تحليل السباق: كيف تمكّن فيرشتابن من مواصلة الضغط على هاميلتون في سوزوكا

شهدت جائزة اليابان الكبرى معركة اقتصرت مرّة أخرى للسباق الثاني على التوالي بين لويس هاميلتون وماكس فيرشتابن في ظلّ خروج فيراري من دائرة المنافسة مبكّرًا في سوزوكا.

بعد أسابيع قليلة من تصدّر سيباستيان لترتيب بطولة العالم للفورمولا واحد واعتقاد معظم المتابعين بأنّ معركته مع لويس هاميلتون ستتواصل حتّى سباق أبوظبي الختامي، تغيّرت الصورة بالكامل خلال سلسلة السباقات الآسيويّة وتغيّرت حظوظ الألماني بالكامل، إذ عانى سائق فيراري من عطلة نهاية أسبوع كارثيّة أخرى في اليابان ما يُرجّح كفّة غريمه للظفر باللقب. إذ بوسع هاميلتون الفوز به بالفعل في الجولة المقبلة في أوستن مع تبقي ثلاثة سباقات على النهاية.

حظينا مرّة أخرى في سوزوكا بفرصة معركة سداسيّة في المقدّمة، إذ أنّ ريد بُل أظهرت وتيرة مثيرة للاعجاب وانضمّت إلى فريق الصدارة، لكنّ ذلك تلاشى مرّة أخرى.

اثنان من السائقين الستّة اضطرّا لتغيير علبتَي تروسهما ما كان يعني انطلاقهما من مراكز متأخّرة. وبالانتقال إلى يوم الأحد، علمت فيراري قبل بداية السباق بقليل بأنّ هناك مشكلة في محرّك فيتيل قبل أن يجد نفسه خارج المنافسة سريعًا. حُرمنا مرّة أخرى من معركة متعدّدة المنافسين، فضلًا عن المعركة الثنائيّة بين هاميلتون وفيتيل التي حصلنا على بعض ملامحها في هذا الموسم. بدل ذلك توجّب على هاميلتون التعامل مع ماكس فيرشتابن للسباق الثاني على التوالي.

لم تواجه مرسيدس أيّ عناء يُذكر في التجارب التأهيليّة على حلبة سوزوكا، إذ استخرج هذه المرّة أقصى قدرات سيارته "صعبة المراس" وتمكّن من ترويضها في اليابان، ليجد سائقا الفريق مستويات التماسك التي غابت عنهما في بعض الأحيان هذا العام. أنتجت الإطارات الأعرض ومستويات الارتكازيّة لموسم 2017 بعض الأزمنة المدهشة، من دون ذكر قوى الجاذبيّة عند المنعطفات، كما أنّ لمسة هاميلتون كانت بارزة ضمن الزمن القياسي الجديد للفّة قطب الانطلاق الأوّل، وهو الأوّل له على حلبة سوزوكا.

ومستعيدًا أداءه بعد سلسلة السباقات الصعبة الأخيرة، تأهّل فالتيري بوتاس ثانيًا بفارق 0.3 ثانية عن زميله، ولا يُعدّ ذلك أداءً سيّئًا بالنسبة للفنلندي بالنظر إلى تضرّر برنامجه إثر حادثه في التجارب الحرّة الثالثة.

لكنّ عقوبة تغييره لعلبة التروس أعادته إلى المركز السادس، كما واجه كيمي رايكونن المصير ذاته بعد خطأ منه أدّى إلى تعرّضه لحادث في التجارب الحرّة الثالثة أيضاً. نتيجة لذلك حجز ثنائي ريد بُل دانيال ريكاردو وفيرشتابن صفّ الانطلاق الثاني خلف هاميلتون وفيتيل، ليستغلّا ما بدت أنّها وتيرة قويّة للغاية للسباق.

انسحابٌ مبكّر لفيتيل

وبشكلٍ يفطر القلب بالنسبة لفيراري، عانى فيتيل من مشكلة فقدان الطاقة أثناء توجّهه إلى شبكة الانطلاق، حيث سرعان ما اتّضح أنّها متمثّلة في شمعة الاحتراق، إذ بشكلٍ مماثلٍ للأنبوب الذي انكسر في ماليزيا على سيارتي الحظيرة الإيطاليّة، لم تكن شمعة الاحتراق مصنّعة في مارانيللو. ووسط دقائق قليلة من الهلع، لم يجد الميكانيكيون الوقت الكافي لحلّ المشكلة، لذلك انطلق الألماني وهو يعلم أنّه في مواجهة مشكلة كبيرة.

بطريقة ما تمكّن من التشبّث بالمركز الثاني للنصف الأوّل من اللفّة وسط ابتعاد هاميلتون. لكنّ فيرشتابن تمكّن في الوقت ذاته من التقدّم على زميله ريكاردو عند الانطلاقة ما أجبر الأسترالي على اتّباع الخطّ الواسع، قبل أن يُقدم فيرشتابن على تجاوز فيتيل عند المنعطف الضيّق خاطفًا المركز الثاني.

كانت سيارة فيراري كما لو أنّها متوقّفة، إذ على الخطّ المستقيم الرئيسي تمكّن إستيبان أوكون وريكاردو وبوتاس من تجاوز فيتيل قبل أن تدخل سيارة الأمان نتيجة حادث كارلوس ساينز الإبن. لكن بعد استئناف السباق مباشرة، توجّه فيتيل إلى خطّ الحظائر ليجد نفسه خارج السباق. علم هاميلتون حينها أنّ فرصه تعزّزت أكثر لتوسيع صدارته، بينما لم يكن فيرشتابن ليُسهّل مهمّته.

إذ خلال اللفّات الأولى بعد استئناف المنافسات، ارتفع الفارق بينهما بـ 0.3 ثانية فقط على مدار أربع لفّات، حيث بقي فيرشتابن على مقربة من سائق مرسيدس. وعلى إثر فترة سيارة الأمان الافتراضيّة، وسّع هاميلتون أفضليّة لتصل إلى قرابة 5 ثوانٍ.

فيرشتابن يقترب

قرّر فيرشتابن إجراء توقّفه في اللفّة الـ 20 منتقلًا إلى الإطارات الليّنة "سوفت" قبل أن يتبعه هاميلتون، ما ترك ريكاردو وبوتاس (الذي انطلق على الإطارات الليّنة للبقاء لفترة أولى طويلة) في المقدّمة. ومن خلال التوقّف قبله، تمكّن فيرشتابن من كسب بعض الثواني الثمينة بالمقارنة مع هاميلتون.

وقال البريطاني: "امتلكت فارقًا مريحًا بالتوجّه إلى فترة التوقّفات. أعتقد أنّ ماكس قام بالتوقّف قبلي وكسب بعض الوقت. عند لفّة خروجي لم أضغط كثيرًا وحاولت الحفاظ على الإطارات مرّة أخرى، لذلك تقلّص الفارق إلى 1.5 ثانية".

كان كلاهما يُخطّط لإكمال السباق على تلك الإطارات، ما يعني أنّهما كانا يعيان ضرورة الحفاظ عليها. وبناءً على ذلك بدا هاميلتون سعيدًا بالسماح لفيرشتابن بالاقتراب منه قليلًا، بينما لم يرد ماكس في الوقت ذاته الاقتراب بشكلٍ مفرط ما يضعه أمام خطر فقدان الارتكازيّة وإلحاق ضررٍ بإطاراته.

في الوقت ذاته بدأ هاميلتون بالاقتراب من بوتاس، الذي ورث الصدارة عندما توقّف ريكاردو، وكان الفنلندي يُحاول إطالة عمر إطاراته الليّنة التي بدأ سباقه على متنها. كان بوسع مرسيدس فرض أوامرها مبكّرًا، لكنّ هاميلتون خسر بعض الزخم عندما اقترب من زميله وتقلّص الفارق بينه وبين فيرشتابن إلى 1.1 ثانية.

طلب هاميلتون من فريقه السماح له بالتجاوز، وكان ذلك ما حدث بالفعل في اللفّة الـ 28، قبل أن يبقى الفنلندي أمام فيرشتابن للفّتين إضافيّتين قبيل توجّهه لإجراء توقّفه. بحلول تلك المرحلة اتّسع الفارق بين ثنائي الصدارة إلى 3.4 ثانية. حصل هاميلتون على متنفّس حينها، وبشكلٍ معاكس ازداد العمل الذي يتعيّن على فيرشتابن القيام به لتقليص الفجوة مجدّدًا.

وقال توتو وولف مدير قسم رياضة السيارات في مرسيدس: "أعتقد أنّنا خسرنا وقتًا أكثر مع لويس بالمقارنة مع فيرشتابن. تغافلنا قليلًا عن ذلك ولم نتّخذ قرارًا حيال الوضع. خسر هاميلتون بعض التماسك خلف بوتاس وقرّرنا بعد ذلك مبادلة مركزيهما وتواجد بوتاس بينهما. أجرى توقّفه بعد ذلك بلفّة ولا أرى أيّ ضرر في ذلك على الإطلاق".

من جانبه قال كريستيان هورنر: "ذلك جزء من اللعبة أليس كذلك؟ هذه رياضة جماعيّة وقد استخدموا بوتاس بشكلٍ استراتيجيّ، من الصعب تجاوزهم ضمن معركة على الخط المستقيم. لذلك لا يُمكنك لوم مرسيدس على القيام بذلك. ربّما كنّا لنقوم بأمر مماثل. هذه رياضة فرق في نهاية المطاف، لكنّ كلّ شيء سار على نحوٍ رائع بالنسبة لهاميلتون اليوم".

شرحت المحادثات اللاسلكيّة بعد ذلك ما كان يجري. "كلّ شيء على ما يرام" قال ماكس عندما سُئل عن حالة إطاراته. لكنّ الوضع كان مختلفًا على الجانب المقابل، إذ قال هاميلتون: "بدأت أعاني مع إطاراتي الخلفيّة".

تأثير الإطارات والزحام

مع بقاء 20 لفّة على النهاية، بدا الوضع مثيرًا للاهتمام. لكن تبيّن في النهاية أنّ فيرشتابن بدأ يعاني مع إطاراته في نهاية المطاف.

"كنّا ندير الوضع بشكلٍ جيّد بدءًا من اللفّة 35 أو 36، عندما ظهر شرخٌ يتوسّع على الجهة الداخلية للإطار الأمامي الأيسر، والذي كان بصدد أن يصبح أوسع وأكثر عمقًا" قال هورنر شارحًا.

وأضاف: "لذلك طلبنا من ماكس أنّ يحافظ على فارق الثلاث ثوانٍ كي لا يدخل ضمن منطقة الهواء المتّسخ ويزيد من تضرّر الإطار. لقد لاحظنا ذلك خلال سلسلة لفّاته الأولى، وكون سلسلة اللفّات الثانية كانت أطول بـ25 بالمئة، عادت تلك المشكلة للظهور".

ثمّ تابع: "كنّا متخوّفين، كونك تستذكر ما حدث مع فيتيل في سيلفرستون – إذ أنّه من السهل أن تتعرّض لانثقابٍ في تلك المرحلة. كنّا جميعًا متوترين بعض الشيء حيال ذلك".

وجاء الفرج النسبي بعد ذلك عند اعتماد نظام سيارة الأمان الافتراضيّة نتيجة انثقاب إطار لانس سترول وتوقّف سيارته إلى جانب المسار، ما منح سائقَي الصدارة فرصة إراحة إطاراتهما على مدار اللفّتين الـ 48 والـ 49 مع بقاء 4 لفّات على النهاية.

استفسر فيرشتابن على اللاسلكي قائلًا: "هل يُسمح لي ببذل كلّ ما في وسعي؟". بدت المحادثة للوهلة الأولى متعلّقة بإعدادات المحرّك والوقود، لكنّها تمحورت في الحقيقة حول شرخٍ في إطاره.

وشرح هورنر ذلك بالقول: "لكنّه كان ما يزال قادرًا بسهولة على إدارة ذلك الوضع، ومن ثمّ اقتربنا أكثر من سيارة مرسيدس قُرب نهاية السباق بعد فترة سيارة الأمان الافتراضيّة، حيث قال ماكس «هل يُمكنني التقدّم والضغط الآن؟» وكان ردنا «طالما أنّك ستكون مستشعرًا لحالة الإطار بينما تقترب منه، فلا مشكلة». وبشكلٍ مفاجئ تقدّم إلى حدّ اقترابه من علبة تروس سيارة مرسيدس!".

عبر السائقان خطّ نهاية اللفّة الـ 51 والفارق بينهما 1.1 ثانية فقط، وكنّا بصدد الحصول على لفّتين أخيرتين حماسيّتين بالنظر إلى أنّ فيرشتابن سبق له وأن تجاوز هاميلتون ببراعة في السباق الماضي في سيبانغ.

لكنّ معركة فيليبي ماسا وفرناندو ألونسو على المركز الـ 10 اعترضتهما، إذ بعد أن تمّ تعطيله في مرحلة أولى، استفاد هاميلتون من ذلك ليحصل على مساحة تنفّس إضافيّة قبل أن يعبر خطّ النهاية أوّلًا بفارق 1.2 ثانية عن الهولندي ويضمن 25 نقطة ثمينة في اليوم الذي خرج فيه فيتيل خالي الوفاض.

"لم يكن محظوظًا بتواجد ألونسو وماسا ضمن معركتهما الخاصة أمامه" قال هورنر، وأضاف: "إذ من خلال لفّة نظيفة أخرى كان ليحصل على فرصة لمحاولة التجاوز. لا أعلم إن كانت لتنجح أم لا، لكنّه كان ليحصل على فرصة بالتأكيد أو مساحة للتجاوز. لكنّ ذلك كان ليكون صعبًا في جميع الأحوال".

من جانبه قال فيرشتابن: "كان بوسعي رؤية هاميلتون يدير إطاراته. بدا خلف الزحام أنّه يُواجه صعوبة أكثر في اللحاق بالسيارات الأخرى بالمقارنة بي. لذلك اقتربت منه، لكن عندما تُصبح قريبًا للغاية فإنّك تفقد الارتكازيّة، لم يكن بوسعي تجاوزه لكنّني حاولت على الأقل".

أفضليّة هاميلتون

لكنّ كلّ شيء كان تحت سيطرة هاميلتون في النهاية.

"بدونا أقوياء للغاية على الإطارات بالغة الليونة «سوبر سوفت»" قال وولف، وأضاف: "لكن حالما علمنا أنّ فيتيل كان خارج السباق، تمحور الأمر حول إدارة الوتيرة قدر الإمكان وإعادة السيارة بأمان، لكنّنا تابعنا فيرشتابن الذي لم يكن بعيدًا للغاية خلفه. كان ذلك موضوع السباق".

رُبّما لم نحصل على تجاوز مثيرٍ مشابه لما حدث في ماليزيا، لكن كانت هذه منافسة رائعة بين سائقَين من بين أفضل السائقين في البطولة دفعا سيارتيهما إلى الحدود القصوى. رُبّما مثّلت الأجواء الحارة يوم السباق عاملًا مساعدًا لريد بُل، لكن كان من الواضح أنّ الفريق سيواصل لعب دورٍ أساسي في السباقات المقبلة.

وقال هورنر حيال ذلك: "ربما ساعدتنا درجات الحرارة العالية قليلًا. لم يبدُ هاميلتون مرتاحًا على الإطلاق في السباق، بينما كان فيرشتابن مرتاحًا إلى حدٍ ما بالرغم من أنّه كان قادرًا على البقاء قريبًا منه".

بدوره قال وولف: "درجات حرارة المسار المرتفعة التي بلغت 46 درجة مئويّة أثّرت علينا بكلّ تأكيد. كان من المشجّع رؤية أنّنا الأسرع على المسار على إطارات سوبر سوفت. نحتاج فقط لفهم سبب ذلك. أثّرت علينا حرارة المسار والجوّ الأعلى بكلّ تأكيد".

حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة اليابان الكبرى
حلبة سوزوكا
قائمة السائقين لويس هاميلتون , ماكس فيرشتابن , سيباستيان فيتيل
قائمة الفرق ريد بُل ريسينغ
نوع المقالة تحليل