تلك المرحلة، قرّرت ريد بُل تجربة أمرٍ مختلف مع فيرشتابن عبر استدعائه لتوقّفٍ ثانٍ.

مثّل ذلك العامل المحفّز لدخول فيتيل في اللفّة الـ 38. وبحصوله على مجموعة من إطارات "سوبر سوفت"، بقيت أمامه 18 لفّة حتّى نهاية السباق. كان الألماني متأخّرًا بـ 25 ثانية عن هاميلتون حينها، وتمحور السؤال حينها حول ما إذا كان ذلك الفارق كافيًا لمرسيدس لضمان إكمالها السباق على الإطارات الليّنة التي ستقطع 37 لفّة حينها.

وسرعان ما قدّم هاميلتون علامة على امتلاكه لوتيرة كافية للبقاء في الأمام عبر سلسلة من اللفّات السريعة، وذلك منح الفريق الثقة لإبقائه على المسار وعدم القلق حيال إجراء توقّفٍ ثانٍ.

لكنّ الوضع لم يكن بذلك الوضوح.

"لم نكن مرتاحين لأنّه قبل 25 إلى 28 لفّة على النهاية لم يكن من الواضح ما إذا كان السباق سيقتصر على توقّفٍ واحد أو اثنين" قال وولف، وأضاف: "خاضت فيراري محادثات مع فيتيل حول إبقاء الإطارات حتّى النهاية، لكنّ خطّتهم في الحقيقة كانت توقّفين".

وتابع: "عندما قاموا بذلك كان علينا اتّخاذ قرارنا، هل سنقوم بتغطية فيتيل لأنّه عدوّنا، أم أنّنا سنؤمن بمحاكاتنا؟ قرّرنا الالتزام بخطّتنا وتمكّن هاميلتون من الإبقاء على الإطارات حتّى النهاية".

في المقابل وجد فيتيل نفسه أمام عملٍ إضافي. إذ تراجع الألماني إلى المركز الرابع واضطرّ للتركيز على اللحاق ببوتاس ورايكونن أمامه. تمكّن الألماني من تجاوز سائق مرسيدس في اللفّة الـ51 عند المنعطف الأوّل ليتقدّم إلى المركز الثالث قبل أن يفسح له زميله رايكونن المجال بعد ذلك بلفّتين.

وفي حين أنّه شرع بعد ذلك في تقليص الفارق مع هاميلتون، إلّا أنّ ذلك لم يكن كافيًا لتشكيل تهديد على سائق مرسيدس. في النهاية عبر سائق فيراري خطّ النهاية متأخّرًا بـ 10.1 ثانية، أي أكثر بثلاث ثوانٍ فقط ممّا كان عليه عندما أقدم فيتيل على إجراء توقّفه الثاني قبل 18 لفّة.

لم يندم الألماني على الاستراتيجيّة التي اتّبعها.

إذ قال: "شعرت بأنّ الإطارات كانت سيّئة في الفترة الأولى ولم أكن متأكّدًا في الثانية. تحدثنا حول ذلك عبر اللاسلكي وقرّرنا اتّباع خطّة مختلفة، حيث كان من الصعب حينها توقّع ما سيحدث".

وأضاف: "لكنّني أعتقد أنّك في حال نظرت إلى الموقع الذي كنّا فيه قبل ثلاث أو أربع لفّات على النهاية فقد كان ذلك الخيار المناسب على الأرجح".

وطغى قرار العقوبة المثيرة للجدل بحقّ ماكس فيرشتابن على الفترة التي تلت السباق.

إذ بانطلاقه من المركز الـ 16، قدّم الهولندي أداءً قويًا على إطارات "سوبر سوفت"، قبل أن ينتقل بعد ذلك إلى إطارات "سوفت" و"سوبر سوفت" جديدة في توقّفيه ما منحه وتيرة قويّة، خاصة في القسم الأخير من السباق.

عندما حصل سائق ريد بُل على مساحة خالية أمامه في اللفّة الـ 10 بعد تجاوزه لإستيبان أوكون، كان الفارق بينه وبين هاميلتون 18.3 ثانية، لكنّه عبر خطّ النهاية بفارق 11.7 ثانية عن البريطاني ما يُؤكّد الوتيرة القويّة التي تمتّع بها.

لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ فيرشتابن كان ليُنافس على الفوز لو انطلق من مركزٍ متقدّم، إذ اعترف كريستيان هورنر مدير فريق ريد بُل أنّ هاميلتون تمتّع على الأرجح بوتيرة إضافيّة قام بادّخارها.

بالرغم من ذلك كان أداءً مثيرًا للإعجاب من فريقٍ بات ضمن المعركة مع مرسيدس وفيراري مؤخّرًا.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة الولايات المتحدة الكبرى
حلبة حلبة أمريكا
نوع المقالة تحليل