تحليل السباق: كيف آتى ضغط ريد بُل أكله وسط تعثّر مرسيدس

قدّم سباق جائزة ماليزيا الكبرى تقلّبات دراميّة لمشاعر المنافسَين على لقب بطولة العالم للفورمولا واحد قبل أن يمنحنا فائزاً رابعاً مختلفاً في هذا الموسم. يُلقي موقعنا "موتورسبورت.كوم" نظرة معمّقة في تفاصيل سباق سيبانغ.

كان من المنتظر أن تمنحنا جائزة ماليزيا الكبرى أحد أكثر السباقات إثارة خلال موسم 2016، بالنظر إلى الوتيرة السريعة على المسافات الطويلة التي أظهرتها ريد بُل وفيراري على متن الأسفلت الجديد لحلبة سيبانغ خلال حصص التجارب.

لكن خلال أكثر أحلام كريستيان هورنر جموحاً، لم يكن البريطاني ليتوقّع أن يُحرز فريقه ريد بُل ثنائيّةً مثيرة على الأراضي الماليزيّة تاركاً مرسيدس بصدد لملمة جراحها.

بالعودة قليلاً إلى الوراء، قدّم توتو وولف تعليقاً مثيراً مساء السبت قائلاً أنّ السباق قد لا يكون سهلاً بالنسبة لأبطال العالم.

وقال حيال ذلك: "أعتقد أنّ الباب مفتوحٌ على مصراعيه، إذ أنّ وتيرة المسافات الطويلة لم تكن مختلفة. نعلم أنّه باستخدام جيل السيارات الحاليّة والحرارة غداً سيتمحور السباق حول جعل السيارة، وأنظمتها، والإطارات، والمحرّك وبقاء كلّ شيء قيد التشغيل".

واختتم: "لا أعتقد أنّه سيكون سباقاً تضغط فيه طيلة الساعة والنصف. جميع الاحتمالات مفتوحة ومن الواضح أنّ الانطلاقة ستلعب دوراً كبيراً".

المنعطف الأوّل يلعب دوره

لم تكن هذه المرّة الأولى في هذا الموسم التي ينقلب فيها السباق رأساً على عقبٍ بسبب حادثٍ عند المنعطف الأوّل.

لم يُؤثّر ذلك في صاحب قطب الانطلاق الأوّل لويس هاميلتون هذه المرّة، وإنّما أعاد نيكو روزبرغ إلى المركز الأخير، بينما وجد سيباستيان فيتيل، الذي كان سيلعب دوراً كبيراً في فترة ما بعد ظهر الأحد بكلّ تأكيدٍ لو عبر المنعطف الأوّل سليماً، نفسه خارج السباق.

تسبّب سوء حظّ روزبرغ في سيلٍ من الأمور التي يتعيّن على مرسيدس التفكير فيها خلال الدقائق الأولى من عمر السباق.

وقال بادي لوي المدير التقني لفريق مرسيدس لموقعنا «موتورسبورت.كوم»: "كانت ردّة الفعل الأولى، «أوو كلّا!». ومن ثمّ «هل السيارة متضرّرة؟» تطلّب الأمر منّا لفّة أو اثنتين لمعرفة ما إذا كانت هناك مشاكل في السيارة، ولحسن الحظّ كان ذلك خلال فترة سيارة الأمان الافتراضيّة".

وأضاف: "بأعجوبة بدت السيارة غير متضرّرة بالكامل من الحادث. أي تبدأ حينها بالتفكير «ماهي الاستراتيجيّة التي ستعيده إلى الأمام؟» كانت وتيرة السيارة قويّة للغاية اليوم، لذلك كنّا قادرين على استغلال ذلك مع كلا سائقينا".

في المقابل فتح انسحاب فيتيل المجال أمام دانيال ريكاردو وماكس فيرشتابن ليكونا أبرز منافسي هاميلتون، كما منح ذلك أفضليّة استراتيجيّة للفريق المتمركز في ميلتون كينز. كانت سيارتا ريد بُل خلف سيارة مرسيدس وحيدة في الصدارة وكان ذلك يعني أنّ الحظيرة النمساويّة بوسعها القيام بأشياء مختلفة مع كلٍ من سيارتيها ومحاولة دفع مرسيدس نحو الخطأ.

وقال لوي: "مثّل ذلك المشكل. في الحقيقة كانت الفكرة الأولى التي راودتني أنّه هل تسبّب ابتعاد روزبرغ في الخلف في تعريض فوزنا للخطر، إذ أنّه سباقٌ تعمل فيه العديد من الاستراتيجيّات المختلفة، كما أنّه من الصعب التجاوز. نتيجة لذلك ما لا تريده أن تكون سيارة واحدة في مواجهة اثنتين، حتّى لو كانت سيارتك أسرع. بوسعهم لعب بعض الأشياء التي لن يكون بوسعك الاستجابة لها، وهو ما قاموا به بالفعل".

فيرشتابن يُقدم على خطوته

وكما كان منتظراً، توجّه فيرشتابن صاحب المركز الثالث لتغيير إطاراته عند اعتماد نظام سيارة الأمان الافتراضيّة نتيجة تعطّل مكابح رومان غروجان خلال اللفّة التاسعة، وانتقل الهولندي إلى مجموعة جديدة من الإطارات الليّنة، كما لم يُكلّفه التوقّف الوقت الذي كان سيخسره لو أجراه خلال وضع التسابق الاعتيادي.

وقال هورنر: "خلال فترة سيارة الأمان الافتراضيّة الأولى قرّرنا المغامرة وإجراء توقّف السيارة الثانية وكانت سيارة فيرشتابن. لذلك أجرينا التوقّف معه وكانت مجازفة. لكن تبيّن لاحقاً خلال السباق أنّها كانت مثمرة بالنسبة له".

وقال لوي: "كانت أفضل خطّة للسباق تقضي بالبقاء على الحلبة. قامت ريد بُل بما كنّا سنقوم به تماماً لو كنّا في ذلك الوضع وهو المغامرة بالسيارة الثانية، وأثار ذلك قلقنا".

لكنّ مرسيدس استغلّت فترة سيارة الأمان الافتراضيّة لإجراء توقّف روزبرغ (الذي تقدّم إلى المركز الـ 11 ببلوغ تلك المرحلة) ومنحته إطارات جديدة، بينما أجرت فورس إنديا ومكلارين توقّفات كلا سائقيهما معاً. كانت تلك علامة أخرى على استخدام سيارة الأمان الافتراضيّة للحصول على أفضليّة استراتيجيّة.

كانت المرحلة التالية من السباق مثيرة، وسلّط فيرشتابن لفترة ضغطاً على مرسيدس. كان متأخّراً بـ 16 ثانية فقط عن هاميلتون، لكنّه كان على متن إطارات أجدد وتمكّن من تقليص الفارق إلى 14 ثانية على مدار تلك الفترة.

أجرى هاميلتون توقّفه عند اللفّة الـ 20 منتقلاً إلى التركيبة القاسية، تاركاً الصدارة لريكاردو الذي أجرى توقّفه في اللفّة التالية ناسخاً استراتيجيّة هاميلتون. كان بوسعهما نظرياً إكمال السباق من دون الحاجة لإجراء توقّفٍ إضافي نظراً لاستخدامهما لإحدى التركيبتين الإجباريّتين، وفي حين أنّ ذلك بدا مستبعداً في البداية، إلّا أنّه منح الفريقين أمراً للتفكير فيه.

وقال لوي: "كان ذلك ممكناً، لكنّها لم تكن الطريقة الأسرع لبلوغ خطّ النهاية. تساءلنا إن كان ريكاردو يُحاول القيام بذلك في الحقيقة. سواءً كانت تلك وتيرته الحقيقيّة أم أنّه كان يدير وتيرته لإطالة عمر الإطارات لإنجاح استراتيجيّته أمرٌ غير ملموسٍ بالنسبة إلينا، إذ كان ذلك يعني أنّ بوسعنا التغلّب عليه بسهولة من خلال إجراء توقّفٍ إضافي. في الحقيقة كان فيرشتابن يُمثّل الخطر على سباقنا وليس ريكاردو، سواءً أكمل الأسترالي سباقه من دون توقّفٍ آخر أم لا".

وبعد أن أجرى هاميلتون توقّفه، كانت الصدارة بحوزة فيرشتابن حينها على متن إطاراته الليّنة بفارقٍ بلغ 6 ثوانٍ. كانت تلك مرحلة حاسمة من عمر السباق، إذ أظهر هاميلتون وتيرة تُمكّنه من مجاراة فيرشتابن.

ومع بلوغ السباق لفّته الـ 27 أجرى الهولندي توقّفه الثاني وتمكّن بشكلٍ مهمٍ للغاية من العودة إلى الحلبة أمام كيمي رايكونن. كان صاحب الـ 19 ربيعاً خلف ريكاردو وبصدد اللحاق به مستفيداً من إطاراته الأجدد.

هاميلتون يبلغ أهدافه...

بعودته إلى الصدارة، واصل هاميلتون تسجيل أسرع اللفّات لبناء الفارق الذي يحتاجه للبقاء في مأمن، كما حصل على تشجيعاتٍ من مهندسه الذي قال له: "هذه أزمنة رائعة، حافظ على تركيزك، أنت تقوم بعملٍ رائع". اتّضح في تلك المرحلة بالنسبة لمرسيدس أنّ هاميلتون تجاوز الخطر الذي يُمثّله فيرشتابن.

وقال لوي: "إلى أن تشاهد الوتيرة فستقلق حول المجهول. لكن حالما تشاهد الوتيرة بالمقارنة مع السيارات الأخرى فبإمكانك أن ترى أنّ استراتيجيّتنا تسير على نحوٍ جيّد، كان هاميلتون يقدّم بعض اللفّات الخياليّة والثابتة والسريعة، لكن في الوقت ذاته كان يُحافظ على حالة إطاراته".

وتابع: "كان أسرع بشكلٍ متواصلٍ تقريباً من فيرشتابن سواءً عند نهاية فترته على الإطارات الليّنة أو بداية فترته على الإطارات القاسية، عندما كان هاميلتون على إطارات قاسية أقدم من إطارات فيرشتابن، لكنّه كان أسرع بالرغم من ذلك بفارقٍ كبير. أدّى ذلك إلى مواجهتنا لصدمة مضاعفة عندما فقد محرّكه، إذ قاد هاميلتون بطريقة خياليّة طوال عطلة نهاية الأسبوع. كان يسير نحو إجراء توقّفٍ أخيرٍ للانتقال إلى الإطارات الليّنة أمام فيرشتابن".

...فجأة تغيّر كلّ شيء

في اللفّة التي سبقت احتراق محرّك هاميلتون المفاجئ، عبر البريطاني خطّ النهاية بفارق 22.7 ثانية عن ريكاردو مع بقاء 16 لفّة على النهاية. وكما قال لوي، فإنّ الخطّة كانت تقضي بنقله إلى مجموعة من الإطارات الليّنة ليُكمل سباقه على متنها حالما يحصل على فارقٍ كبيرٍ بما يكفي لإجراء توقّفه من دون خسارة الصدارة، لكنّه لم يصل مطلقاً لتلك المرحلة.

"برأيي كانت أكثر عطل نهاية الأسبوع قوّة بالنسبة إليه طوال هذا العام. ليس فقط خلال السباق ولكن من ناحية التحضيرات ومحاكاة المسافات الطويلة. كما كان سريعاً بشكلٍ خياليٍ خلال التجارب التأهيليّة، وقدّم أداءً رائعاً خلال السباق. كان ذلك مُقدّراً له بالرغم من قساوته، الشخص الذي يستحقّ الفوز انتُزع منه ذلك".

وسلّط انسحاب هاميلتون الضوء أكثر على المعركة الدائرة بين ثنائي ريد بُل ريكاردو وفيرشتابن، حيث ازدادت حدّتها عندما لحق الأخير بالأسترالي وكاد يتجاوزه. كانت إطاراته أجدد بستّ لفّات ومنحه ذلك نظرياً الأفضليّة.

"بحلول تلك المرحلة كان من الواضح أنّ فيرشتابن سيكمل سباقه على تلك المجموعة من الإطارات القاسية" قال هورنر، وأضاف: "بالنسبة لريكاردو فقد توقّف في اللفّة الـ 21 وكنّا نتحدّث معه حول ما إذا كان يعتقد أنّ بوسعه المواصلة حتّى النهاية. كانت إجابته الأوّليّة بعد 6 أو 7 لفّات من توقّفه أنّه يعتقد أنّ بوسعه القيام بذلك".

وتابع: "كانا بصدد منافسة بعضهما البعض على المركز الأفضل على المسار عند تلك النقطة. لهذا السبب لم نتدخّل مطلقاً، وكانت التعليمات تفيد بقدرتهما على منافسة بعضهما البعض واحترام كلٍ منهما للآخر وهو ما تحدّثنا عنه في الصباح، وترك بعض المساحة للآخر. شاهدنا تسابقاً رائعاً جنباً إلى جنب بينهما، لكنّ كلاً منهما احترم المئة موظّفٍ الذين يُمثّلانهما طوال الوقت".

نظام سيارة الأمان الافتراضيّة يُساعد ريكاردو

مع انسحاب هاميلتون، بات الرهان على أشدّه. لكنّ نظام سيارة الأمان الافتراضيّة الذي تمّ اعتماده لإبعاد سيارة هاميلتون غيّر موازين القوى بالكامل عندما توقّف ثنائي ريد بُل معاً في اللفّة الـ 41.

وشرح هورنر ذلك بالقول: "كنّا لنصل إلى الحدود القصوى للإطارات حتّى نهاية السباق. لذلك فكّرنا بإجراء توقّفٍ مزدوج وكان لدينا الوقت للقيام بذلك، ستكون حينها منافسة مباشرة بينهما. ولضمان عدم مواجهتنا لأيّة مشاكل مع الإطارات أيضاً، إذ كان على الإطارات أن تكمل مسافة طويلة جداً لو لم نتوقّف".

لم يفقد فيرشتابن أفضليّته التي تمتّع بها على إطاراته الأجدد قليلاً فحسب، بل واجه حقيقة حصول ريكاردو على مجموعة جديدة من الإطارات الليّنة التي سبق وأن احتفظ بها، بينما اضطرّ فيرشتابن لاستخدام مجموعة سبق وأن أكمل عليها عدداً من اللفّات خلال التجارب التأهيليّة. أي أنّ كفّة الأفضليّة انتقلت لصالح الأسترالي.

وقال هورنر في هذا الصدد: "نظام سيارة الأمان الافتراضيّة الثاني أعاد كلّ شيء إلى نقطة البداية. أخبرنا سائقينا أنّهما يملكان حريّة التسابق لكن مع الإبقاء على المنافسة نظيفة. تمّ توجيه التعليمات لمهندسَيهما حتّى بعد التوقّف الأخير، لكنّ النقاط الـ 43 ضروريّة. تسابقا بشكلٍ عادلٍ ونظيفٍ".

في الحقيقة لم يكونا قريبين من بعضهما البعض بعد التوقّف بالمقارنة مع ما كانا عليه قبله. قلّص فيرشتابن الفارق إلى 1.1 ثانية قبل سبع لفّات على النهاية، لكنّه عاد للارتفاع بعد ذلك وكان من الواضح أنّ كلّ شيء تحت سيطرة ريكاردو.

وقال هورنر: "كانت لريكاردو أفضليّة بسيطة كون لديه إطارات جديدة بدل الأخرى المستخدمة قليلاً في التجارب التأهيليّة".

وتابع: "لكنّ العامل الأساسي كان حصوله على أفضليّة المركز على الحلبة مقابل تواجد فيرشتابن خلفه وأمام هواء متّسخ، كان سيحصل طوال الوقت على أفضليّة بسيطة. من الواضح أنّ أداء إطارات فيرشتابن بدأ يتراجع قبل ريكاردو باقترابهما من نهاية السباق".

كان ذلك فوزاً مستحقاً لريكاردو بعد بعض الإحباطات خلال العامين الماضيين، كما كان أداءً رائعاً من فريق ريد بُل.

كما كان عليه الحال في جميع هزائم مرسيدس على مدار المواسم الثلاثة الأخيرة، كانت ريد بُل وفيراري جاهزتين للاستفادة من أيّ فرصة سانحة. وفي هذه الحالة سلّط الفائزون ضغطاً متواصلاً على أبطال العالم.

ويشعر هورنر أنّ ذلك لعب دوراً، حيث قال: "أعتقد أنّ حقيقة ضغطنا عليهم وضغطهم لمحاولة الابتعاد عن ريكاردو وفيرشتابن كانت عاملاً مساهماً في احتراق محرّكه".

وتابع: "تكون الأمور متوازنة على مدار موسم كامل. كان ريكاردو غير محظوظٍ في موناكو، كما لم تسر الأمور على نحوٍ جيّدٍ في برشلونة، لكنّ كلّ شيء سار على النحو الصحيح هنا. دائماً هناك تقلّبات".

كما لا يجب نسيان سباق روزبرغ الصعب، حيث قدّم عملاً رائعاً ليصل إلى المركز الثالث، متجاوزاً عقوبة الثواني العشر التي حصل عليها نتيجة تجاوزه العدواني على رايكونن، لكنّ تلك اللحظة أثبتت جاهزيّته للمنافسة بشدّة والمخاطرة من أجل سعيه نحو لقبه الأوّل.

وقال لوي: "قدّم لفّات رائعة عندما احتاج لذلك، جعل الإطارات تعمل لصالحه وأقدم على بعض التجاوزات الرائعة".

واختتم حديثه بالقول: "من الواضح أنّها خطوة مثيرة للجدل، لكنّ تجاوزه لرايكونن بدا مثيراً بالنسبة لي، لكنّه لم يكن كذلك بالنسبة للمراقبين…".

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة ماليزيا الكبرى
حلبة حلبة سيبانغ الدولية
قائمة السائقين دانيال ريكاردو , لويس هاميلتون , ماكس فيرشتابن , نيكو روزبرغ , سيباستيان فيتيل
قائمة الفرق فيراري , مرسيدس , ريد بُل ريسينغ
نوع المقالة تحليل