موتورسبورت.كوم
مقالات

موتورسبورت.كوم "برايم"

"إل كومينداتوري" .. الرجل الذي وقف في ظل فخامة الاسم "فيراري"

سائق مع إمكانات محدودة ومهندس مع معرفة بدائية... لم يكن إنزو فيراري يمتلك مقومات النجاح، غير أن الصناعي الإيطالي شيّد إحدى أبرز "قصص النجاح" على الطريقة الإيطالية في القرن العشرين.

"إل كومينداتوري" .. الرجل الذي وقف في ظل فخامة الاسم "فيراري"

سائق مع موهبة محدودة ومهندس مع معرفة بدائية، وعلى الرغم من أن لقبه المحبب إلى قلبه كان "المهندس"، إلاّ أنه كان يصف نفسه بـ  "محرض الرجال". كان يقول عن ذلك "إنه التوتر الإبداعي". كان الاسم المختصر لاستمتاعه بالمؤامرات والاجتماعات السرية والثرثرة وخاصة تلك التي كانت تثير الشكوك، ولكيفية تعامله مع الناس، بما في ذلك جواسيسه، بلا مبالاة تامة فور انتفاء عنصر الانتفاع منهم، وحتّى في كثير من الأحيان قبل أن تدق ساعة التخلي.

ومن أجل الدفاع عن نفسه، كان ديمقراطياً حتى الرمق الأخير: أعضاء مملكته، نجوم المسرح أو الشاشة أو الرياضة وتحديدًا السائقون، إضافة إلى الصناعيين الأثرياء والموسيقيين المشهورين.. هؤلاء جميعهم تلقوا المعاملة القاسية ذاتها من قبل هذا الإيطالي. رغم ذلك، كانوا يعشقون رؤيته، حتى قداسة البابا يوحنا بولس الثاني التقى به .... لقد كان إنزو أنسيلمو فيراري لغزًا بالنسبة للكثيرين.

مع تتابع فصول الأيام ازداد شعور إنزو فيراري بالوحدة شيئاً فشيئاً، بعدما كان قد أظهر حكمة منذ صغر سنه عندما كان ينفق موارده الشخصية الضئيلة باعتدال. فكلما قلّ ما كان يقوم به، كلما ملأ متابعوه الثغرات التي كان يخلفها خلفه. وكلما كان يقف في الظل (آخر سباق شاهده كان جائزة مودينا الكبرى 1957)، كلما كانت هالته تبرق أكثر. فنظاراته الشمسية السوداء التي لم يكن بالإمكان معرفة ما تخبيء خلفها، ومكتبه مع الإضاءة الشحيحة، والتقلبات في كلماته الغامضة وتصريحاته التي لم تكن تُحتمل ... كل ذلك عكس أسلوباً فريداً من نوعه خلف كل هذا الجنون الظاهر للعيان.

لم تكن هذه الحالة عند إنزو تتعلق فقط بأسلوب حياة اختاره لنفسه، بل كانت هناك أيضاً خلفها مادة دسمة ومؤلمة وحزينة تركت آثارها على شخصية هذا الإيطالي. عندما توفي والده وشقيقه الأكبر في سن مبكرة، وفي وقت قصير، أخرج إنزو رأسه من الغيوم ليصبح ربًا لعائلة كانت تملك تطلعات أكثر من الإلهام، ومعاني أكثر من المال. فدموع إنزو الشاب الّتي ذرفها في موقف للسيارات في مدينة تورينو بعدما رفضته شركة فيات كانت أشبه بدموع ممثل مسرحي أكثر مما كانت حقيقية لشخص كان يأمل بأن يخطُ مسيرة كبيرة في عالم صناعة السيارات.

 

حينها، قرر أن يعتمد على نفسه وأن يشق طريقه بأسلوب مختلف، فقام ببناء مصنع في مودينا، حيث عمل وعاش بتواضع. لاحقًا، تودد للعلامة التجارية الصاعدة ألفا روميو وبات وكيل الشركة المصنعة في مقاطعة إيميليـا ـ رومانيا. وإلى كل ذلك، عرف كيف يكوّن شبكة كبيرة من العلاقات، كما قرر أن يصبح سائقًا ولكن على الرغم من احتلاله للمركز الثاني في سباق تارغا فلوريو في عام 1920 وفوزه بأحد السباقات خلال منافسات كأس "كوبا أكيربو دي بيسكارا" بعد أربعة أعوام، وفي المرتين كلتيهما خلف مقود سيارة ألفا روميو، تأثر كثيرًا بوفاة السائق أنتونيو أسكاري ولم يخض إلا سباقات قليلة في بداية حقبة الثلاثينات.

في عام 1929 أنشأ فريقًا واستفاد من المكان الشاغر الذي تركه المصنعون الذين قرروا خلال تلك الفترة التخلي عن رياضة باتت تكلفتها مرتفعة. فوجد الموارد المالية الضرورية وعمل على إدارة أعماله من خلال تزويد ألفا روميو بخطة لتحقيق النجاح وتفادي الفشل المكلف. وقد حقق ذلك بفضل الدعم المالي من زبائنه ومورديه، وقد ارتبطت نجاحات هذه الحظيرة الفتيّة باللفات الأولى "الجميلة" للسائق تازيو نوفولاري، ما أقنع إنزو فيراري أن مسيرته كسائق باتت خلفه، ليعلن اعتزاله رسميًا في 1932 مع ولادة نجله دينو.

تسبب وصول مرسيدس ـ بنز وأوتو يونيون إلى السباقات بالمزيد من المشكلات للسكوديريا ولمديرها. فعدم قدرة إنزو على رفع التحدي وإيقاعه أمام المصنعين كلفه كثيرًا، بداية مع خسارة جهود السائق نوفولاري الذي قرر الانضمام إلى صفوف أوتو يونيون في عام 1938، ومن ثم فريقه، الذي قامت شركة ألفا روميو بإعادة شرائه بطلب من بينيتو موسوليني في العام التالي. حينها، تم الإحتفاظ بإنزو في منصب مدير الفريق قبل أن يخسر وظيفته في العام التالي، مما أقنعه بأنه قادر أن ينجح كربّ عمل أكثر بكثير من كونه مجرد موظف.

أعاد إنزو تأسيس سكوديريا فيراري في عام 1942 وأقام في مارانيلو كفريق مستقل، أما الشيء الوحيد الذي كان مؤكدًا بالنسبة له خلال تلك الفترة، هو أنه أصبح القبطان الوحيد في السفينة. سواء أتت فورد أم فيات أو أي مصنّع آخر، فسيتعامل معهم بصفة الرئيس. لقد نجا من الحروب واقترب من سن الخمسين وكان يدرك جيدًا أنه لم يعد يملك ترف إهدار الوقت.

 

احتاج إنزو أيضاً ليد المساعدة والعون، فعلى الرغم من انه انتهى بـ "قتل والدته" (كما قال بنفسه)، أي التغلب على ألفا روميو، وذلك في عام 1951 على حلبة سيلفرستون البريطانية خلال الفوز الأوّل لفيراري في بطولة العالم، وعلى الرغم من لقبين متتاليين مع السائق ألبرتو أسكاري، إلاّ أنّ الفريق مرّ بفترة صعبة خلال منتصف الخمسينات. فلو لم يحصل على "هدية مجانية" وعلى طبق من ذهب بعد إفلاس شركة لانسيا، وهي عبارة عن 6 هياكل لطراز دي50 وعلى خدمات المصمم فيتوريو جانو والسائق أوجينيو كاستيلوتي، لما كانت تمكنت فيراري من اجتياز أزمتها.

مذاك، هيمن على الفريق. فسياراته كانت الشيء الوحيد الذي كان يهمه، حيث بات اللون الأحمر سريعاً أيقونة ورمزاً لما تمثله بطولة العالم للفورمولا واحد، وارتفعت أسهم شعبية الحظيرة الإيطالية والمسابقة خلال عقد من الزمن. وبالتأكيد، لم يكن كل شيء باللون الزهري، حيث لقي العديد من السائقين ومن بينهم أسكاري وكاستيلوتي وبيتر كولنز ولويجي موسو حتفهم خلف مقود فيراري خلال الفترة ذاتها. لكن بالنسبة لإنزو، فهو كان يخوض حربًا ولم يكن بالإمكان تفادي الخسائر.

وجهت له الحياة ضربة قاسية بوفاة نجله دينو في سن الـ 24 عامًا. لقد فقد للتو علاقته المباشرة مع الحياة الخارجية، لذا انغمس أكثر في إدارة فريقه. لكنه لم يكن يتخيّل أو يتصور الشعبية الجارفة لفيراري بفضل نجاحاتها على الحلبة، بعدما كان لويجي تشينيتي أقنعه بضرورة المشاركة في سباق لومان من أجل إيجاد لنفسه مكان في السوق الأميركية، وسرعان ما اختلطت حياته الشخصية بحياته الإحترافية، ما ألحق أذى بزواجه.

 

كانت حقبة الستينات صعبة على إنزو، فقرر وضع "العربة أمام الحصان" بعدما عمد إلى تثبيت المحرك في القسم الخلفي لسياراته، وتخلى عن قسم كبير من عامليه بين عامي 1961 و1962 إثر حرب داخلية شهدتها أروقة الفريق، ما أدى إلى وصول ماورو فورغييري الذي سيلعب لاحقًا دورًا مهمًا، وعاش في القسم الثاني من العقد مرارة خسارة سكوديريا أمام فورد في بطولة العالم للفورمولا واحد وسباق لومان. في عام 1969، قرر إنزو التخلي عن جزء من حصته في الفريق لشركة فيات ولأحد الصناعيين الذين كان يحترمهم كثيراً وهو جياني أنييلي.

لم تكن بداية حقبة السبعينات سهلة أيضاً أو براقة، حيث لامس الفريق القعر في عام 1973 مع بداية كارثية في الفورمولا واحد. توقف برنامج سباق لومان وحصلت فيراري على مساعدة فيات بوصول مساعد شاب إيطالي حائز على شهادة في القانون والعلاقات الدولية يُدعى لوكا دي مونتيزيميلو. شعر إنزو حينها انه أمام شخص ناجح فعيّنه سريعاً في منصب مدير فريق الفورمولا واحد ومنحه الكثير من السلطة والهامش للتحرك أكثر ممن سبقوه. وبخلاف ما قام به أوجونيو دراغوني الذي استعجل في التخلص من السائق جون سورتيز، المتوج بطلاً في عام 1964، من أجل التعاقد مع سائق إيطالي، قرر دي مونتيزيميلو رؤية الأمور بمنظار مختلف وعلى نطاق أوسع والتعاقد مع أبرز السائقين المتوفرين، محافظاً على علاقة شفافة وصريحة مع إنزو فيراري في كيفية إدارة الفريق.

لم يعجب دراغوني ما أراد سورتيز القيام به، وهو تشريع ثقافة فيراري للعالم الخارجي، ما كان يعتبر تحدياً سافرًا لإنزو ولشركته. فيما حاولت فيات، في بداية حقبة السبعينات، أن تجعل من فيراري قسمًا في مجموعة، إلا أنّ النتيجة جاءت سلبية أيضاً. غير أن لوكا دي مونتيزيميلو نجح، بعدما بنى الفريق حوله وحول فورغييري والسائق النمساوي الراحل نيكي لاودا، الذي كان يقول رأيه بصراحة من دون خشية من أحد، في وقت لاحق في إيقاف برنامج فيراري في سباقات التحمل وإعادة الفريق إلى السكة الصحيحة في الفورمولا واحد.

حينها، كان إنزو فيراري قد قرر التراجع والوقوف في الظل بسبب مشكلات صحية أثرت على جسده المنهك. ولكن وصول الكندي جيل فيلنوف إلى الفريق أشعل مجددًا رغبة الرئيس في متابعة فريقه بسبب هذا السائق الذي كان يقود بأسلوب حاسم وقدرته على المقاومة مع هيكل مليء بالأفخاخ، لكن رغم ذلك لم يُعجب بتصاميم فورغييري الذي بدا أنه مال نحو تصميم سيارات باتت أكثر تعقيداً. لذا تم استدعاء هارفي بوستليثويت.

 

هذا البريطاني الذي كان يعرف بـ "دوك" عشق الحياة الإيطالية وانغمس فيها، فتعلم سريعاً اللغة وبعض الكلمات العامية المحلية. كما اضطر للقيام بالعديد من التغييرات الجذرية عند وصوله إلى مارانيلو حيث كانت العديد من المشكلات تعيق تقدم الفريق. ومع دعم إنزو، كان رائدًا في الاستخدام المكثف لألياف الكربون، وقام بتركيب فرن الأوتوكلاف للمادة المعنية وبتعديل أنظمة التعليق بشكل جذري، وأعاد الديناميكا الهوائية إلى محور العمل. حتى أنه ذهب للبحث عن قطع في بلجيكا من دون أن يشتكي أحد.

سارت الأمور بشكل رائع مع محركات في6 توربو من تصميم فورغييري، ولكن الفريق واجه العديد من المشكلات على صعيد الإدارة الداخلية. فمدير الفريق ماركو بيكسينيني بدءاً من 1978 لم يكن قادرًا على التعامل مع الصراعات داخل الأروقة الّتي كان يقودها دي مونتيزيميلو، فهو كان يملك القبضة الحديدية ولكن من دون القفاز المخملي. وهذا ما أدى إلى سلسلة الأحداث التي كانت نهايتها المؤسفة وفاة جيل فيلنوف جراء تعرضه لحادث في زولدر عام 1982.

لاحقًا، وبسبب النتائج المتواضعة للفريق في الأعوام التالية، تعاقدت فيراري مع جون بارنارد، وهو مصمم بريطاني آخر قرر أن يرسم سيارات فيراري في غيلدفورد في إنكلترا. تم الحفاظ على الهوية الإيطالية للسكوديريا فيراري التي تعاقدت مع أوّل سائق إيطالي منذ 20 عاماً وهو ميشال ألبوريتو. كان ذلك في عام 1984، ثم كادت إحدى سيارات المصمم بارانارد تفوز باللقب العالمي في عام 1990 مع الحادث الشهير الذي جمع الفرنسي آلان بروست والبرازيلي الراحل إيرتون سينا.

يعتبر إرث إنزو فيراري الذي توفي عام 1988 عن عمر ناهز التسعين عاماً، كبيرًا جدًا، خصوصاً لأن القسم الأخير من حياته كان مليئاً بالأحداث. في عام 1986 هدد بهجر حلبات الفورمولا واحد لدرجة انه قام ببناء سيارة إندي كار واختبرها مرات عدة. وقبل وفاته بوقت قصير، وقّع على هدم مصنعه في مودينا، وتوصل إلى إقناع فيات بتصميم سيارة سباق للطرقات العامة، فأبصر طراز "أف 40" النور.

 

لم يكن من السهل إيجاد خليفة لإنزو فيراري أو "إل كومينداتوري" (القائد) كما كان يطلق عليه كل من عرفه عن كثب، لكن لوكا دي مونتيزيميلو خلفه في رئاسة فيراري بعد ثلاثة أعوام من وفاة مؤسس إحدى أشهر العلامات التجارية في صناعة السيارات. في غضون ذلك، ترأس دي مونتيزيميلو لجنة تنظيم كأس العالم لكرة القدم في مونديال إيطاليا 1990 وتولى منصب نائب رئيس نادي يوفنتوس العريق المملوك من عائلة أنييلي. إلاّ أن كل هذه النجاحات في تلك الفترة لم تكن مقنعة للإيطالي الذي كان يراوده دائماً حلم العودة إلى فيراري.

نجح دي مونتيزيميلو في أن يدفع بوستليثويت وبارنارد للعمل معًا في القسم التقني، وتعاقد مع الفرنسي جان تود (رئيس الإتحاد الدولي للسيارات الحالي) في منصب مدير الفريق. وبدا جليًا أن بصمة إنزو فيراري كانت لا تزال واضحة، لكن مع تبدّل إدارة الفريق على مر السنين، كان من الممكن التعاقد مع الألماني مايكل شوماخر قادماً من بينيتون، إضافة إلى استقدام جزء من الفريق التقني للحظيرة الإيطالية، ما ساهم لاحقًا في تحقيق سلسلة أسطورية من خمسة ألقاب للسائقين وستة ألقاب متتالية للمصنعين.

بعد أكثر من 30 عامًا على وفاته، يُكافح فريق فيراري لاستعادة مجده السابق حيث لم يفز بأي لقب منذ قرابة 13 عامًا .... لقد أصبح تأثير إنزو اليوم هالة بعيدة تذكرنا بأنه كان من الصعب دائمًا إدارة فيراري، ولكن ذلك يثبت أيضاً أن رجلاً مثل إنزو فيراري ومهما كان قويًا ومهماً في حياته ومسيرته المهنية، سينتهي بالوقوف في ظل ستار عظمة وفخامة الاسم الذي أطلقه على الفريق وخلف هالته .... إنه ببساطة فيراري!

المشاركات
التعليقات
ألونسو: "لا ضمانة" حيال قدرة فرق الصدارة على تأويل قوانين 2022 بشكل صحيح

المقال السابق

ألونسو: "لا ضمانة" حيال قدرة فرق الصدارة على تأويل قوانين 2022 بشكل صحيح

المقال التالي

فيرشتابن يركز على "تحقيق اللقب" ولا يأبه "بالأرقام"

فيرشتابن يركز على "تحقيق اللقب" ولا يأبه "بالأرقام"
تحميل التعليقات