تحليل السباق: كيف استعاد بوتاس أداءه في أبوظبي

ردّ فالتيري بوتاس جزءًا من اعتباره خلال الجولة الأخيرة من بطولة العالم لسباقات الفورمولا واحد لموسم 2017 إذ نجح في خطف الفوز على حلبة مرسى ياس في أبوظبي وذلك بعد موسمٍ متقلّب في صفوف الحظيرة الألمانية مرسيدس.

وصف بوتاس موسمه في 2017 بـ"المخيّب" إذ عانى خلف مقود السهام الفضية لا سيما خلال النصف الثاني من العام الجاري، إذ وفي حين تأهّل في قطب الانطلاق الأوّل خلال الجولة الماضية في البرازيل، إلّا أنّ الفوز كان من نصيب سائق فيراري سيباستيان فيتيل بعد انطلاقة جيدة سمحت له بالتقدّم إلى الصدارة.

ولكن الفنلندي الذي انطلق أوّلاً كذلك في أبوظبي أدرك أهمية المُحافظة على مركزه الأوّل على حلبة من الصعب التجاوز عليها، إذ انطلق مسرعًا نحو الصدارة أمام زميله بالفريق لويس هاميلتون الذي حاول الضغط عليه طوال فترات السباق، ولكن تركيز الفنلندي كان في عالمٍ آخر من دون اقترافه لأيّ خطأ قاتل ليُحرز فوزه الثالث في مسيرته. كما أنه استطاع كذلك تسجيل أسرع لفة خلال الأسبوع برمته.

وفي الوقت الذي كان يحتفل فيه بوتاس على منصة التتويج رأى فيتيل أمامه على العتبة الثالثة إذ كان ذلك بمثابة التذكير إليه بأنّ نجاحه في أبوظبي لم يسعفه على خطف المركز الثاني في ترتيب بطولة السائقين.

ولكن عندما نظر إلى ابتسامات فريقه رأى وجهًا مألوفًا تعود ملامحه إلى نيكو روزبرغ الذي أحرز بطولة العالم على هذه الحلبة قبل 12 شهرًا. كما أنه وجّه رسالة إلى فريقه مرسيدس مفادها أنه جاهزٌ للفوز بالسباقات من جديد ولا يوجد هناك من داعٍ للبحث عن بديل آخر لعام 2019.

لم تكن خانة الانطلاق الأولى أفضل موقع لبدء السباق خلال الجولات الأخيرة، لكن الوضع كان مختلفًا هذه المرّة حيث حدّدت الانطلاقة نتيجة السباق. بدا بأنّ بوتاس تمكّن من إيجاد الإعدادات المثاليّة لسيارة "دبليو08" صعبة المراس وتمكّن من تقديم أداء رائع في الوقت الذي تواجد فيه هاميلتون مباشرة خلفه.

وبالفعل كانا متقاربَين للغاية في القسم الثالث إلى أن ارتكب البريطاني خطأً عند المنعطف الـ 19 وضعه خلف زميله قبل أن يضغط بشكلٍ مفرط عند المنعطف الأخير من أجل تعويض ذلك، إلّا أنّ محاولته لم تُفلح وانتهى به المطاف في المركز الثاني.

"بدأ الأمر مع التوازن" قال هاميلتون، وأضاف: "أجريت تعديلات على الإعدادات وكان القسم الخلفي من السيارة غير جيّد في التجارب التأهيليّة، عليك التراجع مباشرة، ولم يكن بوسعي استخراج إمكانيّات السيارة".

وأردف: "لا أرى ذلك خطأً. أرى ذلك درسًا بالنسبة لي ولمهندسيّ. كنّا دقيقين تقريبًا طوال العام، خاصة خلال النصف الثاني من الموسم. لا يُمكنك أن تكون مثاليًا في كلّ مرّة. لم أكن بعيدًا للغاية على صعيد الوتيرة. لكنّني لم أتمتّع بالوتيرة الرائعة التي حظيت بها في التجارب الثالثة".

التفاف أقلّ للإطارات

بالانتقال إلى يوم الأحد، كان بوتاس عازمًا على ضمان حفاظه على أفضليّته عند الانطلاقة، كما حصل على بعض المساعدة من فريقه.

"تمثّلت المشكلة الأساسيّة في ساو باولو في التفاف الإطارات الذي عانيت منه" قال بوتاس، وأضاف: "عانيت في عدّة مناسبات من تسرّعي في الضغط على الدوّاسة. هذه الإطارات حسّاسة للغاية وكذلك وحدة الطاقة وتوفيرها".

وأكمل: "لذلك أدخلنا بعض التعديلات على خرائط الدوّاسة وكلّ تلك الأمور، وهو ما ساعدنا هنا. كان ذلك السبب الأساسي. وعندما قدّمت الانطلاقة الضعيفة في البرازيل لم أكن أعلم موقع سيباستيان، لذلك لم أتوجّه إلى الجهة الداخليّة. لكنّ ذلك قد ولّى".

وأردف: "كانت انطلاقتي مقبولة أو متوسّطة. وعندما تواجدت أوّلًا عند الخروج من المنعطف الأوّل فقد سمح لي ذلك بالتحكّم في وتيرتي. لم يكن ذلك سهلًا، وفي حين أنّه بدا أنّنا نقود ببطء، إلّا أنّني كنت أنا وهاميلتون نضغط بقوّة".

وبالفعل كان ثنائي السهام الفضيّة يضغط طوال فترة السباق. أكمل بوتاس اللفّة الأولى بفارق 1.2 ثانية عن زميله، وواصل الابتعاد ليُحافظ على فارقٍ بحدود 2 إلى 2.5 ثانية. ومن الواضح أنّه ليس من السهل اللحاق بالسيارات الأخرى على حلبة مرسى ياس، وهو ما أدّى إلى عدم شعور هاميلتون بالراحة خلف الاضطرابات الهوائيّة الناجمة عن سيارة زميله.

وشرح ذلك بالقول: "تكون المهمّة صعبة عندما تكون الوتيرة متقاربة. يقول المهندسون أنّك تحتاج لفارق 1.4 ثانية من أجل تجاوز السيارة التي أمامك. مهما كانت السيارة التي أمامك فإنّ المهمّة كانت لتكون صعبة".

وأردف: "مجرّد الاقتراب بالشكل الذي قمت به يُظهر أنّني تمتّعت بوتيرة جيّدة. لكن حالما تتواجد ضمن مجال 1.2 ثانية فالأمر أشبه باصطدامك بجدار وتتوقّف السيارة. تبدأ بالانزلاق في كلّ مكان ببساطة، جميع الإطارات الأربعة".

بالعودة إلى بوتاس فقد تمّ استدعاؤه أوّلًا لإجراء توقّفه في اللفّة الـ 21. إلّا أنّ هاميلتون بقي على الحلبة، لكنّ المعركة على الصدارة بين البريطاني الذي كان على إطارات "ألترا سوفت" قديمة في مواجهة بوتاس الذي كان على إطارات "سوبر سوفت" جديدة قد تأثّرت نسبيًا بالأعلام الصفراء الناجمة عن انسحاب دانيال ريكاردو.

"كانت لدينا خطّة واضحة لجميع السيناريوهات" قال بوتاس، مضيفًا: "سار كلّ شيء وفق الخطّة. علمت حين توقّفي أنّ اللفّات القليلة التالية ستكون مهمّة في حال بقي هاميلتون على الحلبة. كانت تلك معاملة منصفة لنا كفريق، أي في حال كانت لديه وتيرة أفضل لكان تجاوزني عبر التوقّف بعدي".

وأكمل: "ما شاهدناه خلال التجارب أنّ ذلك ممكن في حال تمتّعت بوتيرة إضافيّة".

وأردف: "كنت قلقًا بعض الشيء عندما غادرت خطّ الحظائر وكانت هناك أعلام صفراء عند المنعطف الخامس لبضع لفّات، إلى جانب أعلام صفراء مزدوجة في لفّة واحدة، لذلك لم أكن متأكّدًا من مدى تخفيفي لسرعتي. كنت أفكّر في مدى تخفيفه من سرعته هو أيضاً".

هاميلتون حائرٌ حيال القرار "غير الآمن"

سجّل هاميلتون سلسلة من اللفّات السريعة على إطاراته "ألترا سوفت" القديمة. وبالنظر إلى تواجد سيارات متأخّرة أمامه – فيليبي ماسا وباسكال فيرلاين – فلم يكن من المنطقي الإبقاء عليه لفترة أطول من ثلاث لفّات بالمقارنة مع بوتاس، ليتمّ استدعاء البريطاني في اللفّة الـ 24.

فهم هاميلتون المحادثات اللاسلكيّة على أنّه يملك فرصة لتجاوز بوتاس عبر التوقّف بعده، لذلك كان متفاجئًا عندما غادر خطّ الحظائر ليجد نفسه متأخّرًا بـ 1.8 ثانية عن زميله.

وقال حيال ذلك: "كانت هناك مرحلة كنت سأبقى فيها لفترة أطول وقالوا لي «سنتّبع الاستراتيجيّة الطبيعيّة»، ما يعني بقائي للفّة واحدة بعد توقّف بوتاس، لكنّني قلت «أريد البقاء على الحلبة»".

وتابع: "قيل لي بعد ذلك أنّه كان في مواجهة خطر 1.7 ثانية، ما يعني أنّني في حال توقّفت الآن فسأعود أمامه. لم يتمكّن من توفير فارقٍ زمنيٍ كافٍ لتغطية توقّفي لذلك توجهت لتغيير إطاراتي. لم أسألهم في الحقيقة لأنّني لست متأكّدًا ممّا حدث بالضبط، لكن فجأة عدت وكنت خلفه".

كانت أمامه 30 لفّة حينها للقيام بشيء ما لتجاوز زميله. وفي غضون أربع لفّات دخل البريطاني ضمن مجال نظام "دي آر اس"، لكنّه أغلق مكابحه في اللفّة الـ 30 عند المنعطف الـ 17 الأيسر وخرج عن المسار قليلًا.

وعند إعلامه بخطأ هاميلتون، كان بوتاس حريصًا على معرفة حالة إطارات غريمه، ليجيب: "هل أغلق مكابحه بشكل كبير؟"، حيث أعلمه الفريق لأنّها لم تكن مسألة كبيرة.

لكنّ ذلك الخطأ كلّف هاميلتون بعض الزخم. وواصل البريطاني الضغط وتقليص الفارق، لكن بالنظر إلى إدارته لإطاراته بشكلٍ جيّد، تمكّن بوتاس من الاستجابة في كلّ مرّة مسجّلًا سلسلة من أسرع اللفّات.

ومع بقاء سبع لفّات على النهاية، تواجد هاميلتون مجدّدًا خلف بوتاس، لكنّ الأخير كان من قام بغلق مكابحه بشكلٍ طفيف هذه المرّة عند المنعطفين الخامس والسادس ما كلفّه بعض الوقت.

نتيجة لذلك تواجد هاميلتون مباشرة خلفه في المنعطفات التالية وبدا بأنّه ينوي الإقدام على محاولة.

"كانت المرّة الأولى بعد لفّات قليلة من التوقّفات، كان قريبًا للغاية" قال بوتاس، وأضاف: "ضغط بقوّة على الإطارات الجديدة وحاول الاقتراب وحاولت في المقابل رؤية ما إذا كان يمتلك وتيرة أفضل".

وأردف: "كانت أقرب لحظة عندما أغلقت مكابحي قليلًا عند الاقتراب من إحدى السيارات المتأخّرة عند المنعطف الخامس، خسرت بعض الوقت هناك".

وتابع: "بدا قريبًا للغاية في نهاية الخطّ المستقيم بالتوجّه إلى المنعطف الثامن والمنعطف الـ 11 أيضاً، لكنّه لم يكن قريبًا بما فيه الكفاية للهجوم، لذلك كان كلّ شيء جيّدًا".

وخلال معركتهما، كان بوسع سائقَي مرسيدس استخدام أفضل إعدادات المحرّك لفترات طويلة، إذ لا يجب أن ننسى أنّ هاميلتون حصل على محرّكٍ جديد في البرازيل وكان بوسعه الضغط بقوّة.

عند المرحلة التي شهدت تراجع سيباستيان فيتيل خلفهما في المركز الثالث، طلب الفريق من سائقَيه خفض طاقة محرّكَيهما، قبل أن يتراجع عن ذلك ويعكس قراره.

لكنّ بوتاس حافظ على برودة أعصابه بالرغم من الضغط المسلّط عليه، ليشرع في تسجيل سلسلة من أسرع لفّات السباق بدءًا من اللفّة الـ 51. بدا كما لو أنّه دمّر معنويّات هاميلتون حينها حيث ارتفع الفارق بينهما إلى 1.5 ثانية ومن ثمّ 2.0، 3.1، 4.6 و4.8 قبل أن يعبر خطّ النهاية أمامه بفارق 3.8 ثانية.

وبالطبع كانت الصعوبة القصوى تكمن في اللحاق بالسيارة التي في الأمام طوال مسافة السباق، كما أنّ صعوبة التجاوز بشكلٍ عام على حلبة مرسى ياس ساهمت في حماية بوتاس. بالرغم من ذلك كانت قيادة رائعة من الفنلندي للبقاء أمام بطل العالم أربع مرّات.

جاء أوّل انتصارَين له هذا العام تحت ضغطٍ كبيرٍ من فيتيل، قبل أن يُثبت بوتاس مجدّدًا برودة أعصابه في أبوظبي أمام هاميلتون هذه المرّة.

"عادة ما أشعر أنّني أؤدّي بشكلٍ جيّد تحت الضغط" قال بوتاس، وأضاف: "كانت هناك عدّة فرصٍ في هذا السباق، كان بوسعي إهدار كلّ شيء. عندما يتواجد هاميلتون خلفك فلن يتطلّب الأمر الكثير قبل أن يهجم. اجتمع الفريق قبل قليل وقال هاميلتون بأنّه كان يُحاول القيام بكلّ شيء وكان ينتظر ارتكابي لخطأ".

وأكمل: "هكذا تسير الأمور. أعلم حقيقة تواجده قريبًا منّي ورغبته في الفوز، لكنّ الأمر الأهمّ بالنسبة لي هو التركيز على ما أقوم به. أحتاج لعبور المنعطفات واحدًا تلو الآخر وإكمال اللفّات واحدة تلو الأخرى والتركيز على برنامجي. كان بوسعي الحفاظ على أفكاري منظّمة وسار كلّ شيء على ما يرام".

فيراري خارج الصورة

بالنسبة لمرسيدس، فبعد خسارتها لصالح فيتيل وفيراري في البرازيل، حيث تبيّن حينها أنّ الانطلاقة لعبت دورًا حاسمًا، فإنّ الألماني كان متأخّرًا هذه المرّة في المركز الثالث. وفي حين أنّه كان متأخّرًا بخمس ثوانٍ عن هاميلتون عند فترة التوقّفات، إلّا أنّه عبر خطّ النهاية بفارق 19 ثانية.

لعب عامل الحفاظ على الوقود دورًا في ذلك، لكن كان من الواضح أنّ السهام الفضيّة تمتّعت بوتيرة أفضل على إطارات "سوبر سوفت" خلال النصف الثاني من السباق، وذلك بالرغم من أنّ فيتيل عبّر عن سعادته بأدائه وبأداء السيارة.

بدا السباق مشابهًا لأيّام سيطرة مرسيدس المطلقة وليس سباقًا من موسم 2017 الذي شهد منافسة متقاربة أكثر. وبالفعل بدت السهام الفضيّة متفاجئة من سرعتها على حلبة متطلّبة للارتكازيّة عادة ما عانت على مثيلاتها هذا الموسم.

لكنّ نظريّة من داخل الفريق أشارت إلى أنّه بالمقارنة مع حلبة سنغافورة فإنّ مرسى ياس تتضمّن قدرًا أكبر من الخطوط المستقيمة ما يُوفّر فرصًا أكثر لتبريد الإطارات والحفاظ على حرارتها تحت السيطرة ما وضع سيارة "دبليو08" في مجالها المثالي.

أمّا فيراري فلم تكن سريعة بما فيه الكفاية ببساطة، وكانت تلك رسالة قاسية حصلت عليها مارانيللو بالتوجّه إلى الفترة الشتوية.

"شاهدنا اليوم أنّنا هُزمنا بشكلٍ منصف ولم يكن بوسعنا اللحاق بهم في التجارب التأهيلية والسباق" قال فيتيل متحسّرًا، مضيفًا: "لذلك من الواضح أنّ هناك الكثير للقيام به على نحوٍ أفضل بالنسبة إلينا".

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة أبوظبي الكبرى
حلبة حلبة ياس مارينا
نوع المقالة تحليل

المنطقة الحمراء: ما هو الأهمّ حالياً