تحليل السباق: كيف قدّمت المكسيك ثلاثة سباقات في واحد

في حين أنّ ماكس فيرشتابن سيطر بأريحيّة على سباق المكسيك، إلّا أنّ فترة ما بعد ظهر الأحد شهدت سباقَين آخرين خلفه، إذ حاول سيباستيان فيتيل الإبقاء على آماله بالمنافسة على اللقب حيّة، في حين حاول لويس هاميلتون التقدّم لبلوغ مراكز النقاط.

حصل الجميع على معركة حماسيّة في المنعطفات الأولى من سباق المكسيك، إذ خاض ماكس فيرشتابن، وسيباستيان فيتيل ولويس هاميلتون منافسة متقاربة على صدارة السباق.

كانت معركة اشتاق لها الجميع منذ وقتٍ طويل: ثلاثة نجوم في ثلاث سيارات مختلفة يتنافسون على الصدارة. حتّى أنّ أحد المتنافسين الثلاثة اعترف بأنّ ذلك كان مشهدًا مميّزًا.

"كانت الانطلاقة جيّدة، ابتعد سيباستيان وتواجد ماكس هناك" قال هاميلتون، وأضاف: "كان ذلك رائعًا، كانت تلك المعركة التي انتظرتها لسنوات!".

لكنّ كلّ شيء تغيّر فجأة عندما تحرّك فيتيل بين غريمَيه، ليتسبّب في ثقب إطار هاميلتون بينما انكسر جناحه الأمامي ليتوجّها معًا إلى خطّ الحظائر بنهاية اللفّة الأولى.

في المقابل كان فيرشتابن الوحيد الذي خرج سليمًا من احتكاكات المنعطفات الأولى.

حصل المشجّعون حينها على فرصة متابعة ثلاثة سباقات منفصلة تقريبًا: سائق ريد بُل في الصدارة يتّجه لتحقيق فوزٍ باهر، في الوقت الذي كان فيه فيتيل وهاميلتون يشقّان طريقهما إلى الأمام مجدّدًا وكانت 20 ثانية تفصل بينهما حينها.

كانت نتيجة معركة البطولة على المحكّ حينها، أو على الأقل فرصة تمديدها من قبل فيتيل إلى السباق المقبل في البرازيل.

لكنّ هاميلتون تمكّن من عبور خطّ النهاية تاسعًا محقّقًا لقبه الرابع في الفئة الملكة.

السباق إلى المنعطف الأوّل

كانت صعوبة الانطلاقة أمرًا حتميًا. إذ أنّ التجاوز ليس بالأمر السهل في المكسيك، كما أنّ هناك مسألة التبريد والمشاكل المترتّبة على التواجد خلف سيارة أخرى أمامك.

بعبارة أخرى، كانت هناك أفضليّة أكبر من المعتاد بالتواجد في الأمام مع نهاية اللفّة الأولى من السباق.

وما زاد الوضع إثارة كان تواجد فيرشتابن على الصفّ الأوّل من شبكة الانطلاق. أظهرت ريد بُل وتيرة قويّة في السباقات الأخيرة، إذ فاز الهولندي في ماليزيا، لكنّ التجارب التأهيليّة كانت لا تزال تُمثّل مشكلة بالنسبة للحظيرة النمساويّة نتيجة تمتّع مرسيدس وفيراري ببعض الأفضليّة في القسم الثالث من التصفيات.

نتيجة لذلك كان مركزا الانطلاق الاعتياديين لسائقَي ريد بُل الخامس والسادس، ما يتركهما في مواجهة المزيد من العمل في بداية السباق لشقّ طريقهما إلى الأمام.

لكنّ الوضع كان مختلفًا في المكسيك. ساهم ارتفاع الحلبة عن سطح البحر وما يعنيه ذلك من انخفاض كثافة الهواء في تعزيز قوّة سيارة "آر.بي13"، إذ حسّن ذلك أداء حزمة الارتكازيّة العالية وقلّص في الوقت ذاته الفوارق بين المحرّكات. وذلك ما حدث بالفعل، إذ قدّمت ريد بُل أعلى سرعات قصوى في الموسم بالمقارنة مع منافساتها.

كان فيرشتابن سريعًا خلال التجارب التأهيليّة وبدا متّجهًا لضمان قطب الانطلاق الأوّل، لكنّه اكتفى بالمركز الثاني في نهاية المطاف خلف فيتيل، بينما اكتفى هاميلتون بالمركز الثالث.

بتواجد هؤلاء السائقين الثلاثة في الأمام، بدا فيرشتابن جاهزًا لتحدّي تواجد سيارة واحدة فقط أمامه عند الانطلاقة الحماسيّة المنتظرة. وكانت الانطلاقة بالفعل كذلك، بالرغم من أنّه كان من المؤسف خروج فيتيل وهاميلتون باكرًا من المعركة في المنعطفات الأولى من السباق.

كان هناك انزعاجٌ واضحٌ في مرآب مرسيدس، لكنّ قلق الحظيرة الألمانيّة كان أقلّ حدّة نتيجة تأخّر فيتيل أيضاً.

وقال توتو وولف مدير قسم رياضة السيارات في مرسيدس: "علم ماكس أنّ هناك الكثير على المحكّ بالنسبة لسيباستيان ولويس".

وأضاف: "علم فيتيل أنّها الفرصة الوحيدة للفوز بالسباق. وفجأة كان هاميلتون حذرًا قليلًا ووجد نفسه في الوسط وتوافرت فرصة للتقدّم إلى صدارة السباق. كانت النتيجة ذلك الحادث".

وأكمل: "فكّرت حينها في الحفاظ على الهدوء، والاستقرار وفهم الوضع والعمل بدءًا من هناك".

فيرشتابن يبتعد

مع محاولة المتنافسَين على اللقب لملمة جراحهما، بدأ فيرشتابن بالابتعاد في الأمام. أكمل اللفّة الأولى متقدّمًا بـ 1.7 ثانية عن فالتيري بوتاس قبل أن يُوسّع الفارق ليصل إلى 4.7 ثانية بحلول اللفّة العاشرة.

لم يكن الفنلندي قادرًا على مجاراة وتيرة سائق ريد بُل بكلّ بساطة.

لكنّ مرسيدس لم ترفع راية الاستسلام، إذ تمحورت استراتيجيّتها حول إبقاء بوتاس على المسار لأطول فترة ممكنة وهي تعلم أنّ ريد بُل لن تستدعي فيرشتابن ليعود حينها خلف الفنلندي ويُواجه خطر دخول سيارة الأمان ما سيمنح الأفضليّة لبوتاس.

كما أملت مرسيدس أيضاً أن يدفع فيرشتابن إطاراته الأماميّة أكثر ممّا هي قادرة على تحمّله.

لكن بحلول اللفّة الـ 32، تمّ اعتماد نظام سيارة الأمان الافتراضيّة نتيجة توقّف برندون هارتلي إلى جانب المسار، ليتوجّه جميع السائقين لإجراء توقّفاتهم بشكلٍ بديهي. بقي الفارق بينهما ثابتًا عند حاجز 8 ثوانٍ قبل وبعد التوقّف.

وفي حين أنّ بوتاس بدأ بالاقتراب من الهولندي في اللفّة التالية، إلّا أنّ الفارق عاد للاتّساع بعد ذلك مع تسريع فيرشتابن لوتيرته.

لكن بعد بضعة لفّات، طلب طاقم ريد بُل من فيرشتابن تخفيف وتيرته، وهو ما لا يُعتبر طلبًا طبيعيًا. كانت هناك مخاوف حيال الموثوقيّة بعد المشاكل التي أصابت محرّكات رينو خلال حصص التجارب والسباق نفسه.

وبالنظر إلى أنّ على هذا المحرّك أن يدوم للسباقَين الأخيرَين من الموسم، لم تكن هناك حاجة للضغط كثيرًا.

في النهاية عبر فيرشتابن خطّ النهاية أوّلًا بأريحيّة من خلال فارق 19.6 ثانية أمام بوتاس وبدا فوزه سهلًا. وبعد أن تجاوز هاميلتون بلفّة كاملة في وقتٍ مبكّر، كان فيتيل في مرمى بصره عندما عبر الهولندي خطّ النهاية.

"كان بوسعي خوض سباقي الخاص" قال فيرشتابن، وأضاف: "كنت أبتعد في كلّ لفّة. كان توازن السيارة رائعًا وكان بوسعي الحفاظ على الإطارات. تمكّنت من عبور خطّ النهاية هكذا. علمت أنّ السيارة جيّدة، لكنّني لم أعلم أنّها ستكون جيّدة بهذا الشكل في السباق".

تقدّم المتنافسين على اللقب

بعد توقّفهما في اللفّة الأولى، كان فيتيل متأخّرًا بـ 35 ثانية عن فيرشتابن، بينما كان هاميلتون بعيدًا بـ 59 ثانية عن المتصدّر. لم يكن الثنائي ليتمكّن من مجاراة وتيرة ركب الصدارة بالنظر إلى انتقالهما إلى إطارات "سوفت" في الوقت الذي كان فيه المتصدّرون يستخدمون إطارات "ألترا سوفت" التي تأهّلوا على متنها.

لكنّ خيارتهما بقيت مفتوحة، إذ أنّ الإطارات الليّنة ستكون قادرة على السماح لهما نظريًا بإكمال السباق من دون الحاجة للتوقّف مجدّدًا، لكن كان بوسعهما التخلّص منها خلال فترة سيارة الأمان الافتراضيّة أو سيارة أمان فعليّة في حال سنحت الفرصة، وكان بوسعهما العودة على إطارات ألين وأسرع حتّى نهاية السباق.

تأثّر هاميلتون بتوقّف كارلوس ساينز في اللفّة الثانية وعودته أمام هاميلتون، وبالنظر إلى أنّ سيارة رينو لم تكن بذلك البطء، واجه هاميلتون صعوبة في تجاوز الإسباني عندما لحق به.

لو علم الفريق أنّ ساينز سيتواجد أمامه ويؤثّر على تقدّمه لقام ربّما بمنح هاميلتون إطارات "سوبر سوفت" على أن يتوقّف مرّة أخرى لاحقًا.

وبشكلٍ مماثلٍ لعددٍ من المنافسين الآخرين، قرّر فيتيل وهاميلتون استغلال فرصة نظام سيارة الأمان الافتراضيّة لتغيير إطاراتهما، بالرغم من أنّ الأخير أجرى توقّفه قبل سائق فيراري بلفّة. اتّخذ الفريقان قرارات مختلفة، إذ انتقل فيتيل إلى إطارات "ألترا سوفت" مستخدمة بينما حصل هاميلتون على مجموعة جديدة من إطارات "سوبر سوفت".

ومع استئناف السباق، قدّم فيتيل وتيرة جيّدة على إطاراته ليتقدّم بقوّة وسط السيارات الأخرى في محاولة منه لإحياء آماله ضمن معركة اللقب. علم أنّ المركز الثاني سيكون هدفه.

بتواجده في المركز الثامن بعد التوقّفات، تمكّن الألماني من تجاوز كيفن ماغنوسن، وسيرجيو بيريز ولانس سترول وإستيبان أوكون.

كان زميله كيمي رايكونن هدفه التالي ومن الواضح أنّه كان ليفسح له المجال في حال طُلب منه ذلك، لكن كان عليه اللحاق به أوّلًا، إلّا أنّ الفنلندي كان بعيدًا للغاية في الأمام. إذ عندما أُعلم فيتيل بأنّه متأخّرٌ بـ 23 ثانية عن زميله أجاب على اللاسلكي: "ماما ميا، ذلك كثير على ما أعتقد".

لو انسحب فيرشتابن أو بوتاس من أمامه ما يفتح الباب أمام إمكانيّة تحقيق المركز الثاني، كان رايكونن سيُبطئ من سرعته بالطبع ليسمح لزميله بتجاوزه. لكنّ ذلك لم يحدث لذلك كان الفنلندي قادرًا على الحفاظ على مركزه الثالث.

عبر فيتيل خطّ النهاية بفارق 70 ثانية عن فيرشتابن، ما يُقارب لفّة كاملة.

تقدّم صعب لهاميلتون

في المقابل وجد هاميلتون صعوبة في التقدّم، كما أنّ حقيقة أنّ أسرع لفّاته في السباق كانت أبطأ بـ 1.1 ثانية من فيتيل أكّدت عدم تمتّعه بوتيرة قويّة نتيجة رُبّما لبعض الضرر على سيارته.

كان إحباط البريطاني واضحًا حيال تواجده في الخلف، حيث قال: "عندما تغادر المنعطف السادس هناك شاشة كبيرة، أي كلّ مرّة ألقي نظرة عليها وأحاول معرفة موقعي".

وأضاف: "تبحث عن جميع المعلومات، كان بوسعي رؤيتهم على الخطّ المستقيم الرئيسي وكنت أنا في المنعطف السابع. اعتقد أنّ ذلك هراء وسيّئ، لكنّني واصلت القيادة واعتقد أنّه مهما حدث سأكون قادرًا على خوض بعض المعارك في طريقي إلى المركز العاشر أو أيًا كان".

من جانبه قال وولف: "لا تعي ما يحدث عندما تتواجد في السيارة".

وأضاف: "لم يعلم ما إذا كان فيتيل لا يزال في المعركة. وبالنظر إلى أنّنا نركّز على استخراج أقصى أداء في السباق، لم نفكّر كثيرًا في النقاط".

وتابع: "عندما هدأ كلّ شيء أخبرناه بالوضع عبر اللاسلكي. سألنا إن كانت هناك إمكانيّة لحلول فيتيل في المركز الأوّل أو الثاني فقلنا كلّا. كانت إجابته حسنًا، ووصل كلّ شيء إلى حالة الهدوء وحاولنا تسجيل النقاط".

كان تجاوز المتصدّر لهاميلتون بلفّة كاملة في منتصف السباق مؤلمًا بالنسبة للبريطاني. لكنّه تمكّن من التقدّم بشكلٍ تدريجي وسط الترتيب قبل أن يخوض معركة ممتعة مع فرناندو ألونسو الذي لم يتساهل مع زميله السابق.

"لم يكن متساهلًا ولا أتوقّع أقلّ من ذلك منه!" قال هاميلتون، وأضاف: "هذا السائق يجب أن يكون أكثر من بطلٍ للعالم مرّتين، يملك أداءً استثنائيًا في السباقات، لكنّني أعتقد أنّني قدّمت عملًا جيّدًا مماثلًا له (ضمن معركتهما)".

في النهاية عبر البريطاني خطّ النهاية تاسعًا خلف ماغنوسن سائق هاس. لكنّ فيتيل كان قد عبر خطّ النهاية متأخّرًا بمركزين عمّا كان يحتاجه، أي أنّ نتيجة هاميلتون لم تكن مهمّة.

وقال وولف حيال ذلك: "نتيجة اليوم غير مهمّة بالنسبة للبطولة. أنا سعيدٌ بالطريقة التي انتهت عليها المنافسة لأنّ فيتيل كان يحتاج للحلول ثانيًا، ومع فوز ماكس وحلول فالتيري ثانيًا، علمنا أنّ لدينا هامشًا".

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة المكسيك الكبرى
حلبة أوتودرومو هرمانوس رودريغيز
نوع المقالة تحليل