تحليل السباق: كيف استغلّت ريد بُل كارثة فيراري للفوز في ماليزيا

حصل ماكس فيرشتابن على سيارة سريعة يُمكن التعويل عليها للمرّة الأولى هذا الموسم، ولم يُضيّع الهولندي هذه الفرصة. في المقابل تعيّن على المتنافسَين على اللقب خلفه لويس هاميلتون وسيباستيان فيتيل تقديم تأديات مختلفة لتجاوز الأوضاع الصعبة التي واجهتهما.

شهد سباق ماليزيا تسجيل فيرشتابن لفوزه الثاني الذي طال انتظاره، كما تمكّن من تحقيق ذلك عبر أداء رائع.

لم يتجاوز الهولندي متصدّر البطولة هاميلتون فحسب، بل تمكّن لاحقًا من الابتعاد ليشقّ طريقه نحو الفوز بعد الهيمنة على كامل مجريات السباق. وكما قال صاحب الـ 20 ربيعًا نفسه، كانت هذه المرّة الأولى التي حصل فيها على سيارة كان بإمكانه الفوز باستحقاق على متنها.

بالطبع لا يجب أن ننكر أنّ مهمّة سائق ريد بُل ازدادت سهولة عبر دراما المحرّكات التي دمّرت عطلة نهاية أسبوع فيراري. اضطرّ سيباستيان فيتيل للانطلاق من آخر شبكة الانطلاق بينما فشل زميله كيمي رايكونن المتأهّل على الصفّ الأوّل في الانطلاق أصلًا.

لن نعلم مطلقًا ما الذي كان ليحدث لو حصلت الحظيرة الإيطاليّة على عطلة نهاية أسبوع خالية من المشاكل على حلبة كان من الواضح أنّ سيارة "اس.اف70اتش" تمتّعت عليها بوتيرة مدهشة. ربّما كان فيرشتابن ليفوز في جميع الأحوال، أو كان على الأقل ليفرض صعوبة كبيرة على فيتيل، وربّما كان ترتيب مراكز الانطلاق ليعلب دورًا مفصليًا.

في المقابل وجدت مرسيدس نفسها تحت ضغط كبير طوال عطلة نهاية الأسبوع، إذ أنّ هاميلتون كان محظوظًا للغاية بتحقيقه المركز الثاني.

شملت المعركة في سنغافورة الفرق الثلاثة الكبرى، لكنّ ثلاث سيارات من الستّة الأوائل خرجت من السباق منذ اللفّة الأولى ما حرمنا من الحصول على سباق مدهش على الأرجح.

وبشكلٍ محبطٍ أيضاً، تكرّر المشهد في ماليزيا عبر خروج سيارتَي فيراري من المعادلة، لنفقد مرّة أخرى معركة ربّما كانت لتكون أفضل بكثير من سنغافورة.

لكنّ الأخبار الجيّدة في المقابل تشير إلى أنّ الربع الأخير من الموسم يعد بأن يكون مثيرًا في ظلّ المنافسة الثلاثيّة بين مرسيدس وفيراري وريد بُل وحركة المدّ والجزر في أداء كلٍ منها.

هاميلتون غير قادر على الابتعاد

عانت مرسيدس طوال عطلة نهاية الأسبوع لإيجاد الإعدادات المناسبة لسيارتها وتقديم وتيرة جيّدة، لكنّ الأمور سارت بشكلٍ كافٍ بعد ظهر السبت ليتمكّن هاميلتون من خطف قطب الانطلاق الأوّل.

لكنّ ذلك لم يمنع السهام الفضيّة من إبداء قلقها حيال وتيرة السباق، وكان ذلك مبرّرًا بالنظر إلى الوتيرة الأفضل التي أظهرتها غريمتاها على مدار اللفّات الطويلة.

وبالنظر إلى انسحاب رايكونن من الخانة الثانية على شبكة الانطلاق، كانت مهمّة هاميلتون سهلة نسبيًا بالتوجّه إلى المنعطف الأوّل على حلبة لطالما شهدت الكثير من الدراما عند المنعطف الأوّل على مدار الأعوام الماضية.

لكنّ مهمّة فيرشتابن في المقابل كانت أكثر صعوبة بعد أن وجد نفسه ضمن معركة مع فالتيري بوتاس قبل أن يتمكّن في النهاية من الحفاظ على مركزه الثاني بنجاح.

على عكس المعتاد، لم يُقدّم هاميلتون لفّة أولى قويّة ويبدأ بالابتعاد في الأمام. إذ عند نهاية اللفّة الافتتاحيّة كان البريطاني متقدّمًا بـ 0.8 ثانية فقط على فيرشتابن، قبل أن يتقلّص الفارق مع نهاية اللفّة الثانية.

وبنهاية الثالثة تواجد فيرشتابن مباشرة خلف البريطاني، وباقترابهما من نهاية الخطّ المستقيم، تمتّع الهولندي بالزخم بالتزامن مع تراجع طاقة بطاريّة سائق مرسيدس.

توجّه سائق ريد بُل إلى الجهة الداخليّة، آخذًا بالحسبان أنّ لمنافسه الكثير ليخسره ولم يكن ليُدافع بعدائيّة كبيرة.

"خرجت من المنعطف الأخير بشكلٍ جيّد إذ آثرت التوجّه إلى الجهة الداخلية للمنعطف الأوّل" قال فيرشتابن.

وأضاف: "علمت أنّ لويس لديه الكثير ليخسره ضمن معركته على لقب البطولة. لذا جازفت أكثر وأنا أفكّر في ذلك، فقد كانت تلك فرصتي الوحيدة. كان بوسعي ملاحظة تحفّظه أكثر منّي، لذلك كنت سعيدًا بتجاوزه".

من جانبه قال هاميلتون: "لم أعلم مدى قرب ماكس. كنت أواجه بعض المشاكل على صعيد توفير الطاقة حتّى قبل بداية السباق، لذلك كنت أعاني مع طاقة البطاريّة".

وتابع: "بشكلٍ طبيعي أشكّك في نفسي حول ما إذا كان عليّ غلق المساحة أمامه. لكنّني أعتقد بأنّ مقاربة اللعبة الطويلة التي اتّبعتها هي المناسبة. وفي حين أنّها لم تبدُ الأفضل حينها، إلّا أنّني أعتقد أنّه كان القرار الأفضل بالنظر إلى أنّه لم تكن لديّ حاجة لمنافسة فيرشتابن الذي كان أسرع منّي بكثير، فضلًا عن خطر الاصطدام به وعدم إكمال السباق".

مهما كانت التفاصيل التي حدثت، كان ذلك تجاوزًا حقيقيًا لخطف الصدارة، وهو ما يُعتبر نادرًا تقريبًا هذه الأيام.

ماكس يبتعد في الصدارة

حالما تقدّم إلى المركز الأوّل، بدا جليًا أنّ الهولندي يتمتّع بوتيرة سريعة. إذ بعد أن أعلمه مهندسه بضرورة الخروج من مجال نظام الحدّ من الجرّ "دي آر اس" في أقرب وقتٍ ممكن، نجح فيرشتابن في القيام بذلك في غضون لفّتين قبل أن يشرع في الابتعاد في الأمام مسجّلًا سلسلة من أسرع لفّات السباق.

بعد أربعة مواسم ضمن حقبة المحرّكات الهجينة، كان مشهد ابتعاد سيارة مزوّدة بوحدة طاقة رينو أمام مرسيدس غير معتاد على الإطلاق...

بحلول اللفّة الـ 10 ارتفع الفارق بين ثنائي الصدارة إلى 4.1 ثانية، وبعد إكمال 10 لفّات أخرى أصبح الفارق 8.9 ثانية.

أشارت المحادثات اللاسلكيّة حينها إلى أنّ إطاراته "بدأت تُصبح أسوأ"، بينما أشار هاميلتون في الوقت ذاته إلى أنّ إطاراته بدأت تتراجع أيضاً. بقي الفارق ثابتًا عند ذلك المستوى قبل أن يُقدم هاميلتون على إجراء توقّفه في اللفّة الـ 26، ما دفع فيرشتابن للاستجابة في اللفّة التالية مباشرة.

مستفيدًا من الإطارات الليّنة "سوفت" الجديدة، تمكّن هاميلتون من تقليص الفارق لبرهة من الزمن، قبل أن يعود للاتّساع من جديد ويبقى ثابتًا عند فلك 9 إلى 10 ثوانٍ.

وللمرّة الأولى خلال موسم 2017، بقي الحظّ حليف فيرشتابن.

كانت هذه منصّة التتويج الأولى للهولندي الشاب منذ سباق الصين في أبريل/نيسان الماضي، وهي المناسبة الثامنة التي يعبر فيها خطّ النهاية من أصل 15 مشاركة هذا الموسم.

"بمجرّد أن قمت بتجاوزه، ركّزت على وتيرتي والمحافظة على إطاراتي. كنت سعيدًا بذلك – فقد كانت تلك المرّة الأولى التي أحظى فيها بذلك الوضع في مسيرتي" قال الهولنديّ.

وتابع: "تعيّن عليّ فقط الإبقاء على تركيزي، إذ أنّه من الممكن أن تخسر الكثير من الوقت بسبب السيارات المتأخّرة في الخلف، إذ كاد ذلك أن يحدث عند المنعطف الأوّل، لكنّني أحكمت سيطرتي على الأمور بعد ذلك".

وأردف: "لم أتوقّع تحقيق الفوز هنا وأن أكون أسرع من مرسيدس، لكن أعتقد أنّنا كنّا جيّدين طوال عطلة نهاية الأسبوع. أعتقد أنّه من الصعب علينا التواجد أمامهم في التجارب التأهيليّة، لكنّنا نعلم أنّ لدينا سيارة أفضل في السباق بشكلٍ عام، كما أنّ بإمكاننا الحفاظ على إطاراتنا بشكلٍ جيّد".

لم تكن هذه نتيجة مدهشة لفيرشتابن فقط، بل لريد بُل أيضاً. كان هذا الانتصار السابع للفريق في حقبة المحرّكات الحاليّة، وربّما كان أكثرها إثارة بالنظر إلى الطريقة التي تمّ من خلالها تحقيق ذلك.

"كنّا أسرع من المتوقّع لأكون صادقًا" قال كريستيان هورنر مدير فريق ريد بُل، وأضاف: "أعتقد أنّنا شعرنا أنّنا سنكون في وضع جيّد".

وتابع: "كانت السيارة جيّدة للغاية على الإطارات يوم الجمعة، كما كانت سريعة على السرعات العالية. يُمكنكم رؤية أنّنا استخدمنا ارتكازيّة أقلّ بشكلٍ طفيف من الآخرين، كما لم نعتمد جناح «تي»، وأعتقد أنّنا وجدنا إعدادات جيّدة جدًا وقدّم السائقان دورهما أيضاً".

نجاة محظوظة لهاميلتون

في يومٍ كان يجب أن تتواجد فيه سيارتا فيراري أمامه، أكمل هاميلتون سباق ماليزيا ثانيًا موسّعًا صدارته بستّ نقاطٍ إضافيّة أمام فيتيل.

عانى الفريق من بعض عطل نهاية الأسبوع الصعبة في 2017 ضمن سعيه لترويض سيارة "دبليو08" الجامحة، وكانت هذه حالة أخرى صعّبت فيها تركيبة المسار ودرجات الحرارة العالية من مهمّة السهام الفضيّة، إذ عانى بوتاس بشكلٍ أكبر من زميله.

"أعتقد أنّ لدينا سيارة متقلّبة" قال وولف، وأضاف: "هناك مجال عمل ضيّقٌ للإطارات تولّد فيه الأخيرة التماسك الأمثل. مثّل الخروج من الدخول والحروج في ذلك المجال مشكلة جوهريّة لموسم 2017 بالنسبة إلينا".

وتابع: "يلعب أسلوب القيادة دورًا في ذلك بكلّ تأكيد. حيث كان لويس قادرًا على التأقلم بشكلٍ أفضل مع ذلك الوضع من فالتيري. بيد أنّ تغيير أسلوب القيادة ليس أمرًا سهلًا على أيّ أحد. إذ وفي حال نظرت إلى الفرق الأخرى، ستجد بأنّ هنالك تناقضات بين الزملاء من ناحية الأداء، لذا فإنّ بوتاس ليس الوحيد من سائقي الصدارة الذي يعاني من ذلك".

كان المركز الثاني بالنسبة لهاميلتون مشابهًا لفوزه في سنغافورة، ومثّل نجاةً محظوظة وربّما خطوة مفصليّة أخرى نحو لقبه الرابع.

"أعتقد أنّها كانت عطلة نهاية أسبوع محظوظة" قال هاميلتون، وأضاف: "واجهت فيراري المشاكل وتمكّنا نحن من إيجاد إعدادات مناسبة للتجارب التأهيليّة. كان ذلك عملًا جيّدًا حقًا من قبل المهندسين، لكنّنا كنّا محظوظين أيضاً، إذ كان من الممكن أن نخسر".

وأكمل: "أي أنّ تحقيق المركزين الأوّل والثاني يُعدّ نتيجة قويّة للغاية على حلبتين لم يكن يجب أن نحصد عليهما هذه النتائج".

فيتيل يشقّ طريقه إلى الأمام

كان تقدّم فيتيل نحو المركز الرابع مثيرًا للإعجاب، حيث أظهر ذلك مدى سرعة سيارة فيراري في سيبانغ.

بدأ الألماني سباقه على الإطارات الليّنة "سوفت" وشقّ طريقه إلى المركز الـ 13 بنهاية اللفّة الأولى، وبحلول اللفّة الثامنة تواجد الألماني في المرتبة العاشرة ضمن مراكز النقاط. ومع بلوغ السباق لفّته الـ 21 تجاوز سائق فيراري منافسه سيرجيو بيريز ليظفر بالمركز الخامس وبدأ بالاقتراب من بوتاس الذي انطلق أمامه بـ 17 مركزًا.

كان ذلك أداءً مدهشًا. تمكّن سائق مرسيدس من الإبقاء على الألماني خلفه في البداية، لكنّ توقّف الأخير في موعدٍ أبكر بقليل ساعده على تجاوزه.

مستفيدًا من إطارات "سوبر سوفت"، بدأ فيتيل بردم الفجوة بينه وبين ريكاردو الثالث الذي بقي عالقًا خلف بوتاس لفترة لا بأس بها في بداية السباق ما حرمه من اللحاق بسائقَي الصدارة. كاد فيتيل أن يتجاوز الأسترالي، لكنّ الأخير دافع بشراسة، ومع بدء تراجع أداء إطاراته الحمراء، تراجع سائق فيراري إلى الخلف مرّة أخرى.

وقال هورنر حيال ذلك: "حاولنا منح ريكاردو إطارات أفضل لذلك تركناه لفترة أطول بقليل من أجل القسم الأخير من السباق".

وأضاف: "حيث امتلك لحسن الحظّ وتيرة كافية عندما اقترب منه فيتيل سريعًا على إطارات «سوبر سوفت» التي كانت الأسرع عند تلك المرحلة من السباق".

وتابع: "حالما لحق بريكاردو بدا أنّه فقد وتيرته في المقطع الأوسط وأقدم على محاولة عند المنعطف الأوّل لكنّ ريكاردو دافع بشدّة، وبدا بأنّه أثّر على معنويّاته على إثر تلك المحاولة".

من جانبه قال فيتيل: "اعتقدت أنّني حصلت على لفّة أولى جيّدة، وحالما كنّا بعيدين عن الزحام كانت وتيرة السيارة جيّدة. كان من المؤسف أنّ فالتيري قام بحجزي مثل إسبانيا، فقط من أجل تعطيلنا".

وأضاف: "أمّا دانيال فقد قام بما يتعيّن عليه فعله، لا عيب في ذلك. لكنّ فرناندو (ألونسو) لم يكن مساعدًا بكلّ تأكيد. تراجعت الإطارات في النهاية إذ من الواضح أنّني كنت أضغط بقوّة".

بالرغم من ذلك وبالنظر إلى مدى فداحة الخسارة التي كان ليتلقّاها، خاصة بعد سنغافورة، كان المركز الرابع أفضل بكثير من لا شيء.

لكن بشكلٍ حاسم، غادرت فيراري ماليزيا وهي مقتنعة أنّه بالرغم من مواجهتها لعطلتي نهاية أسبوع محبطتَين، إلّا أنّ البطولة لم تنتهِ بعد، وبالنظر إلى أنّ 125 نقطة لا تزال متاحة في السباقات الخمسة المتبقية، فإنّ ميزان القوى قد يتغيّر سريعًا.

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة ماليزيا الكبرى
حلبة حلبة سيبانغ الدولية
قائمة السائقين دانيال ريكاردو , لويس هاميلتون , ماكس فيرشتابن , سيباستيان فيتيل
نوع المقالة تحليل