تحليل السباق: كيف حصل هاميلتون على "المعجزة" التي كان يتمناها

كان من المُنتظر أن نحظى بسباقٍ مثير على حلبة مارينا باي في سنغافورة بعد هطول الأمطار وانتقال السائقين لاستخدام الإطارات المخصصة للأجواء الرطبة. ولكنّ أحدًا لم يتوقّع أبدًا ما كان ليحصل على الانطلاقة.

لسوء الحظّ، قضت حوادث المنعطف الأوّل على حظوظنا بمشاهدة سباق مثير حتى الرمق الأخير. فالحادث الذي جمع بين سيباستيان فيتيل وماكس فيرشتابن وكيمي رايكونن قضى على آمالنا برؤية لعبة الاستراتيجيات المختلفة والمنافسة الضارية مع جفاف الحلبة تدريجيًّا.

وفي الواقع، لم يكن يتوقّع أكثر المُتفائلين أن يتمكّن لويس هاميلتون من تحقيق الفوز في سنغافورة. حتى، هو نفسه، لم يكن واثقًا من هذا الأمر، لا سيما إذا ما نظرنا إلى تأدية فيراري وريد بُل على هذه الحلبة خلال حصص التجارب.

لكن من المهم الإشارة إلى الأداء الباهر الذي قدّمه البريطاني، صحيحٌ بأنّ الصدارة قدّمت له على طبقٍ من ذهب في اللّفة الأولى، ولكنه أحسن استغلال هذه الفرصة بأفضل طريقةٍ ممكنة.

إذ قام هاميلتون بعملٍ رائع في سنغافورة عندما لم يكن يمتلك السيارة الأفضل على شبكة الانطلاق مع ظروفٍ متغيّرة. هذا النوع من الانتصارات هو ما يُظهر لمَ يملك سائق مرسيدس ثلاث بطولات للعالم في حوزته، ولكنّ فارق النقاط الـ28 التي خرج بها من هذه الجولة، من المؤكّد ستُقرّبه خطوةً إضافية من تحقيق لقبه الرابع.

"لقد قلت ذلك في السابق، تُريد أن يتواجد هاميلتون في سيارتك في يومٍ صعب" قال توتو وولف.

ثم تابع "هذا السباق كان مثالاً آخر على ذلك. كانت هناك فرص أكبر لاقترافه الأخطاء عوضًا عن إيصال السيارة سالمة إلى خطّ النهاية".

لقد قدّمت لنا التجارب التأهيلية النتائج التي كنا نصبو إلى رؤيتها خلال السنوات الأخيرة – ثلاثة فرق تُنافس على الفوز، ومرسيدس ليست تحت الضغط فقط، ولكنها خلف فيراري وريد بُل. وفي الواقع، لطالما كانت هذه الحلبة صعبة بالنسبة للسهام الفضية، في حين تُعتبر مكانًا مفضلاً للحظيرة النمساوية.

فالأسترالي دانيال ريكاردو تواجد ضمن الثلاثة الأوائل خلال التجارب التأهيلية للأعوام الثلاثة الماضية (المركز الثالث في 2014، والثاني موسمَي 2015 و2016). وقد بدت سيارة ريد بُل سريعةً للغاية منذ انطلاق هذه الجائزة.

وفي الحقيقة، كان فيرشتابن الأسرع خلال القسمين الأوّل والثاني من التجارب التأهيلية، ولكنه خسر قطب الانطلاق الأوّل في اللّحظات الحاسمة لصالح فيتيل.

ولم يكن الأسبوع الماضي مثاليًا بدرجةٍ كبيرة بالنسبة لفيراري، ولكنّ فيتيل الذي انطلق كذلك من المركز الأوّل هنا في العام 2015، قام بلفةٍ رائعة أحبطت آمال مدير فريق ريد بُل كريستيان هورنر.

وقال هورنر "قدّمنا تأدية تنافسية للغاية، إذ تصدّرنا جميع الحصص باستثناء القسم الثالث من التصفيات. قام فيتيل بلفة سريعة حقًا. للأسف، لا نستفيد من طاقة المحرك الإضافية في نهاية التجارب التأهيلية. لقد رأينا في السابق بأنّ مرسيدس وفيراري تحصلان على الأفضلية من المحرك في نهاية التصفيات".

في الوقت ذاته، وجد هاميلتون وزميله بوتاس نفسيهما في المركزين الخامس والسادس على الترتيب، إذ بدأ الثنائي بالتفكير في كيفية الحدّ من الأضرار في سباق يوم الأحد.

وقال البريطاني بعد خروجه من سيارته يوم السبت "من الصعب التجاوز على هذه الحلبة. بالعادة نرى قطارًا طويلًا من السيارات. أعتقد بأنّ التجاوز سيكون صعبًا. ولكننا سنحصل على فرصة على الانطلاقة، وفرصة أخرى من خلال الاستراتيجية وهناك فرصة دخول سيارة الأمان. من يدري؟ أعتقد بأنه يجب علينا التركيز على اللعبة الطويلة كون السباق لن ينتهي بسرعة".

ولكن جرت الأمور بطريقة أفضل بكثير ممّا كان يتوقعها هاميلتون. مع تصادم رايكونن وفيرشتابن، تقدّم هاميلتون على ريكاردو نحو المركز الثاني، ثم صعد إلى الصدارة بعد انزلاق سيارة فيتيل.

بعدها، دخلت سيارة الأمان لأربع لفات، إذ حاول البريطاني ومنافسيه جاهدين إبقاء الحرارة ضمن إطارات "الإنترميديت". ولكنّ انطلاقة السباق من جديد كان مهمة، ليس فقط بسبب حالة الإطارات، ولكن أيضاً، لأنها كانت لتكون اللّفة السريعة الأولى من السباق بما أنّ سيارة الأمان دخلت الحلبة بعد حوادث الانطلاقة.

الحكم على مستويات التماسك حينها لم يكن سهلاً، ولكنّ هاميلتون قام بعملٍ رائع من خلال توسيعه للفارق بسرعة أمام ريكاردو إلى ما يقارب 3.5 ثانية. ولكن البريطاني لم يختفِ من أمام أنظار الأسترالي. فمع حلول اللّفة العاشرة من السباق، وصل الفارق بين السائقَين إلى 5.1 ثانية قبل أن يعود إلى نقطة الصفر من جديد بفعل دخول سيارة الأمان جرّاء الحادث الذي تعرّض له دانييل كفيات.

بقي هاميلتون خارجًا على المسار، بينما استدعت ريد بُل ريكاردو للدخول وتغيير إطاراته إلى مجموعة جديدة من "الإنترميديت"، ما يعني تماسكًا أفضل بعد خروج سيارة الأمان.

وفي البداية، خسر مركزه لصالح نيكو هلكنبرغ، ولكنّ الألماني دخل لمنطقة الصيانة في اللّفة التالية ما أعاد المركز للأسترالي الذي استعدّ للهجوم على هاميلتون.

ومع معرفته بتوقف ريكاردو ووضعه لإطاراتٍ جديدة، بدا البريطاني مشككًا قليلاً بقرار فريقه، إذ سأل مهندسه "هل قام الجميع بتغيير إطاراتهم باستثنائي؟ لست متأكّدًا من صحّة هذا القرار، هل كان كذلك؟".

وقد استفسر لاحقًا عن توقف الأسترالي المجاني، ولكن أكّد له فريقه مرسيدس بأنّ ريد بُل كانت لتقوم بالعكس تمامًا لو قام بالتوقف، وذلك من خلال إبقاء ريكاردو على الحلبة وحصوله على صدارة السباق.

وتعليقًا على ذلك، قال وولف "كان بإمكانه أن يقوم بالعكس ولكنه كان ليتراجع إلى المركز الثاني. لذلك لا خيار بالنسبة لنا".

مع إعادة انطلاق السباق من جديد نهاية اللّفة الـ14، بدأ هاميلتون بتوسيع الفارق مع ريكاردو. وهذه المرّة، كانت لديه أفضلية 1.9 ثانية مع نهاية اللّفة السريعة الأولى، إذ لم يكن من السهل بالنسبة إليه توسيع الفارق بشكل أكبر.

وقال البريطاني لفريقه "من الصعب الابتعاد عنه بما أنه على إطارات جديدة". ولكن في الحقيقة، واجه ريكاردو مشكلة في علبة التروس إذ لم يكن قادرًا على استخلاص كامل قدرات سيارته.

وعن ذلك، قال هورنر "كان بوسعنا أن نلاحظ خسارتنا للكثير من ضغط زيت علبة التروس حتّى قبل فترة سيارة الأمان الأولى. اعتقدنا أنّها لن تكمل سوى نصف مسافة السباق".

وأضاف "لذلك تمّ إعلام ريكاردو بالعمل على إدارة تلك المشكلة. كما توجّبت علينا التضحية بالأزمنة من أجل القيام بذلك. لكنّه قام بعملٍ رائعٍ للغاية في الحفاظ على السيارة وإكمال السباق بعد ذلك بساعة ونصف تقريبًا".

استغرق المسار وقتًا طويلاً كي يجف – إذ لم تكن الشمس ظاهرة كي تساعد في ذلك – وتركّز الاهتمام حينها على فترة الانتقال إلى الإطارات الجافة. كان هناك الكثير من التفكير من قبل الفرق حول موعد الانتقال إلى الإطارات الملساء، ولكنّ كيفن ماغنوسن كان أوّل من قام بالمبادرة في اللّفة الـ24، تبعه بعدها مباشرةً سائق ويليامز فيليبي ماسا.

بعد عدّة لفات، تبيّن بأنه حان الوقت لوضع الإطارات الجافة، إذ توافدت السيارات تباعًا إلى منطقة الصيانة. كان هاميلتون يقوم بعملٍ جيد تحت تلك الظروف إذ بلغ الفارق مع ريكاردو 8.2 ثانية قبل أن يقوم الأسترالي بالتوقف في اللّفة الـ28. وقد تبعه هاميلتون في اللّفة التالية، ومع لفة دخول/خروج سريعة من منطقة الصيانة كسب البريطاني أفضلية نصف ثانية إضافية.

"كان من الصعب اتخاذ القرار كون الحلبة كانت زلقة" قال توتو وولف، ثم تابع "كنا سعداء لقيام ماغنوسن بالانتقال أوّلاً إلى تلك الإطارات. وعندما قام الجميع بالتوقف وتحسين أزمنتهم – لا سيما ماغنوسن أصبح من الواضح أنه علينا التوقف. كما سمعنا على جهاز اللاسلكي بأنّ ريكاردو سيتوقف".

لقد أشارت التجارب الحرّة بأنّ ريكاردو سيمتلك الأفضلية تحت أجواء جافة، إذ كان من المتوقّع إغلاقه للفارق مع هاميلتون – ولكن في الواقع حافظ هاميلتون على فارق مريح بلغ حوالى 9 ثوانٍ مع تبادلهما في تسجيل أسرع الأزمنة.

وجاء بعد ذلك حادث ماركوس إريكسون، ما دفع بسيارة الأمان للدخول من جديد إلى أرض الحلبة في اللّفة الـ38. وقد بدا من الواضح إحباط هاميلتون عندما علِم بأنه يتوجّب عليه رفع الفارق من جديد وذلك للمرّة الثالثة.

بعد استئناف السباق في اللّفة الـ42، قام البريطاني بلفة أولى سريعة، رافعًا الفارق إلى 2.2 ثانية، قبل أن يضاعفه تقريبًا في اللّفة التالية. ولكن في اللّفة التالية انخفض الفارق إلى 1.7 ثانية فقط. فما الذي حدث؟

لقد كشفت الرسائل التي تبادلها مع فريقه بأنّ مرسيدس طلبت منه استخدام "وضع الهجوم واحد"، ما يعني التراجع قليلاً من أجل اقتراب السيارات من بعضها. وقام الصانع الألماني بذلك من أجل منع ريكاردو أو غيره من السائقين في الخلف من القيام بتوقّف مجاني في حال دخلت سيارة الأمان إلى الحلبة. وبالتالي، كان ذلك ليمنحهم إطارات جديدة وفرصة واقعية للهجوم عليه مع انطلاق السباق من جديد.

ولكنّ هاميلتون الذي لا يستطيع القيادة بهدوء، ردّ على فريقه بالقول "أنا لا أفهم هذه الاستراتيجية. لا أشعر بالراحة من خلال القيادة ببطء هكذا".

وقد شرح البريطاني وجهة نظره لوسائل الإعلام مع نهاية السباق قائلاً "وتيرتي كانت جيدة في تلك الفترة إذ كنت أزيد من الفارق مع ريكاردو في كُلّ لفة. ولكنني أعتقد بأنّ الفريق لم يُرد مني الاستمرار القيام بذلك، إذ كانت الفرصة لتُمنح لريكاردو للدخول لمنطقة الصيانة لو دخلت سيارة الأمان".

وأكمل "لو دخلت سيارة الأمان وكان ريكاردو في الموقع المناسب، لكان دخل وتجاوزنا مع إطاراته الأجدد. لذلك قرّر الفريق عدم المجازفة في توسيع الفارق أكثر، لذلك قمت بالتراجع ولكني كنت بطيئًا للغاية ما دفعني إلى زيادة سرعتي بعدها".

بعد تلك الحلقة الصغيرة، كانت مرسيدس سعيدة بما يكفي لهاميلتون لزيادة الفارق إلى حوالى 4-5 ثوانٍ مع ريكاردو، والمحافظة عليه حتى بلوغ العلم المرقط. شاهدنا بالأمس أداءً لا يُشقّ له غبار من طرف البريطاني إذ لم نكن نتوقّع إمكانية تفوقه على ريد بُل – وتحديدًا ريكاردو – بعد نتيجة التجارب التأهيلية.

"كان من الممكن بسهولة أن أتعرض لحادث" قال هاميلتون، ثم أضاف "كان يجول سينا في ذهني خلال السباق...تذكرت حادثه في سباق موناكو عندما كان في الصدارة واصطدم بالحواجز الجانبية ما دفعني لعدم القيام بالأمر عينه. كانت لديّ ذكرياتٌ مثل هذه ولكنني تعلمت الدرس".

وفي حين أنّ مشكلة علبة التروس أعاقت ريكاردو خلال السباق، لكنها قد لا تكون السبب الكامل وراء تفوّق مرسيدس.

وقال وولف "لم يكن لدينا السيارة الأسرع في التجارب التأهيلية. ولكنّ دانيال يُعتبر المعيار في سنغافورة مع ريد بُل، إذ كنا نبتعد عنه في كُلّ مرة تحت جميع الظروف، وعلى مختلف الإطارات. سيكون من المثير تحليل وفهم ذلك".

ولدى وولف نظريته الخاصة والتي لخصها بالكلمات التالية "حرارة الإطارات. تمكّنا اليوم من إدارة درجة حرارة الإطارات، بينما كانت الحرارة مرتفعة يوم السبت، إذ ومن أجل استخلاص كامل الأداء عليك رفع حرارتها. لم يكن المسار في أفضل حالته، والتماسك كان أقلّ مقارنةً بالتجارب التأهيلية والطقس كان أكثر برودة".

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة سنغافورة الكبرى
حلبة حلبة شوارع سنغافورة
نوع المقالة تحليل