تحليل السباق: كيف أشعلت المنافسة بين الزملاء الحماسة في سباق المجر

لم تشهد جائزة المجر الكبرى الكثير من التجاوزات، لكن بين الضغط الذي سلّطه كيمي رايكونن على زميله الفائز سيباستيان فيتيل، وتبادل مركزي لويس هاميلتون وفالتيري بوتاس فضلًا عن الحادث المبكّر بين سائقَي ريد بُل، فقد حصلنا نتيجة لذلك على سباق مثير.

كانت فترة ما بعد الظهر مختلطة في المجر وذلك من خلال الإثارة المختلفة التي حظينا بها مقابل الإحباط الكبير بالنسبة للسائقين والمشجّعين الذين أرادوا الحصول على سباقٍ أكثر حماسة.

أوّلًا أثبتت هذه الحلبة أنّها توفّر فرصًا ضئيلة للتجاوز، وهو الأمر الذي ازداد وضوحًا نتيجة السيارات الجديدة لهذا العام. كما أنّ درجات الحرارة المرتفعة زادت من صعوبة بقاء أيّ سائقٍ خلف منافسه لفترة طويلة من دون المخاطرة بمواجهة مشاكل ارتفاع حرارة سيارته.

وثانيًا أدّى الحادث المبكّر في اللفّة الأولى بين سائقَي ريد بُل دانيال ريكاردو وماكس فيرشتابن إلى حرماننا ممّا كانت لتكون منافسة ثلاثيّة بينها وبين فيراري ومرسيدس.

انسحب الأسترالي مباشرة، بينما تلقّى زميله فيرشتابن عقوبة 10 ثوانٍ إضافيّة وضعته خارج المنافسة على منصّة التتويج.

بدت وتيرة ريد بُل مشجّعة طوال عطلة نهاية الأسبوع، وكان السائقان يأملان تقديم سيارتيهما لأداء أفضل من منافسيهما خلال سباق يوم الأحد الحارّ.

وبالفعل أظهرت وتيرة فيرشتابن أنّ ريد بُل كانت لتتواجد ضمن المعركة، لكنّ عقوبة الثواني العشر التي أمضاها الهولندي في خطّ الحظائر عند إجراء توقّفه شهدت ذهاب آماله أدراج الرياح. بالرغم من ذلك، لعب صاحب الـ 19 ربيعًا دورًا مهمًا في نتيجة الوضع المثير أمامه خلال اللفّات الأخيرة.

ونتيجة حادث البيت الواحد المبكّر لريد بُل، انحصر السباق مرّة أخرى بين فيراري ومرسيدس، وكان مشهد تنافس أربعة سائقين على الصدارة أمرًا مدهشًا.

لكن لم تكن هناك أيّة تجاوزات في الصدارة، ما عدا التجاوزين المتّفق عليهما بين سائقَي مرسيدس.

توتّرٌ بين سيارتي فيراري

قد تكون تأدية رايكونن متوسّطة في بعض الأحيان، لكن على حلبة شهدت تسجيله للعديد من منصّات التتويج، قدّم الفنلندي إحدى أفضل تأدياته هذا العام، إذ يُعتبر ذلك نافعًا بالنسبة إليه في مرحلة بدأ خلالها مشهد عقود السائقين بالتبلور.

تفوّق فيتيل عليه خلال التجارب التأهيليّة، كما تمكّن من البقاء أمامه عند الانطلاقة وتوسيع الفارق بينهما إلى 3 ثوانٍ خلال اللفّات الأولى من عمر السباق.

لكنّ الألماني بدأ مبكّرًا بمواجهة المتاعب. إذ لأسبابٍ لم يكن الفريق قادرًا على شرحها بسهولة، بات مقود سيارة الألماني بعيدًا عن نقطة توازنه الوسطى، وكان الوضع يزداد سوءًا مع تقدّم السباق.

حتّى بالنسبة لسائق بمعيار فيتيل لم تكن تلك مشكلة يسهل التعامل معها، وذلك بالنظر إلى أنّه كان في صدارة السباق وكان يرزح تحت ضغطٍ من سائقٍ آخر يملك سيارة مطابقة له لكن في حالة سليمة بالكامل.

وبالنظر إلى عدم قدرتها على تحديد سبب المشكلة، كانت أفضل نصيحة من فيراري إلى فيتيل بالبقاء بعيدًا عن الحفف الجانبيّة، من دون ذكر تواجد زميلك مباشرة خلفك، حيث قال فيتيل: "على حلبة تستخدم فيها الحفف الجانبيّة عند كلّ منعطفٍ تقريبًا، فمن الواضح أنّ ذلك يضرّ تأديتك".

توجّه فيتيل لإجراء توقّفه في اللفّة الـ 32، قبل أن يتبعه زميله رايكونن في اللفّة التالية. كان توقّف الألماني بطيئًا بعض الشيء، نتيجة لذلك عاد رايكونن مباشرة خلفه. لم تكن هذه المرّة الأولى هذا العام التي يُعبّر فيها الفنلندي عن شكوكه حيال موعد التوقّف، مشيرًا إلى مهندسه أنّه كان يتمتّع بالسرعة للبقاء على الحلبة".

قد يبدو للوهلة الأولى أنّ إدارة فيراري لاستراتيجيّة رايكونن كانت مجرّد تفكيرٍ ثانوي، مستخدمة إيّاه لمساعدة زميله، لكنّ الحقيقة حينها تمثّلت في توقّف سائقي مرسيدس قبل ثنائي فيراري، وكان الفنلندي حينها يُواجه خطر فقدان مركزه الثاني لو بقي لفترة أطول على المسار.

وبعد أن تبيّن أنّ فيتيل غير قادرٍ على تقديم وتيرة سريعة في الوقت الذي شعر فيه هو بأنّ بوسعه تقديم أداء أكثر قوّة، كان من الطبيعي أن يشعر رايكونن بالإحباط، خاصة أنّه كان بوسعه بعد ذلك مباشرة رؤية السهام الفضيّة في مرآته.

"هل يقود بأقصى سرعة؟" قال رايكونن لمهندسه، مضيفًا: "إذ من الواضح أنّ سيارتَي مرسيدس تلحقاننا. لا يوجد ما بوسعي القيام به"، قبل أن يعود بعد ذلك بلفّات قليلة للقول عبر اللاسلكي: "وضعتموني تحت ضغطٍ كبيرٍ من دون أيّ سبب".

وإلى جانب معاناته من مقوده البعيد عن وضعه الصحيح، فضلًا عن تضرّر وتيرته نتيجة حاجته للابتعاد عن الحفف الجانبيّة، كان على فيتيل الحفاظ على إطاراته أيضاً تأهّبًا لحاجته لبذل جهدٍ إضافيّ للدفاع عن مركزه في المراحل الأخيرة من السباق.

في أثناء ذلك، تواصل تذمّر رايكونن عبر اللاسلكي بالقول: "لست في أفضل وضعٍ مريح في الوقت الحاضر...".

كان مبتغاه واضحًا بكلّ تأكيد. كان الفنلندي يشعر بأنّ فيتيل يقوم بتعطيله وأراد أن يتجاوزه ويبتعد عن ثنائي مرسيدس خلفه.

لكنّ فيتيل يُمثّل حسابيًا المنافس الأساسي بالنسبة للحظيرة الإيطاليّة، وبالطبع أراد الفريق حصوله على أقصى قدرٍ من النقاط في أيّ عطلة نهاية أسبوع.

نتيجة لذلك كان إحباط رايكونن واضحًا حيال خيار الفريق بالمحافظة على حالة مركزيهما كما هي، وعدم الطلب من فيتيل إفساح المجال له.

كما أنّ المشكلة الأخرى كانت أنّه في حال تقدّم رايكونن على فيتيل، لكان الأخير – الذي يقود سيارة متضرّرة وغير قادرٍ على العبور على الحفف الجانبيّة بالشكل العدائي المعتاد – في مواجهة نيران هاميلتون خلال المراحل الأخيرة. ورُبّما كان البريطاني ليجد سهولة إضافيّة في تجاوز الألماني بالمقارنة مع رايكونن، ما يعني أنّ المركز الثاني كان في مواجهة خطرٍ فعلي.

بعبارة أخرى، قامت فيراري بالخيار الصائب، حتّى لو بدا ذلك قاسيًا على رايكونن الذي كان أسرع في سباق المجر بالمقارنة مع زميله. تواجد الفنلندي في عدّة مناسبات ضمن مجال نظام "دي آر اس" وكان الفارق بينهما 0.7 ثانية في اللفّة الـ 57، لكنّ التجاوز كان صعبًا للغاية.

لكنّه أوصل فكرته في المقابل، إذ بحضور رئيس العلامة سيرجيو ماركيوني في الحلبة لمتابعة السباق وإعلان تشكيلة السائقين المرتقب لموسم 2018 في جولة مونزا المقبلة، كان على الفنلندي النظر إلى الصورة الكبرى.

لا يُمكن لأحد إنكار الأداء الباهر الذي قدّمه فيتيل في تلك الظروف. حقّق الألماني معظم انتصاراته في الفورمولا واحد منطلقًا من الصفّ الأوّل، لكنّه واجه قلّة من الظروف الصعبة مثل التي واجهها في سباق المجر والضغط الكبير الذي سُلّط عليه حتّى لو كان من زميله.

كان ذلك النوع من الأداء الذي يُكسبك لقب البطولة...

مرسيدس تعكس الأوامر

كما تعيّن على مرسيدس العمل على موازنة مصالح سائقيها، حيث بدا أنّ أحدهما يتمتّع بوتيرة أسرع من الآخر، لكنّ الطريقة التي سار عليها السباق بالنسبة للسهام الفضيّة كانت مختلفة.

صعّب هاميلتون مهّمته أكثر عندما ارتكب خطأً خلال محاولته الأولى في القسم الثالث من التصفيات وتوجّب عليه إلغاؤها. زاد ذلك من الضغط عليه خلال محاولته الوحيدة بعد ذلك، ليجد نفسه رابعًا على شبكة الانطلاق خلف ثنائيّ فيراري وزميله فالتيري بوتاس.

أدّى ذلك إلى زيادة التحدّي الذي سيُواجهه يوم السباق، لكنّ الأمور ازدادت سوءًا عندما فقد مركزًا إضافيًا لصالح فيرشتابن عند الانطلاقة ليتراجع إلى المركز الخامس. نتيجة لذلك خسر هاميلتون فارقًا كبيرًا لصالح سائقي الصدارة خلال الفترة الأولى.

تأثّر البريطاني بفشل أنظمة الاتّصالات في مرآب مرسيدس، ما كان يعني أنّ الفريق فقد البيانات لفترة من الزمن، كما أنّ المحادثات اللاسلكيّة مع السائقين كانت متقطّعة في بعض الأحيان، وكانت أحاديّة الجانب في أوقات أخرى.

تمّ استدعاء بوتاس وهاميلتون لإجراء توقّفيهما قبل سائقي فيراري، ما أدّى إلى استجابة الأخيرين بعد ذلك. وفي وقتٍ لاحقٍ عندما عادت أنظمة الاتّصالات للعمل، قال هاميلتون لمهندسه بأنّه أراد البقاء لفترة إضافيّة على الحلبة كونه كان سعيدًا بأداء إطارته.

وبعد التوقّف، وفي ظلّ عدم تواجد سيارة ريد بُل أمامه، قدّم هاميلتون أداء قويًا ليصل بعد فترة وجيزة إلى زميله بوتاس وكان بوسعه أيضاً رؤية سيارتي فيراري تلوحان في الأفق. تغيّرت المحادثات اللاسلكيّة حينها لتتناول إمكانيّة فسح بوتاس المجال أمامه من أجل الهجوم على ثنائي فيراري.

ووافق بطل العالم ثلاث مرّات منذ البداية على أنّه في حال لم يتمكّن من تجاوز أيٍ من سائقي فيراري فسيكون عليه إعادة المركز لبوتاس، وهو اتّفاقٌ قياسيٌ تقريبًا اتّبعته العديد من الفرق.

وبالفعل سمح بوتاس لهاميلتون بتجاوزه عند المنعطف الأوّل من اللفّة الـ 46، أي مع بقاء 24 لفّة على النهاية. تمّ إعلام الفنلندي بتفاصيل الاتّفاق، ليضيف مهندسه: "تأكّد من بقائك قريبًا من هاميلتون كي نتمكّن من إعادة مبادلة مركزيكما".

في الوقت ذاته تمّ إعلام هاميلتون بأنّ أمامه خمس لفّات من أجل تجاوز سائقي فيراري، ليجيب: "لا يوجد ضغطٌ إذًا...".

اقترب من رايكونن بنسقٍ سريع ليصل إليه في نهاية المطاف، مبقيًا جزءًا من تركيزه على درجات حرارة سيارته خلف الهواء الساخن القادم من سيارة فيراري.

وبعد بضع لفّات سأل البريطاني فريقه إن كان عليه الاستسلام وإعادة المركز الثالث لبوتاس، إذ بدا عليه الاستياء، لكنّ السهام الفضيّة أعلمته بأن يُواصل الضغط على سائقي فيراري. تمّ التخلّي عن حدّ اللفّات الخمس.

لكنّ المشكلة حينها كانت في معاناة بوتاس من زحام السيارات المتأخّرة ما تسبّب في تراجعه أكثر، ما كان يعني أنّ على هاميلتون الإبطاء كثيرًا من أجل إكمال عمليّة مبادلة مركزيهما. بالإضافة إلى ذلك وبعد فترة أولى طويلة، وبالرغم من عقوبة الثواني العشر، كان فيرشتابن بصدد العودة مجدّدًا إلى الصورة.

كان أسرع من السائقين أمامه كون إطاراته كانت أجدد بكثير، وكان قريبًا من بوتاس بالشكل الكافي الذي وضع مرسيدس أمام مجازفة عند محاولة هاميلتون إعادة المركز الثالث لزميله ما قد يتسبّب في خسارة أحدهما أو كلاهما لصالح فيرشتابن.

بدا لفترة لا بأس بها أنّ هاميلتون سيحتفظ بالمركز الثالث، لكنّه أبطأ من سرعته كثيرًا خلال اللفّة الأخيرة وترك بعض السيارات المتأخّرة تتجاوزه، قبل أن يعيد المركز الثالث لبوتاس مبقيًا فيرشتابن خلفه.

كانت تلك حركة جديرة بالثناء من هاميلتون الذي كان من الممكن أن يغري فريقه بأنّ بوتاس لم يتمكّن من البقاء على مقربة منه من أجل الحفاظ على المركز الثالث.

فقد هاميلتون ثلاث نقاط نتيجة لذلك، لكنّه حصل في المقابل على الكثير من الاحترام، كما أنّه منح فريقه مرسيدس دفعة معنويّة كبيرة على صعيد روح الفريق التعاونيّة. رُبّما يعلم هاميلتون أكثر من الجميع مدى الضرر الذي قد يتسبّب فيه الجدل الداخلي لأيّ فريق.

هل ستلعب تلك النقاط دورًا مهمًا في الحفاظ على تناغم المنافسة المحتدمة على اللقب التي لا تزال مفتوحة على مصراعيها؟

"لا يُمكنني الإجابة على ذلك" قال هاميلتون، وأضاف: "في حال خسرت اللقب، فلا أعلم ما سأقوله حينها! في حال خسرت بفارق ثلاث نقاط أو أيّ فارقٍ ضمن ذلك المجال. لكن كما سبق وأن قلت فإنّي أريد الفوز بالطريقة المناسبة".

واجه توتو وولف صداعًا بخصوص حقيقة اكتساب فيتيل لثلاث نقاطٍ إضافيّة بالمقارنة مع هاميلتون.

لكن لا يجب أن ننسى في المقابل أنّ بوتاس ليس بعيدًا للغاية في المركز الثالث من ترتيب البطولة، كما أنّ تلك النقاط الثلاث كانت تعني انتقال أفضليّة ستّ نقاطٍ لصالحه بالمقارنة مع هاميلتون، وهو فارقٌ قد تتبيّن أهميّته لاحقًا.

كما أنّ هناك سيناريو ثالثًا يجب التفكير فيه. إذ في حال واجه هاميلتون بعض الحظّ العاثر في السباقات المقبلة، فقد تنحصر المنافسة على اللقب بين فيتيل وبوتاس، ما يعني أنّ تلك النقاط الثلاث لن تكون ثمينة بالنسبة لبوتاس فقط ولكن لمرسيدس أيضاً...

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة المجر الكبرى
حلبة هنغارورينغ
نوع المقالة تحليل